الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالأصول الخفية للحرب الأهلية السورية

الأصول الخفية للحرب الأهلية السورية

فهرس
في الأشهر الأولى من الحرب الأهلية السورية، قدمت وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب الصراع هناك على أنه مجرد قضية بسيطة، طرفاها محتجون أخيار في مقابل حكومة شريرة. لكن الصراع كان أكثر تعقيداً من ذلك، ولم تفعل هذه النسخة للقصة من جانب واحد سوى جعل الأمور أكثر سوءا فقط، كما يكتب جوناثان مارشال.
منذ أن بدأت الحرب الأهلية السورية في العام 2011، لقي ما يقرب من ربع مليون من الناس حتفهم، وأُجبر نصف سكان البلد بالكامل على الخروج من ديارهم، مما خلق أسوأ أزمة لاجئين في ربع القرن الماضي. وفي الوقت نفسه، يجعل التقدم المستمر للفصائل الإسلامية الوحشية -التي وصفها ضابط رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العام 2013، بأنها “التهديد الحالي الأعلى للأمن القومي الأميركي”- يجعل من فرص استعادة السلام وحقوق الإنسان تبدو أكثر بعداً من أي وقت مضى.
ثمة العديد من الأطراف المسؤولة عن هذا الوضع، لكن من بينها بالتأكيد تدخلات الولايات المتحدة وحلفائها، والذين أقاموا أساسهم المنطقي لدعم المعارضة الإسلامية -ورفض احتضان فكرة إجراء مفاوضات سلام جادة- على أساس أن الرئيس السوري، بشار الأسد، هو دكتاتور شرير بشكل فريد. وقد خرجت هذه الصورة للأسد مباشرة من ردة فعل نظامه الوحشية على الاحتجاجات المدنية التي بدأت في أوائل العام 2011، بعد وقت قصير من بداية الربيع العربي.
في تلخيصه للفكرة السائدة، لاحظ “التحالف الدولي لمسؤولية الحماية”، أن “سبب الأزمة في سورية كان الاحتجاجات التي جرت في منتصف شهر آذار (مارس) 2011 للمطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين. وقد ردت قوات الأمن الوطني على التظاهرات واسعة النطاق، والتي بدأت سلمية، باستخدام العنف الوحشي. ومنذ صيف العام 2011 وما بعده، رفض الرئيس السوري بشار الأسد وقف الهجمات وتنفيذ الإصلاحات ذات المغزى التي يطالب بها المتظاهرون. وفي تموز (يوليو) 2011، ظهرت روايات الشهود والضحايا ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، والتي قالت إن القوات الحكومية أخضعت المدنيين للاعتقال التعسفي والتعذيب، ونشرت واستخدمت المدفعية الثقيلة ضدهم”.
في شهر آب (أغسطس) ذاك، وفي أعقاب ظهور التقارير الحاسمة حول جرائم النظام، انضم الرئيس باراك أوباما إلى القادة الأوروبيين في مطالبة الأسد بـ”مواجهة واقع رفض الشعب السوري التام لنظامه” و”التنحي”. وعمدت واشنطن إلى فرض عقوبات اقتصادية جديدة على سورية، مما دفع سفير سورية لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، إلى التأكيد على أن الولايات المتحدة “تشن حرباً إنسانية ودبلوماسية ضدنا”.
لكن الفكرة السائدة -أن “حركة الاحتجاج في سورية كانت سلمية إلى حد كبير وغامر حتى أيلول (سبتمبر) 2011″ – هي فكرة خاطئة، أو أنها غير مكتملة في أحسن الأحوال. وفي واقع الأمر، تحولت المعارضة للحكومة إلى اعتناق العنف منذ البداية تقريباً، وكانت تهدف على الأرجح إلى إثارة رد فعل قوي من أجل استقطاب البلد.
على الرغم من أن أي شيء لا يمكن أن يبرر الجرائم الكثيرة التي ارتكبتها قوات الدولة في سورية، في ومنذ ذلك الحين، فإن الحقائق التي تجاهلتها معظم وسائل الإعلام وروايات الحكومة تشير إلى أن المسؤولية عن الفظائع والأهوال التي تشهدها سورية، تبقى مشتركة إلى حد كبير. وأن الحقائق تقوض المسوغ المنطقي للمطالب المتصلبة بـ”تغيير النظام” من جهة القادة الغربيين ودول الخليج، الذين أغلقوا الباب أمام إجراء أي مفاوضات جادة، وفتحوا الطريق أمام المذابح الجماعية وصعود المعارضة الحالية التي يهيمن عليها الإسلاميون.
بداية عنيفة
كانت مدينة درعا، الواقعة في جنوب سورية بالقرب من الحدود الأردنية، هي مركز وبؤرة الاحتجاجات التي قدحت زناد الحرب الأهلية في سورية في العام 2011. وقد تزايدت المشاعر المعادية للحكومة بسبب الدفق الأخير من العائلات الغاضبة واليائسة، التي أفقرها وجردها من استقرارها ما وصفه أحد الخبراء بأنه “أسوأ موجة جفاف طويلة الأجل، ومجموعة من أكثر موجات فشل المحاصيل حدة منذ بدء الحضارات الزراعية في منطقة الهلال الخصيب قبل آلاف السنين”.
في أوائل آذار (مارس) 2011، اعتقلت الشرطة في المدينة وعاقبت بالضرب المبرح عدداً من طلاب المدارس الثانوية، بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للحكومة على الجدران. وبطريقة مستوحاة بلا شك من الربيع العربي، تجمع محتجون في مسجد محلي، وبدأوا مسيرة للمطالبة بالحقوق السياسية ووضع حد للفساد، وهم يهتفون: “الله، سورية، حرية”. وذكرت التقارير أن الشرطة السورية استجابت باستخدام خراطيم المياه والهراوات، وحتى بإطلاق النار، لتفريق المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من المتظاهرين. وزعمت وكالة الأنباء الحكومية أن “متسللين” بين المتظاهرين قاموا بتحطيم السيارات ودمروا ممتلكات أخرى وهاجموا الشرطة، مما تسبب في حدوث “الفوضى والشغب”.
بعد ذلك، ذهبت الأمور من سيئ إلى أسوأ عندما رد المتظاهرون على عنف الشرطة. وكتب أحد الصحفيين الإسرائيليين في ذلك الحين: “في بادرة غير معهودة تهدف إلى تخفيف حدة التوتر، عرضت الحكومة الإفراج عن الطلاب المعتقلين، ولكن سبعة من رجال الشرطة قتلوا، وأُضرِمت النار في مقر حزب البعث والمحكمة، في تجدد لأعمال العنف”. وحول بداية شهر نيسان (أبريل)، وفقاً لرواية أخرى، أقام مسلحون كميناً متطوراً، والذي أسفر عن مقتل نحو دزينتين من جنود القوات الحكومية المتجهة إلى درعا.
حاول الرئيس الأسد تهدئة الوضع عن طريق إرسال كبار المسؤولين الحكوميين الذين لهم جذور عائلية في المدينة، للتأكيد على التزامه الشخصي بملاحقة المسؤولين عن إطلاق النار على المحتجين. وقام بطرد حاكم الإقليم وأحد كبار ضباط قوة الأمن السياسي من منصبيهما بسبب دورهما في الأحداث. كما قام المحافظ أيضاً بالإفراج عن الأولاد الذين تسبب اعتقالهم بإثارة الاحتجاجات في المقام الأول.
أعلن الأسد أيضاً العديد من الإصلاحات الوطنية. وكما لخصتها لجنة الأمم المتحدة المستقلة للتحقيق في سورية، فقد “شملت هذه الخطوات تشكيل حكومة جديدة، وإنهاء حالة الطوارئ، وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا، ومنح عفو عام، ووضع قوانين جديدة حول حق المواطنين في المشاركة في التظاهرات السلمية”.
لكن استجابته فشلت في إرضاء المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع وأعلنوا مدينة درعا “منطقة محررة”. وكما لاحظ العالم السياسي تشارلز تريب، فقد “كان هذا تحدياً كبيراً جداً للسلطات. وفي نهاية نيسان (أبريل)، تم تحريك عملية عسكرية بهدف إعادة تأكيد سيطرة الحكومة، مهما تكن الكلفة في الأرواح”.
ردّ فعل نظام الأسد على الاحتجاجات في درعا بلا رحمة، وفرضَ الحصار على البلدة بالدبابات والجنود. وقطعت قوات الأمن خطوط المياه والكهرباء والهاتف، ونشرت القناصة على أسطح المنازل، وفقاً لما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن سكان محليين. ومع ذلك، وفقاً لتقرير آخر، قام مسلحون مجهولون في درعا بقتل 19 جندياً سورياً في الوقت نفسه.
في هذه الأثناء، كانت الاحتجاجات قد بدأت تنتشر في المدن الأخرى، تغذيها حملات وسائل الإعلام الاجتماعية. وبحلول أواخر نيسان (أبريل)، ذكرت التقارير أن القوات الحكومية قتلت عدة مئات من المحتجين. كما قُتل العشرات من أفرادها هي أيضاً.
في أوائل نيسان “أبريل”، على سبيل المثال، وقع تسعة جنود سوريين في كمين بينما كانوا في طريقهم إلى قمع المظاهرات في بانياس، وقتلوا بالرصاص على الطريق السريع خارج المدينة. وأشارت وسائل الإعلام الغربية إلى أنهم قتلوا على يد قوات الأمن السورية نفسها، بسبب رفضهم إطلاق النار على المتظاهرين، وهي حكاية خيالية مختلقة قام البروفيسور جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، بتحليلها ودحضها.
أحد زعماء المعارضة، المقيم في باريس، والذي كان قد حث المتظاهرين المحليين على البقاء سلميين، أخبر لانديس في ذلك الوقت بأنه تلقى اتصالات من ثلاث مجموعات “من أجل توفير المال والسلاح للمتمردين في سورية”. وكان من بينهم “العديد من المعارضين السوريين الموالين للولايات المتحدة”، والذين رفض ذكرهم بالاسم. وأعلن أن أي شخص يقدم المال والسلاح للثوار، إنما “يدفعهم إلى الانتحار”. وكان ذلك تحذيراً متبصراً.
الفشل في نقل الأخبار
كما استنتج لانديس، “لم ترد الصحافة الغربية والمحللون الغربيون الاعتراف بأن العناصر المسلحة كانت تصبح نشطة، وفضلوا أن يرووا قصة بسيطة عن الناس الطيبين الذين يحاربون الأشرار. ليس هناك شك في أن الغالبية العظمى من المعارضة كانت سلمية، وقد قوبلت بقوة الحكومة القاتلة وقناصتها. لكن المرء يتساءل فقط: لماذا لم يكن بالإمكان قول تلك القصة من دون التعتيم على الواقع الحقيقي أيضاً -أن العناصر المسلحة، التي لم تكن أجندتها سلمية، كانت تلعب دوراً أيضاً”.
كما اتهم لانديس الصحافة الغربية أيضاً بتقديم أخبار مغلوطة بنفس المقدار عن مجزرة جرت ضد قوات الأمن الحكومية في أوائل حزيران (يونيو) 2011، في مدينة جسر الشغور -معقل جماعة الإخوان المسلمين بالقرب من الحدود التركية- حيث ذُبح نحو 140 من أفراد قوات الشرطة والأمن.
في تلك الحادثة، رددت الكثير من تقارير الأخبار الغربية، من دون تمحيص، ادعاءات الناشطين المحليين بأن الضحايا هناك تمردوا ضد قادتهم وقتلوا على يد القوات الحكومية. لكن أشرطة الفيديو التي صورت القتال كانت “حاسمة إلى حد كبير في تأييدها لرواية الحكومة الأصلية للحادث: الجنود المتمركزون في المدينة تعرضوا لاجتياح قوات مسلحة ومنظمة من المعارضة”.
في مدينة حماة، ظهر شريط فيديو آخر يعرض المتمردين وهم يقومون بإلقاء جثث الجنود من فوق جسر الطريق السريع. وقالت محطة (سي. إن. إن) في تقاريرها يوم 2 آب (أغسطس) 2011: “أحد أبرز الناشطين المناهضين للحكومة، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه نظراً للمخاطر التي يمكن أن تنشأ عن إدلائه بمعلومات، أخبر (سي. إن. إن) أن رواية التلفزيون الحكومي صحيحة. إن الجثث هي لأفراد من الشرطة السرية السورية، قتلوا على يد مقاتلين سوريين من العراق، والذين انضموا إلى القتال المناهض للحكومة”.
ومع أن نفس الناشط أصر على أن هذا العنف المناهض للحكومة كان الاستثناء وليس القاعدة، فإنه اعترف بأن هذا العنف أعطى “مصداقية لتأكيدات الحكومة السورية على أنها تستهدف العصابات المسلحة”.
بعد ذلك بوقت قصير، حذر المحلل في مؤسسة ستراتفور الخاصة لجمع المعلومات الاستخباراتية زملاءه بعدم الانخداع بدعاية المعارضة: “يجب أن تجد المعارضة سبلاً للإبقاء على سرد الربيع العربي مستمراً، وبذلك يجب أن يكون تدفق الأخبار المستمر عن وحشية النظام وقوة المعارضة متوقعاً. ومع أنه من المؤكد أن المحتجين والمدنيين يقتلون، فإن هناك القليل من الأدلة على وجود وحشية هائلة مقارنة… بحملات القمع في دول أخرى في المنطقة. كما لم تشهد ستراتفور أيضاً أي علامات على استخدام الأسلحة الثقيلة لارتكاب مجازر بحق المدنيين أو لإلحاق أضرار كبيرة في المعركة، على الرغم من استخدام دبابات تحمل أسلحة من عيار 0.50 ملم لتفريق المتظاهرين”.
في شهر آب (أغسطس) ذاك -قبل أيام فقط من دعوة القادة الغربيين الأسد إلى التنحي- تنبأ لاندس، محقاً، بأن النظام لن يتنحى بهدوء بكل بساطة، ويسمح للمعارضة بالاستيلاء على السلطة:
“إن الانقسامات في سورية عميقة جداً. وسوف يعمل الخوف من الانتقام والتطهير العرقي على حفز أولئك الذين دعموا النظام الحالي لعدة عقود. ولو أن القيادة السورية كانت مستعدة لتسليم السلطة سلمياً أو إقامة نوع من المؤتمر الدستوري، لكانت قد فعلت ذلك مسبقاً. إن الفقر وفقدان الكرامة بالنسبة للكثير من السوريين يشكلان جزءا ساحقاً من الواقع السوري…
“إن سورية مليئة بالناس الذين لديهم القليل ليخسروه؛ من الذين لديهم قدر ضئيل من التعليم، وفرص قليلة لتحسين فرصهم في حياة أفضل وأكثر كرامة. وتبقى احتمالات العنف والخروج على القانون هناك كبيرة. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو عدم وجود قيادة بين قوى المعارضة”.
ولكن، وبدلاً من الاستجابة لمثل هذه المشورة والسعي إلى تعزيز الحوار والمصالحة في سورية، اختارت الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى -جنباً إلى جنب مع حلفائهم في تركيا ودول الخليج- نهج المواجهة وتعميق الحرب الأهلية. وكما حذر المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فيليب جيرالدي، في كانون الأول (ديسمبر) 2011:
“يجب أن يكون الأميركيون قلقين إزاء ما يحدث في سورية، حيث تهدد الأحداث فقط بأن تصبح حرباً غير معلنة أخرى مثل ليبيا، وإنما أسوأ منها بكثير… إن منظمة حلف شمال الأطلسي تشارك مسبقاً وسراً في الصراع السوري، في حين تتولى تركيا الريادة كوكيل للولايات المتحدة… ثمة طائرات حربية لا تحمل علامات الناتو تصل إلى القواعد العسكرية التركية على مقربة من الإسكندرون على الحدود السورية، وتقوم بجلب الأسلحة من ترسانات الراحل معمر القذافي، بالإضافة إلى المتطوعين من المجلس الوطني الانتقالي الليبي، من المتمرسين وذوي الخبرة في تأليب المتطوعين المحليين ضد الجنود المدربين، وهي مهارة اكتسبوها من مواجهة جيش القذافي.
“الإسكندرون هي أيضاً مقر للجيش السوري الحر، الجناح المسلح للمجلس الوطني السوري. ويتواجد المدرِّبون من القوات الخاصة الفرنسية والبريطانية على الأرض لمساعدة المتمردين السوريين، في حين توفر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وقوات العمليات الأميركية الخاصة معدات الاتصالات والاستخبارات لمساعدة قضية المتمردين، وتمكين المقاتلين من تجنب تركيزات الجنود السوريين”.
ماذا تستنتج من كل هذا؟
ما الذي يمكن أن يستنتجه المرء من هذه الحقائق؟ أولاً، حتى لو كانت الدعاية المعارضة قد ضخمت القضية ضد نظام دمشق في بعض الأحيان، فإنه لا يمكن أن يكون هناك سبب للشك في التقارير العديدة التي صدرت عن الأمم المتحدة والمنظمات الخاصة بحقوق الإنسان، والتي أكدت أن القوات الحكومية –المعتادة على عقود من الحكم الاستبدادي- “ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، من القتل والتعذيب وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك القتل غير المشروع، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والاحتجاز والعنف الجنسي، والهجوم العشوائي، والنهب وتدمير الممتلكات”.
ومع ذلك، تلقي ملاحظة الاستفزازات القاتلة التي مورست ضد قوات الحكومة السورية ضوءا مختلفاً تماماً على أصول النزاع. وعلاوة على ذلك، تعترف بعض منظمات حقوق الإنسان أيضاً بأن قوات المعارضة المسلحة بدأت بارتكاب جرائم ضد المدنيين بحلول صيف العام 2011. وفي آذار (مارس) 2012، أرسلت منظمة هيومن رايتس ووتش “رسالة مفتوحة” إلى زعماء المعارضة السورية، والتي شجبت فيها “الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها عناصر المعارضة المسلحة”، بما في ذلك أعمال الخطف والاعتقال لمؤيدي الحكومة، واستخدام التعذيب وإعدام أفراد قوات الأمن والمدنيين، وشن الهجمات الطائفية ضد الشيعة والعلويين.
ولم تتجاهل وسائل الإعلام الغربية مثل هذه التقارير، ولكنها قللت من شأنها إلى حد كبير، راغبة بلا شك في إبقاء التركيز منصباً على السرد الأكبر (والأبسط) عن شرور الأسد. (بالكثير من الطريقة نفسها، قللت وسائل الإعلام الغربية المتعاطفة مع المعارضة الأوكرانية من دور العنف اليميني في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش في شباط-فبراير 2014).
باختيارها الاستشهاد بحقوق الإنسان بشكل انتقائي لعقلنة وتسويغ فكرة تغيير النظام، اتبعت الحكومات الغربية -بما فيها إدارة أوباما- نفس نهج المعايير المزدوجة القائم منذ فترة طويلة. فقد ارتكبت العديد من الدول التي تدعمها الولايات المتحدة، والتي تشارك في الحملة المناهضة للأسد، بما في ذلك دول خليجية وإسرائيل، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب أيضاً، سواء في الوطن أو في المناطق والدول المجاورة، مثل غزة واليمن ولبنان.
في سورية، كما هو الحال في ليبيا والعراق، أصبحت مسألة حقوق الإنسان عربة مناسبة لدعم طموح المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، والقائم منذ وقت طويل، إلى الإطاحة بالانظمة العربية المهمة والحاسمة، كجزء من خطة طموحة لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط. وقد تم استخدام القضية الجديرة الخاصة بإنقاذ الأرواح بطريقة معاكسة، للتضحية بقدر أكبر بكثير من الأرواح السورية.
يظهر التاريخ أن الحرب في حد ذاتها هي أكبر تهديد لجميع حقوق الإنسان. ولا شك في أن “مسؤولية الحماية” التي نشترك جميعاً في تحملها، ينبغي أن تبدأ بالجهود المبذولة للحد من بدء وتوسع الصراعات المسلحة في المقام الأول، وليس من تأجيجها باسم الإنسانية.
جوناثان مارشال* – (كونسورتيومنيوز. كوم)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*جوناثان مارشال: هو باحث مستقل يعيش في سان أنسيلمو، كاليفورنيا. من بين مقالاته السابقة التي نشرها موقع Consortiumnews “ردة الفعل المحفوفة بالمخاطر للعقوبات الروسية”؛ “المحافظون الجدد يريدون تغيير النظام في إيران”؛ “المال السعودي يكسب ود فرنسا”؛ “مشاعر السعوديين المجروحة”؛ و”التهديد النووي للمملكة العربية السعودية”.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Hidden Origins of Syria’s Civil War
(للاطلاع على الجزء الأول من هذا الموضوع المكون من جزأين، أنظر “اليد الأميركية في الفوضى السورية” في هذا المكان من عدد أمس).
Facebook TwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظ

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب