
إذا كانت الأزمات تكشف معادنَ البشر، فإنّ السنوات الأربع الماضية، على وجه التحديد، كشفت معادن المثقفين، لا سيّما في العالم العربي، وأسقطت الهالة عن منجزهم، وأصابت صورَهم بخدوش عميقة.
ومع تواصل الخدش والتّكسير والامّحاء لصور المثقف، أضحى من اللائق أن يُعاد ترسيم دور المثقف، وتحديد أدق للتسمية، كيلا يتحلّل مفهوم الثقافة أكثرَ فأكثر، فيصير رديفاً للانتهازيّة، وتفسّخ الضمير، وبيع الأوهام، والميل مع الريح أنّى هبّت، وفي أي اتجاه سار غبارُها.
وفي إعادة ترسيم حدود المثقف وتعيين دوره، ما يسعف في إنقاذه من التّعنيف، وفي إراحة كاهليه من عبء الأثقال والتوقعات، وهو ما يزيل الترابَ عن المرآة التي ينظر عبرها المثقّف إلى نفسه، وينظر الناس عبرها إلى المثقف.
وما يجعل هذه المهمة «الثقافيّة» عاجلة هو اختلاط الأوراق، واتّساع المفهوم، حتى صار المثقف حقلاً، بل قل غابة فسيحة مترامية الحدود، تعثر فيها على المفكر والفيلسوف والشاعر والروائي والناقد والرسام والموسيقي والأكاديمي والمصوّر والمؤلف الدرامي والمخرج، وكل من يعمل في إطار العلوم الإنسانية. بل هناك من يعتبر أنّ كلّ حائز على شهادة جامعيّة متقدّمة هو بالضرورة «مثقف». وثمة من يُسبغ هذه الصفة على كل من يتحدّث بالثقافة، أو يزعم قراءة كتاب أو اثنين، أو من يشاهد السينما. فالمثقّف لم يَعد منتج الثقافة وحسب، بل راح يزاحمه مستهلكها في حيازة «اللقب»، لأنّ المتلقّي شريكٌ في صناعة النّص الأدبيّ أو الفنيّ أو الجماليّ!
اتّسع المصطلح، اتساعَ الفتق على الرّاتق، ما يُفسح لاقتراحات الخيال أن تُحرّر المصطلح من الإكراهات، فيغدو «المثقف» مثل صاحب أيّ وظيفة أو مهنة، يعمل في إطار محدّد، ويتلقّى دخلاً لقاءَ ذلك، فإن بدر منه ما يدعم قيم الجمال والحق والخير والحبّ، فلأنه إنسان أولاً، وليس مثقفاً، وربما يستوطنه شيطان الشرّ، فيروح يشدّ على أيدي الطغاة، ويبرّر توحّشهم ويلتقط، متباهياً، الصور التذكاريّة معهم.
سقط التمثال، وتمزّقت الرسالة، وتعدّدت أدوار طبقات المثقفين، فحتى غرامشي الذي عوّل كثيراً على الصفة الرسوليّة للمثقف العضويّ، تحدث عن المثقف التقليدي، والمثقف النيوأكاديمي، والمثقف الجمعي، كما أدرك أن هناك المثقف العتيق (الكييريكي) الذي قايض حرّيته ودوره بمواقف انتهازيّة نفعيّة تناقض خطابه، وتكشف تهافته.
بيْد أن غرامشي لم يتوقّع أن يغدو هذا المثقف الأخير هو المثال الأكثر شيوعاً في اللحظة الراهنة. لقد سقط رهان غرامشي، كما سقطت من بعده رهانات إدوارد سعيد الذي تساءل وهو يحدّق في «صور المثقف»: «هل من الجائز للمثقف المعاصر، الذي يعيش في زمن مرتبك نتيجة اختفاء ما يبدو أنها كانت معايير أخلاقية وسلطة واعية، أن يكتفي، ببساطة، إما بتقديم الدعم الأعمى لسلوك سلطات بلاده والتغاضي عن جرائمها، وإما بالقول بدون مبالاة: أعتقد أنهم كلهم يفعلون ذلك، وأن هذه حالة الدنيا؟».
لم يعد متيسّراً المثقفُ المحلومُ به الذي يطرح أسئلة محرجة، ويصعب على الحكومات أو الشركات استقطابه، ويواجه التّنميط والجمود، ويسير عكس التيار، ويخشى من فقدان دوره الإبداعي، ومن خيانة نصّه.
أبعدَ من ذلك، ليس بالضرورة أن يكون مثقفاً ذلك الذي يمثل المبادئ الكونية، ويتصادم مع التجاهل والنسيان، ويواجه القوّة بخطاب الحقّ، ويكدّر صفو السلطة. فمثل هذه الأدوار يمكن أن يقوم بها «الكائن المعرفيّ»، وهو اصطلاح بديل عن «المثقف» المطحون بين تطلّعات الناس وتوقّعاتها منه، وبين نزعاته الانتهازيّة، وانفصاماته، وتمزّقاتها، وضعف مناعته أمام إغراءات السّلطة أو المال أو النفوذ، أو الانتماءات والولاءات الجغرافية والمذهبية التي ترتدّ بالكائن إلى أزمنة اكتشاف النار التي يحترق بها اليوم «الخيلُ والليلُ والقرطاسُ والقلمُ»!.
الحياة اللندنية




