أقلام واراءزوايا

اسرائيل وملف النيل … بقلم :مصطفى الفقي

فهرس
كنت منذ أكثر من عام في اجتماع متخصص حول موضوع «سد النهضة» الإثيوبي وقلت: إننا إذا كنا نشعر بأصابع إسرائيل في التحضير للمشروع والترويج له بل والإسهام الفني فيه خصوصاً في الجانب المتصل بتوليد الكهرباء، إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نخاطب «الدولة العبرية» من خلال القنوات الدبلوماسية محتجين على مشاركتها في عمل يبدو ماساً بالمصالح العليا لمصر ومؤثراً على حصتها من المياه، بينما «مصر» صانعة السلام هي التي وقعت «اتفاقية السلام» مع إسرائيل في 26 ‏آذار 1979 وهي تنص على إنهاء حالة الحرب وتمنع قيام أي طرفٍ بعمل يضر الطرف الآخر خصوصاً أن الجيش المصري يواجه حرباً شرسة مع «التكفيريين» في «سيناء» إذ إن تطهيرها منهم سوف يصب في مصلحة أمن المنطقة التي تضم المصريين والفلسطينيين وربما إسرائيل أيضاً..
كانت تلك قناعاتي منذ عام مضى، ولقد أيدني البعض واعترض البعض الآخر، وظللت أنا شخصياً أقلب في الفكرة وأقبلها أحياناً وأرفضها أحياناً أخرى، أما قبولها فهو خضوع لمنطق «براغماتي» يحمّل إسرائيل المسؤولية عن بث أفكار ووضع سياسات لدى بعض دول «حوض النيل» للتأثير عليها والتحكم فيها، ولا شك أن مثل هذا الضغط المصري على إسرائيل إن جاز التعبير هو مواصلة لسياسة الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان يتعامل مع الأمور بمنطق يقترب من هذا النمط في التفكير، أما الجانب الآخر للرأي فيما كنت أطرحه فهو أنني شعرت بأن واحداً من أحلام إسرائيل بل والحركة الصهيونية تاريخياً هو أن تتواجد كطرف في ملف «مياه النيل» تحقيقاً لحلم معروف يقول: «دولتك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».
وأدركت أيضاً أنه إذا دست إسرائيل أنفها في الصراع على «مياه النيل» فإنها لن تكون خالصة النية بل ستحكمها بالضرورة مصلحتها أولاً وأخيراً، وقد يكون إضعاف مركز «مصر» التفاوضي حول «مياه النهر» هو غاية إسرائيلية تتصل بميزان القوى بينها وبين الجارة الكبرى «مصر» وقد عدت بذاكرتي إلى عصر الرئيس الراحل «السادات» وهو رجل دولة من طراز فريد مهما اختلفنا معه فوجدت أن الرجل قد لوح لإسرائيل بمسألة «مياه النيل» أثناء المباحثات التحضيرية ل «اتفاقية السلام» ونتذكر يومها أن الزعيم الإثيوبي الأسبق «مانجستو» قد ألقى خطاباً نارياً في حشود من جماهير الشعب الإثيوبي توعد فيها «مصر» ورئيسها مهدداً بمواجهة أي عبث بمسار «نهر النيل» في الشمال عند «دولة المصب» رداً على شائعة قوية باقتراح مصري لتوصيل «مياه النيل» إلى «سيناء».
ويومها كسر «مانجستو» أثناء الخطاب زجاجة مليئة بالدماء تحذيراً ل«السادات» ونظامه!، ولكنني أعترف أيضاً بأن «مانجستو» قد غير موقفه بعد رحيل الرئيس «السادات»، ولقد حضرت اجتماعاً بينه وبين الرئيس الأسبق «مبارك» قال فيه «مانجستو» نصاً: «إن المياه منحة من الله لنا ولكم ولن نقوم أبداً بعمل يضركم» حتى تم توقيع مذكرة تفاهم بهذا المعنى بين «مصر» و«إثيوبيا» عام 1993 وكنت قد تركت مؤسسة الرئاسة وتضمنت المذكرة اعترافاً بحصة «مصر» في «مياه النيل»، ولذلك فإنني أظن أن الموقف الإثيوبي قد تأرجح قرباً أو بعداً من «مصر» وفقاً لظروفها، ولعل جزءاً مما أغرى الرئيس الإثيوبي الراحل «زيناوي» هو حالة السيولة السياسية في «مصر» في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني 2011 وشعور الإثيوبيين ولو وهماً بأن المصريين مشغولون بالشأن الداخلي، لذلك فالظروف مناسبة لإعطاء إشارة البدء بتنفيذ ذلك السد المثير للجدل.
ولا أستطيع أن أجزم الآن كيف قرأ الإثيوبيون زيارة الدبلوماسية الشعبية المصرية ل«أديس أبابا» ولقاءهم برئيس الوزراء هناك، وهل تصوروا أن الزيارة هي بادرة محبة من الثورة المصرية للشعب الإثيوبي أم قرأها البعض في الحكومة الإثيوبية على أنها علامة ضعف ومظهر تودد في ظروف استثنائية، لأنها لم تحدث من قبل في ظروف عادية، ولقد لفت نظري منذ شهور أن صرّح مصدر إسرائيلي مسؤول باستعداد بلاده للقيام بالوساطة بين «مصر» و«إثيوبيا» حول موضوع «سد النهضة»، ويومها كتبت مقالًا بعنوان«القط يطلب مفتاح الكرار» في إشارة إلى رغبة إسرائيل في اقتحام ملف «مياه النيل» والبحث عن صيغة تعطيها شرعية لكي تكون طرفاً في الأزمة حتى ولو كانت وسيطاً.
ومع ذلك فإنني ما زلت أرى أن الإسرائيليين يجب أن يستمعوا إلى تحذير قانوني من «القاهرة» فحواه أن دورهم في بناء «سد النهضة» وجزء منه مؤكد والباقي قد يكون شائعات هو خروج عن روح «اتفاقية السلام» المصرية الإسرائيلية بل ونص بنودها أيضاً، ويقال لهم إذا كانت لكم أطماع في «مياه النيل» وذلك أمر معروف تاريخياً ومكشوف جغرافياً إلا أن تلك المياه وهي هبة السماء قد أصبحت ملكاً لدول «حوض النهر» من المنبع إلى المصب وحدهم ودون استثناء، بل ونضيف قولاً آخر للحكومة الإسرائيلية وهي أننا نشعر بأنهم يتطلعون للحصول على ميزات في ظرف غير طبيعي استغلالاً للأوضاع القائمة والواقع الإقليمي التعيس.
وخلاصة القول أنني أريد أن ألفت الأنظار إلى أن موضوع «سد النهضة» رغم موجات التفاؤل والتشاؤم حول مستقبله يحتاج إلى درجة أعمق من التفكير في مسار أحداثه وتطور مفاوضاته، خصوصاً أن عنصر الوقت يبدو لصالح الجانب الإثيوبي، كما أننا نسعى إلى الوصول إلى ضمانات دولية وإفريقية ونيلية بألا يؤدي ذلك «السد» إلى الإضرار بمصالح «مصر» وحصتها في المياه التي تحتاج إلى زيادة بسبب الانفجار السكاني فيها فضلاً عن أن الجميع يدركون أن الهدر في «مياه النهر» يتجاوز ثمانين في المئة من حجم المياه الواردة من المنبع، فالمستخدم منها يمثل نسبة ضئيلة من مياه الأمطار التي تهطل بغزارة على الهضبة الحبشية على امتداد العام، كما أن القانون الدولي ينظم بوضوح حقوق «دول الحوض» في الأنهار الدولية ويضع قواعد ثابتة ومعترفاً بها في هذا الشأن، لذلك فإن دفوعنا القانونية تسبق مفاوضاتنا السياسية وتحمي مصالحنا عند اللزوم، واضعين في الاعتبار أن «مصر» تعترف بحق «دول الحوض» في تنمية مواردها بل وتساعد على ذلك، وقد أعلن الرئيس المصري «السيسي» ذلك بوضوح مؤكدًا حق «إثيوبيا» في التنمية وحق «مصر» في المياه التي هي الحياة، إنني أتمنى أن نصل إلى تسوية قريبة لتلك المشكلة المعقدة، بين دولتين إفريقيتين شقيقتين يجمعهما حوض «النهر» وأتمنى على أشقائنا في «السودان» أن يكون دورهم كما هو العهد بهم التأكيد على حقوق الشقيقة التوأم «مصر»!

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى