الخميس, أبريل 23, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالتقارب مع الدول المارقة

التقارب مع الدول المارقة

فهرس
سول- أطلق الرئيس جورج بوش الابن في خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأميركي في العام 2002، وصفه الشهير للعراق وإيران وكوريا الشمالية، على أنها تشكل “محور الشر”. وفي السنوات التي تلت ذلك، لم تتعامل أميركا مع تلك الدول بالطريقة نفسها. وتوفر لنا هذه الاختلافات في التعامل معلومات مفيدة إلى حد كبير.
لقد اعتقد بوش ومستشاروه المتشددون أن القوة فقط، أو “تغيير النظام”، هي الوسائل التي سوف توقف إرهاب تلك الدول المارقة، أو تعطل برامجها للحصول على “أسلحة الدمار الشامل”. ولذلك، في آذار (مارس) من العام 2003، قامت الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق، وهو ما نتجت عنه حرب أهلية شبه دائمة طيلة عقد من الزمان، وحكومة مركزية غير فعالة في بغداد، والآن صعود تنظيم “الدولة الإسلامية”.
عرض الرئيس الإيراني في ذلك الحين، محمد خاتمي، وهو سياسي معتدل، ما كان يمكن أن يكون صفقة منطقية من أجل الحد من البرنامج النووي للبلاد. ولكن بوش وفريقه فضلوا الضغط على إيران بالعقوبات والتهديدات العسكرية، وتبخر أي أمل بحل تفاوضي عندما نجح محمود أحمدي نجاد في تولي الرئاسة خلفاً لخاتمي في العام 2005. وفقط عندما تولى رئيس معتدل آخر، هو حسن روحاني، سدة الرئاسة في إيران في العام 2013، تم إحياء الأمل بالتوصل إلى حل تفاوضي.
لحسن الحظ، لم يفوت الرئيس الأميركي باراك أوباما الفرص التي تم تقديمها إليه. وفي واقع الأمر، فإن الاتفاقية الأخيرة مع إيران، والتي تأتي بعد تحقيق اختراقات دبلوماسية مع ماينمار وكوبا، يجب أن تجعل اولئك الذين يدعون بأن أميركا في حالة انحدار يعيدون التفكير.
ولكن، ماذا عن كوريا الشمالية، العضو الأخير في “محور الشر” سيئ السمعة؟ بالنسبة لإدارة بوش، كان إطار جنيف المتفق عليه، والذي وقعته كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية في العام 1994 بهدف تجميد النشاط النووي للشمال والتفكيك التدريجي لمفاعلات الجرافيت، كان عملاً استرضائياً من قبل إدارة الرئيس بيل كلينتون “الساذجة”. وقد فضلت إدارة بوش انتهاج سياسة أكثر تشدداً، وذلك باستخدام ما يطلق عليه اسم “المحادثات السداسية” والتي بدأت في العام 2003 وضمت الولايات المتحدة الأميركية، والصين وروسيا واليابان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. وتم استخدام هذه المحادثات كمرجل ضغط تقريباً. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن ذلك بشكل صريح، فإنه كان يعتقد على نطاق واسع بأن صناع السياسة الرئيسيين في أميركا كانوا يريدون تغيير النظام في كوريا الشمالية.
ولكن، وعلى الرغم من أن بوش أبقى على موقف أميركا المتشدد من إيران، فإنه قرر في العام 2006 أن يغير المسار فيما يتعلق بكوريا الشمالية، وبدأ السعي للتوصل إلى صفقة -مما لا شك فيه أن قراره تأثر بأول اختبار نووي لكوريا الشمالية، والذي تم إجراؤه في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام. ولم يتم تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في نهاية المطاف خلال الجولة الخامسة للمحادثات السداسية في شباط (فبراير) 2007، بسبب رفض كوريا الشمالية الموافقة على بروتوكول التحقق.
عندما تولى أوباما مهام الرئاسة في كانون الثاني (يناير) من العام 2009، وعرض أن “يمد يده” إلى دول بوش المارقة، كان المتفائلون يأملون بنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية عن طريق التفاوض. لكن كوريا الشمالية عمدت، للأسف، إلى خيانة الولايات المتحدة الأميركية ثلاث مرات على الأقل منذ ذلك الحين. فقد قامت بإجراء اختبار نووي ثان في أيار (مايو) 2009، وأطلقت قمراً صناعياً في نيسان (أبريل) 2012، في انتهاك لقرارات مجلس الأمن أرقام 1718 و1874، كما قامت بإجراء اختبار نووي ثالث في شباط (فبراير) من العام 2013. ونظرا للتهديدات المتكررة التي أطلقها نظام كوريا الشمالية بتحويل الأهداف الأميركية من هاواي إلى واشنطن إلى “بحر من النيران”، فإن من الصعب استدامة هذا التفاؤل.
وإذن، بماذا يمكن أن تفيد التجربة مع ثلاثي “محور الشر” منذ العام 2003 صناع السياسة الأميركان؟ أولاً، أن استهداف “تغيير السياسات” هو أكثر منطقية من السعي إلى “تغيير النظام”. وقد قامت إدارة بوش بتغيير النظام في العراق بثمن هائل ما يزال يتم دفعه لغاية الآن. وعلى النقيض من ذلك، كان هدف أوباما تجاه إيران متواضعاً وركز على نزع السلاح النووي. وقد أثمرت هذه الطريقة.
إذن، بماذا يوحي ذلك بالنسبة لكوريا الشمالية؟ نظراً للتكتيكات التفاوضية الماضية لنظام كيم، فإن من المفهوم أن يكون أوباما متردداً في إطلاق أي مبادرة دبلوماسية جديدة. كما يمكن أنه يعتقد أن التفاوض مع كوريا الشمالية سوف يوفر لخصومه السياسيين المحليين المبرر لتخريب صفقته مع إيران.
وهكذا، سيكون من المرجح الاستمرار في نهج الانتظار. ولكن انتظار انهيار نظام كوريا الشمالية هو عبارة عن استراتيجة تلقائية لتغيير النظام، علماً بأن ثمن الانهيار الفوضوي والعنيف يمكن أن يكون مرتفعاً بشكل مخيف. والخوف من ذلك الثمن هو الذي يبقي الصين سلبية للغاية فيما يتعلق بعميلتها الكورية الشمالية.
لكن الوقت ليس في مصلحة أميركا. ذلك أن كوريا الشمالية مستمرة في تعزيز مخزونها النووي وتطوير تقنيات صواريخ طويلة المدى (بإمكانها بالفعل إطلاق صاروخ باليستي قادر على ضرب الساحل الغربي لأميركا). وباختصار، أصبحت كوريا الشمالية تشكل تهديداً أمنياً مباشراً للولايات المتحدة الأميركية.
وفقاً لذلك، يجب أن تكون لدى صناع السياسة في أميركا أهداف محدودة فقط للتعامل مع كوريا الشمالية. كما يجب عليهم الإقرار بأن من الممكن تحقيق تلك الأهداف فقط عن طريق ربطها بفوائد اقتصادية لنظام كيم. وكان قرار ليبيا بالتخلي عن خيارها النووي في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2003، وصفقة إيران النووية هذا العام ممكنة لهذا السبب على وجه التحديد.
بطبيعة الحال، ليست كوريا الشمالية ليبيا أو إيران، ولكنها ليست دولة الخمسينيات المنعزلة كذلك، حيث انتقلت بشكل كبير إلى اقتصاد السوق في السنوات الأخيرة. وفي واقع الأمر، بحلول أوائل الألفية الثالثة، كان أكثر من أربعة أخماس معدل دخل الأسرة في كوريا الشمالية يتألف من أرباح غير رسمية تأتي من نشاطات السوق. وفي الوقت نفسه، يعتمد النظام على الضرائب المفروضة على التجارة الدولية من أجل إعالة نفسه.
ليس زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، زعيماً إصلاحياً مثل دينج كيساوبينج في الصين، ولكن نظامه أصبح يشبه الصين مع مرور الأيام بسبب التوسع الذي لا رجعة فيه لقوى السوق. ومن المؤكد أن هذا سوف يغير السياق الذي يحسب كيم بموجبه ثمن وفوائد برنامجه النووي. ويتوجب على الغرب تسهيل هذا التغيير في حساباته.
علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن بوسع الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا أن تتعاون جميعاً في التوصل إلى صفقة إيران، يمكن أن تكون من العوامل المساعدة. وبشكل خاص، فإن موقف الرئيس الصيني شي جينبينج المتعلق ببرنامج كوريا الشمالية النووي هو أقرب إلى الموقف الأميركي مقارنة بمن سبقوه. ونظراً لتبعية كوريا الشمالية الاقتصادية للصين -والتي تشكل حوالي 90 % من تجارتها هذه الأيام- فإن من الأهمية بمكان الاستفادة من هذا التقارب في السياسات.
لعل أفضل وسيلة للقيام بذلك هي التخلي عن فكرة “الصبر الاستراتيجي” وبدء اتصالات غير رسمية مع كوريا الشمالية لاستكشاف نوايا كيم، علماً بأنه نظراً لوجود نظام متقلب مثل النظام الكوري الشمالي، فإن الصبر لا يمكن أن يكون فضيلة في هذا المقام.
يون يونغ-كوان*
*وزير سابق لخارجية جمهورية كوريا، وهو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سول الوطنية.
*خاص بـ “الغد” بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”، 2015.
Facebook TwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظ

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب