الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءما وراء المنطقة العازلة في المتوسط ... بقلم :كمال بالهادي

ما وراء المنطقة العازلة في المتوسط … بقلم :كمال بالهادي

images
انطلقت يوم الاثنين الماضي العملية العسكرية في المتوسط المسمّاة «أونافور- ميد» والتي تقضي بحسب الاتحاد الأوروبي بمكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية. 
ورغم الأهداف التي تعلنها الدول الأوروبية عن أنها لا ترغب من وراء هذه العملية العسكرية سوى الحد من تفاقم مأساة المهاجرين غير الشرعيين، إلا أن دول الضفة الجنوبية تتحفظ على هذه العملية معتبرة إياها خطوة أخرى ضمن مشهد الفوضى التي تعم المنطقة..
الأوروبيون، اتخذوا قراراتهم بإنشاء قوة عسكرية تكون مهماتها مراقبة قوارب الهجرة غير الشرعية ورصد مناطق تجمعها ومن ثمة اعتراضها وإعادتها من حيث أتت. 
مهمة هذه القوة العسكرية تنتظر قراراً من مجلس الأمن الدولي، لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة والتي تقضي بالقيام بعمليات عسكرية مباشرة لاستهداف المهربين أينما كانوا، وحتى في الدول التي تعتبر قواعد لتهريب البشر.
غير أن هذه العملية العسكرية تثير شكوكاً حول مدى نجاعتها في مقاومة ظاهرة الهجرة غير الشرعية.
فقد أعلنت الجزائر عن موقفها المتحفظ من عملية أونافور- ميد، بسبب أنها تعتمد على الحلول الأمنية دون أن تتعمق في الأسباب المؤدية إلى أن يغامر الآلاف يومياً بإلقاء أنفسهم في البحر.
لكن المخاوف الجزائرية تبدو أعمق من الموقف المعلن عنه.
فاقتراب قوة أوروبية مشتركة وعسكرتها للبحر المتوسط يعني تمدد الحدود الجنوبية لأوروبا إلى مستويات متقدمة، إذ سيكون المتوسط أو جزء مهم من مساحته تحت سيطرة القوات الأوروبية والتي ستكون مدعومة بجيش كامل من الاستخبارات على الضفة الجنوبية من المتوسط إضافة إلى الجيوش الإلكترونية ومحطات المراقبة التي تستبيح بشكل أو بآخر أمن دول شمال إفريقيا.
من هذا المنطلق تبدو العملية العسكرية الأوروبية ذات أهداف أبعد من مجرد مقاومة الهجرة غير الشرعية وإن كانت الأخيرة هي أحد الأهداف الرئيسية.
 فالتحفظ الجزائري مبني على معطيات قوية بأن ما وراء هذه المنطقة العازلة هو التماس المباشر مع الحدود الترابية وبالتالي التدخل المباشر إن اقتضت الضرورة ذلك.
المتابعون لأي حدث في المتوسط يستطيعون التأكيد على أن هذا المجال الحيوي بات محل اهتمام وتنازع بين الحلفاء في حلف الناتو.
فالولايات المتحدة من خلال أساطيلها المنتشرة ومن خلال القوة السادسة المعروفة بأفريكوم، تسعى جاهدة لاحتواء المتوسط وبسط نفوذها على كامل المنطقة الجنوبية من ضفته.
 وهي تعمل على احتواء دول من أجل ضمها إلى شراكات استراتيجية مع الناتو.
فالولايات المتحدة استطاعت أن تدخل تونس في فلكها كشريك استراتيجي من خارج الناتو، بعد أن وقّعت ذات الاتفاق مع المغرب.
وهو ما يعني أنّ دولتين من جملة خمس دول أصبحت في الفلك الأمريكي، ولم تبق غير الجزائر خارج السرب- بما أنّ موريتانيا هي دولة مهمشة في المعادلات الإقليمية، وليبيا التي اندثرت فيها الدولة المركزية- وهي التي تضعها عدة تحليلات سياسية، ضمن خانة الدول المستهدفة بمخططات الفوضى وغياب الاستقرار وحتى التقسيم.
إن كان الناتو يتقدم نحو الحدود الشمالية لإفريقيا، وإن كان الأوروبيون يسارعون الزمن من أجل استعادة المجال الذي كانوا يسيطرون عليه طوال الفترة الاستعمارية، فإن «عسكرة المتوسط» تصبح عملية ذات أهداف أعمق من محاربة قوارب الموت، لأن الحقيقة الماثلة للعيان اليوم هي أن المتوسط بكل ثرواته المكتشفة حديثاً وخاصة الغاز الطبيعي، وبكل مكانته الاستراتيجية في التجارة العالمية، وفي وضع تتهاوى فيه الدول العربية المطلّة على ضفافه الجنوبية، قد صار منطقة تنازع بين القوى الكبرى.
وينتظر أن تكون العمليات العسكرية أكثر حدّة في المستقبل مع تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي سيقع اتخاذها كذرائع للتدخل في المنطقة.
هناك حديث يدور الآن عن الأوروبيين ينتظرون تفويضاً أممياً من مجلس الأمن حتى يكتسبوا شرعية التدخل العسكري المباشر.
وهذه التصريحات الإعلامية هي مجرد ذرّ رماد على العيون لأن مسألة التفويض هي مسألة وقت لا غير.
ولأن مجلس الأمن هو أداة طيّعة في أيدي القوى العظمى لتمرير المشاريع التي ترغب في تمريرها.
 صحيح أن منظمات حقوق الإنسان ترفض الخطط العسكرية الأوروبية، ولكن التّجارب السابقة تثبت أن فاعلية هذه المنظمات لا تتعدى حدود البيانات الرافضة، وهي لا تستطيع أن توقف المشاريع الكبرى التي تسعى دولها لتحقيقها.
عندما يتحدث الأوروبيون عن أن عملياتهم العسكرية ستستهدف إعادة الفارين في قوارب الموت إلى المناطق التي خرجوا منها، فإن هذا الحديث سيكون مردوداً على أصحابه لأنّ دول الضفة الجنوبية التي مازالت متماسكة إلى حد الآن رفضت أن تلعب دور شرطي حدود، ورفضت استقبال الأعداد الضخمة من اللاجئين أو من المهاجرين غير الشرعيين لأنها غارقة أصلاً في مشاكلها الداخلية.
وعليه فإن عملية أونافور- ميد ستواجه عقبة كأداء تتعلق بمصير المهاجرين الذين سيقع اعتراضهم في البحر، فهل ستعيدهم لمناطق النزاع حيث القتل والتهجير في أرفع مستوياتهم، وهي ستخالف بذلك المبادئ الإنسانية التي تتشدق بها، أم أنّها ستخصّص له ملاجئ على أراضيها، وهو ما تفعله الآن، أي قبل أن تنفق أموالاً ضخمة على مثل هذه العملية العسكرية، ومن هنا يصح السؤال عن الغاية من هكذا عملية؟
القصص التي تتناقلها وسائل الإعلام، عن المآسي التي يتعرض لها المهاجرون غير الشرعيين، من قبيل أن يلقي الأب بابنته الميتة في عرض البحر، يدرك أن هؤلاء لن توقفهم الأساطيل المنتشرة في المتوسط عن المغامرة نحو الشمال، لأن الحرائق التي تركوها خلفهم تدفعهم إلى تفضيل الموت غرقاً عن الموت حرقاً.
 والأوروبيون أو الأمريكيون الذين كانوا بشكل أو بآخر يقفون وراء الحرائق المشتعلة في شمال إفريقيا وفي شرق المتوسط، سيخسرون الكثير من أجل عملية لن تستطيع أن توقف جحافل الراغبين في الهجرة إلى أوروبا.
هناك مشاكل أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، تداخلت في دول حوض جنوب المتوسط، وتتحمل دول شمال المتوسط جانباً كبيراً من المسؤولية التاريخية أو الراهنة فيها، وما الحلول العسكرية إلا عنوان من عناوين تعميق هذه الأزمات، خطوة أخرى نحو مزيد إشعال حرائق المتوسط.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب