
حيفا- عادة ما يكون التخيل السياسي للمستقبل تمريناً متخفياً بعض الشيء في ثوب التأمل في الحاضر. أي شيء آخر يمكن أن يكون؟ ولكن، قبل أن أقاسمكم أفكاري عن نوع إسرائيل، أو بالأحرى أنواع إسرائيل، التي ربما تظهر من مصفوفة الراهن المراوغة، دعوني أؤكد سمة المستقبل الأكثر وضوحاً: عدم القابلية للتخيل. وأنا أعرف، ككاتبة ومؤرخة، أن خطوط القص لا تتطور بالطريقة التي نتوقعها، لا في الحياة ولا في الروايات. ثمة الكثير من العوامل غير المتوقعة، وبذور التطورات التي لا تُلاحَظ، والتداعيات غير المقصودة. ثمة الكثير جداً من عنصر الصدفة.
بعد عقد من الآن، ربما نكون قيد العيش في عالم أقل نحلاً، وأقل عسلاً، وفقيراً بالمغذيات. أو في عالم يشاهد -بلا حول ولا قوة مراهقيه- وهم يصبحون مدمنين مترهبين على ألعاب الإنترنت. أو في عالم حيث يشتري الأغنياء تقنية تمكنهم هم وأولادهم المعدلون وراثياً من العيش فترة أطول من الفقراء في بلدهم بأربعة عقود كاملة. ويمكن أن تخاض الحروب حول الأيقونات والرموز على الشاشة، أو على الملكيات الفكرية المسروقة.
سوف يتقاسم الشرق الأوسط هذه الأمراض العالمية، جنباً إلى جنب مع -أو بدلاً من- المحن الإقليمية الحالية. وربما تواجِه دولُه نقص غذاء أخطر بكثير من نقص المياه القائم الذي يصعب حله، مما يجعل الفقر المدقع في مصر اليوم أكثر كارثية. وقد يهدد ارتفاع منسوب مياه البحر كلاً من الإسكندرية، وتل أبيب وبيروت بالمقدار نفسه. ربما -كما هو شأن العواقب غير المقصودة- تعمل كارثة بيئية بدلاً من التدخل العسكري على الحد من دفق طاقة التيار الإسلامي المتشدد قسراً.
أو، في سيناريو آخر، ربما يتشارك الشباب الإسرائيليون والسعوديين والإيرانيون السكنى في عالم افتراضي ما على الشبكة الإلكترونية، حيث يكون زملاء لعبة على الإنترنت أكثر أهمية من ماما اليهودية أو بابا المسلم الذين يقرعون الباب. يمكن أن تجعل اختراقات التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل من الأطفال الإسرائيليين حديثي الولادة -أو بعضاً من الأطفال الإسرائيليين حديثي الولادة- أكثر صحة أو جمالاً أو ذكاء بكثير من أقرانهم في أنحاء المنطقة. وستعمل كل -أو أي من- هذه العوامل، وغيرها من العوامل التي لَم تُسبر أغوارها بعد، على إعادة ضبط مسارنا التاريخي، وأن تجعل من تنبؤات الأمس التي لا بلا معنى محلاً للسخرية.
لذلك، نعم: يمكنني أن أقدم لكم بضعة “الإسرائيليات” المستقبلية المحتملة التي يمكن أن تنبثق خلال عشر سنوات من تضاريس الراهن المعقدة. ولكن هذه التوقعات تتعلق حقاً بالعام 2015، وبالطريقة التي نحن عليها الآن.
في “المستقبل الأول”، لن أكون قيد العيش في إسرائيل بعد عشر سنوات، لأن إسرائيل لن تكون موجودة. سيكون قد تم محو إسرائيل بواسطة اثنين أو ثلاثة من الصواريخ الإيرانية متوسطة المدى، والمتوجة برؤوس نووية. وقد يصبح هذا السيناريو أقل احتمالاً بعد الاتفاق النووي الذي أُبرم مؤخراً مع إيران، ولكنني لن أصدق أي شخص يقول لي إن هذا الاحتمال قد أصبح باطلاً. في واقع الأمر، قد يكون صاروخ واحد كافياً، إذا دمر تل أبيب قبل الانتقال الوشيك لمقر قيادة قوات الدفاع الإسرائيلية إلى صحراء النقب. وسوف تنهار بقية البلد الصغير مثل جثة مقطوعة الرأس، مع أو من دون تدخل حماس أو حزب الله أو “داعش”.
إن كراهيتي العميقة لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي يعلق مهنته السياسية فقط على التهديد الإيراني وينشره لتبرير عدائه المستوطن بعمق لصنع السلام والتسوية الإقليمية، لا تعني أن كابوسه البؤري لا يشكل واحداً من أحد أشكال مستقبلنا الممكنة.
النوع الثاني من إسرائيل المستقبل هو عن بلد ربما لن أكون قيد العيش فيه بعد عشر سنوات أيضاً. فبعد أن تحتله ديمقراطياً أغلبية مطلقة لا رجعة فيها من القوميين والشعوبيين، متكئة على نمو التعصب ورفع منسوب العنف اليهودي ضد الفلسطينيين في مسلسل متواصل مروع، سوف تتمكن القدس من هزيمة تل أبيب في نهاية المطاف. سوف يحزم الليبراليون أمتعتهم ويرحلون. وسوف تغلق الأمة فائقة التكنولوجية أجهزة حواسيبها المحمولة، وتنتقل إلى وادي السليكون -أو ربما بنغالور. سيتم إسكات الفنانين والمثقفين، أو أنهم سيسعون يائسين إلى الحصول على مشاركات في الخارج. البعض سينتهي بهم المطاف وهم يعزفون كمنجاتهم -الحقيقية أو المجازية- في شوارع مدن العالم، مثل المهاجرين اليهود في الزمن الماضي. ولكن العديد من الإسرائيليين المعتدلين سوف لن يجدوا مكاناً يذهبون إليه فحسب، لأن العالم لن ينتظر لاجئي تل أبيت المسلوبين الغاضبين بكومة من تأشيرات الإقامة اللامعة.
بقيادة الليكود أو اليمين المتطرف، سوف تستمر هذه الإسرائيل في إرسال شبابها المتخرجين حديثاً من الدورات عن أوشفيتز، مرتدين الأعلام الوطنية ومغمغمين بالشعارات الغامضة عن الخلود اليهودي، إلى ساحات المعارك الشرسة الغاصّة بالمدنيين في غزة، وفي جنوب لبنان، وربما سورية أو أردن يسيطر عليهما “داعش”. ومجردة من أصدقائها الليبراليين في العالم، ومدعومة فقط من بقايا جمهوريي واشنطن المتصلبين، أو ساعية إلى كسب أنصار جدد مشكوك بهم في الشرق، سوف تصبح هذه الإسرائيل مأساة بقدر ما ستكون مهزلة أيضاً. سوف ينتهي استقرارها المالي المثير للإعجاب في نهاية المطاف، ليس بسبب الخسائر المتصاعدة من الحرب وقلة الأصدقاء العالميين فقط، وإنما أيضاً لأن معظم المليون أو نحو ذلك من الإسرائيليين المسؤولين عن المعجزة الاقتصادية لدينا ليسوا قوميين ولا صوفيين باطنيين. ولأنهم براغماتيون وكسيرو القلوب، سوف يغادرون ما وسعهم ذلك. إن القدس لن تقتل تل أبيب فقط، وإنما “وادي سيليكون” إسرائيل أيضاً.
لماذا أميل إلى الاعتقاد بأن هذا السيناريو الثاني لن يحدث؟ ربما بسبب التفاؤل الفطري الموروث من أجدادي من الصهاينة المبكرين الذين راهنوا ضد التاريخ وكسبوا. لكن ميلي يعود على الأرجح إلى ثقتي في عادات الجدل اليهودية، وفي الدينامية البشرية الأوسع للتعديل الذاتي.
ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية
فانيا عوز-سالزبيرغر – (بوليتيكون)




