الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالمفارقة التونسية: قصة نجاح الربيع العربي، ومهد الإرهابيين

المفارقة التونسية: قصة نجاح الربيع العربي، ومهد الإرهابيين

تنزيل

تونس هي مكان ولادة انتفاضة الربيع العربي الديمقراطية، وهي البلد العربي الوحيد الذي شهد نجاة الديمقراطية. لكن البلد مصدر للإرهاب النامي في الوطن، وإحدى ضحاياه أيضاً.
منزل بورقيبة، تونس- ثمة شجرة رمان وبعض أشجار الكرمة في الفناء الصغير. وخلف السور الخارجي، يمكنك أن تشاهد بحيرة بنزرت على اتساعها وهي تمتد تحت النور التونسي الناعم.
يمسك ماجد باشاهد غصناً ويقطف ثلاث رمانات ويقدمها بطلب للزائر. ومع أنه لا يريد إظهار ذلك، فإن حزناً لا يمكن السيطرة عليه يلف المزارع البالغ من العمر 50 عاما ونيف. لكن الحياة تمضي في بيته الصغير على هذه التلة الصخرية بالقرب من منطقة منزل بورقيبة، في شمالي تونس، حيث تهيم الشياه وسط أشجار الزيتون. لكن ما يعكر صفو تلك الحياة هو الغياب القسري لابنه، أحمد، الذي اختفى في سورية.
أصبح العدد المتنامي من شباب تونس الذين يلبون دعوة الانضمام إلى الجهاد مسألة ملحة وخطيرة منذ بدأ البلد بالتعرض إلى سلسلة من الهجمات الإرهابية. وفي أعقاب هجومين استهدفا سياحاً أجانب وتمخضا عن مقتل 60 شخصاً، أسفر تفجير انتحاري وقع مؤخراً ضد قوات الحرس الرئاسي في العاصمة عن مقتل 13 شخصاً.
في الأسبوع الذي سبق آخر هجوم في تونس، دعانا باشاهد إلى الجلوس في غرفة الجلوس في منزله؛ حيث تعلقت سورة مؤطرة من القرآن على الحائط الأبيض. ويقول لنا الوالد ما يتذكره عن ابنه: “قال إنه ذاهب إلى لبنان. قال إنه وجد وظيفة هناك”.
كان ذلك في شهر آذار (مارس) من العام 2012. وكان أحمد يبلغ من العمر 29 عاماً في ذلك الحين. وتظهر الصورة التي يحملها والده بقوة بين أصابعه شاباً يتمتع بالثقة، شعره قصير وعيناه كبيرتان وجبهته عالية. لكنه يتعفن الآن في سجن في دمشق. موضوع لبنان كان كذبة. وكان أحمد في الحقيقة قد سافر إلى سورية عبر تركيا كما يبدو. ويشتكي الوالد من أن الرحلة كانت مصيدة. فبعد وضعهم على خط الجبهة، انتهى المطاف بمعظم المجموعة المكونة من 43 تونسياً، والذين كان أحمد يقاتل معهم، في سجون بشار الأسد.
الآن، بعد ثلاثة أعوام ونصف العام، ما يزال والده الذي لا يعزيه شيء ينتظر عودته وهو يحاول أن يفهم ما حدث. ويشرح باشاهد لماذا كان مقتنعاً جداً بأن أحمد ذهب للعثور على عمل في مكان آخر، ويقول عن ذلك: “فرص العمل محدودة جداً أمام الشباب في تونس”.
لا شيء على وجه الخصوص
ومع ذلك نصر نحن عليه. نسأله عن لحية أحمد الشبيهة بلحى السلفيين في الصورة. وهل كانت لدى الشاب أي روابط بالمجموعات المتطرفة التي ظهرت بعد ثورة الياسمين التي أطاحت بالدكتاتور السابق زين العابدين بن علي في أوائل العام 2011، فيجيب: “لم ألاحظ أي شيء على وجه الخصوص”.
وعندئذ، يتدخل في الحديث صهره، مصطفى، فيقول: “كما تعرفون، تكون لدى الناس أسرارهم في بعض الأحيان”.
أصبحت حالة عائلة باشاهد مألوفة بشكل متزايد في تونس. فهذا البلد الشمال إفريقي الصغير الذي يبلغ عدد مواطنيه 11 مليون نسمة، يجسد مفارقة مدهشة. إنه موطن حركة انتقالية ديمقراطية فريدة من نوعها في العالم العربي-المسلم، باعتبار “ربيعه” هو الوحيد الذي نجا واستدام بعد العام 2011. لكنه ما يزال يشكل مع ذلك أكبر مصدر للجهاديين المستعدين للذهاب إلى الخارج من أجل القتال. ووفق تقرير مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة عن استخدام المرتزقة، فإن ثمة 5.500 شاب تونسي غادروا البلد للقتال في الخارج، وهو رقم عالٍ جداً في ضوء العدد المتواضع لمواطني البلد.
أما الوجهات المفضلة لدى المقاتلين التونسيين الطامحين فهي: سورية (4000) مقاتل، تتبعها ليبيا (بين 1000 و1500)، فالعراق (200)، ومالي (60) واليمن (50). وقد وفر الحرمان الاجتماعي والاقتصادي الذي تبع الثورة، وخاصة بين ظهراني الشباب من المناطق المهملة في وسط البلد (قفصة، وسيدي بوزيد وقصرين، الخ) من حيث تفرعت الانتفاضة، أرضية تفريخ لتلك المغادرات.
بطريقتهم الخاصة، يحاول هؤلاء الشباب -على الرغم من الشعارات الإيديولوجية المختلفة- أن يزعموا لأنفسهم التقليد الأسطوري للمجاهدين التونسيين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، الذين ذهبوا إلى الخارج للقتال ضد الاستعمار ومن أجل القومية العربية. لكن الفارق أن جهاديي اليوم يمكن أن ينقلبوا ضد بلدهم الخاص. وهناك يكمن التحدي الكبير الجديد أمام تونس.
كان البلد قد تلقى ضربة قاسية في الربيع وأدرج فجأة في خريطة الإرهاب الدولي بعد أن شهد هجومين مشهودين: الأول يوم 18 آذار (مارس) على متحف باردو الوطني في تونس، الشهير بأعماله الفنية التي تعود إلى زمن قرطاجنة وروما؛ والثاني يوم 26 حزيران (يونيو) على المنتجع السياحي في ميناء بالقرب من مدينة سوسة. وقد تم استهداف رمزين في هذين الهجومين: مجد حضارة ما قبل الإسلام؛ والسياحة الغربية.
وفي الأثناء، بدأ تنظيم “داعش” الإرهابي في التركيز على زعزعة استقرار الاقتصاد التونسي عبر إضعاف واحد من أعمدته، صناعة السياحة التي تشغل نحو 14 % من المواطنين العاملين. وهي استراتيجية معدة جيداً لتقويض النظام.
لكن الهجوم الأخير ضد الحرس الرئاسي قد يؤشر على تحول في استراتيجية التنظيم، مع ظهور دلائل جديدة في الأسابيع الأخيرة إلى وجود أهداف جديدة تواجه خطراً. ويوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، اليوم الذي هوجمت فيه باريس، تم قطع رأس راع للأغنام في منطقة سيدي بوزيد لأنه رفض إعطاء شاة لمجموعة من الجهاديين. وقبل ذلك بشهر، قتل راعٍ آخر في منطقة القصرين المجاورة رمياً بالرصاص على يد الجهاديين الذين اعتقدوا بأنه كان مخبراً.
تشهد هذه المناطق في وسط تونس، المهمشة في النموذج الاقتصادي الذي لطالما فضل مناطق الساحل، نجوم تمرد منذ العام 2012 في الجبال المحيطة. وقد جعلت هذه المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة أكثر من ارتباطها بتنظيم “داعش”، من الشرطة هدف الاختيار، لكن من الممكن استهداف المدنيين في أي لحظة. وقال مسؤول تونسي يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر) إنه تم كشف مؤامرة إرهابية ضخمة، وأنه تم تفاديها بالكاد.
في منزل عائلة باشاهد، من الممكن كسر طوق الصمت فجأة بينما يجري الحديث عن أحمد المسجون في دمشق. تجتاح العواطف الجميع. وتعض الوالدة التي ترتدي غطاء رأس برتقالياً وأخضر على شفتيها بقوة. ويقول ماجد باشاهد همساً: “إنها لا تنام في الليل وتنتحب كل الوقت”.
إنها مثل تونس، التي تفكر في أبنائها، ورعاة قطعانها، ومقاتليها المنفيين الذين فقدوا في العراق وفي سورية، وتستمر في النحيب.

 

فريدريك بوبان – (لوموند)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب