الخميس, أبريل 23, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارالسيسي: من مرشح الضرورة.. إلى رئيس الضرورة

السيسي: من مرشح الضرورة.. إلى رئيس الضرورة

4467b167-eec4-4bc2-9ada-2e8f6a5e5de2
كان اصطلاح «مرشح الضرورة» الذي أطلقه محمد حسنين هيكل على المشير عبد الفتاح السيسي، في انتخابات رئاسة الجمهورية 2014، هو الأكثر التصاقا بالمرشح الذي لم يكن يواجه منافسة تذكر في معركته الانتخابية.
كانت هناك ضرورة بالفعل من وجهة نظر معسكر «الثالث من يوليو» لتولي السيسي رئاسة الجمهورية، بعد خلع زيه العسكري وخوض الانتخابات الرئاسية، تفاديا لتفسير ما جرى على انه انقلاب عسكري.
تلك الضرورة تمثلت في وجود خطر محدق بالدولة المصرية، يمثله رفض «الإخوان المسلمين» الإطاحة برئيسهم محمد مرسي، وسعيهم لإفشال مسار «ثورة 30 يونيو».
ومن ناحية أخرى، بدا أن أجهزة الدولة المصرية لن تستجيب لرئيس من خارجها، مثلما رفضت الاستجابة لمحمد مرسي وتجاهلته. وكان لا بد من أن يتصدر المشهد أحد رجال الدولة المصرية، والأفضل أن يكون قائد أقوى مؤسساتها، حتى يكون بمقدوره تطويع الإجهزة وإدارتها.
الضرورة التي دفعت السيسي كمرشح للرئاسة أعفته من تقديم برنامج انتخابي، وعومل كمنقذ لمصر عوضا عن ذلك.
ومثلما كان السيسي مرشح الضرورة، اتسمت رئاسته للجمهورية حتى الآن أيضاً بمختلف الضرورات، فكانت المحرك السياسي لسياسات رئيس الجمهورية.
الرجل الذي قدم نفسه كامتداد لـ«ثورة 25 يناير» و «ثورة 30 يونيو»، انعقدت عليه الآمال بتحقيق أهداف الثورة التي تأجلت لسنوات.
وبالرغم من أن السيسي لم يقدم برنامجاً انتخابياً يمكن اتخاذه معياراً لما تحقق بالفعل، إلا أنه لم يتوقف عن إعلان انحيازه للفقراء ومحدودي الدخل، وتأكيده على احترام الحريات وحقوق الإنسان، ودفاعه عن الكرامة الوطنية والاستقلال.
برغم ذلك، ظلت الضرورة عنواناً لسياسة السيسي منذ توليه الرئاسة. فالرجل الذي أكد انحيازه دائماً للطبقات الاجتماعية الاكثر فقراً، فرضت عليه ضرورات الأزمة الاقتصادية انتهاج سياسات اقتصادية لم تنصف محدودي الدخل والفقراء.
وبمجرد توليه رئاسة الجمهورية، كان من أول قراراته خفض الدعم على الوقود في الموازنة العامة، ما تسبب بموجة تضخم قاسية.
وبالرغم من أن قرار خفض الدعم ترافق مع حزمة قرارات أخرى تضع بعض الأعباء الضريبية على الأغنياء، إلا أنه تم التراجع لاحقا عن تلك الحزمة، واكتُفي بخفض الدعم على الوقود. وبدلا من ذلك، تم اعتماد الضريبة على القيمة المضافة، والتي من شأنها عند التطبيق أن تؤدي لموجة تضخمية جديدة أسوأ من سابقيها. كما اتجه السيسي إلى الضغط على بند الأجور في الموازنة العامة في محاولة للسيطرة على العجز.
من ناحية أخرى، بدا السيسي، مدفوعا بجذب الاستثمارات الضرورية لعملية التنمية والتوظيف، فقدم المزايا السخية للمستثمرين في قانون الاستثمار، مثل السماح بمنح أراضي الدولة بالمجان، وإسناد الأعمال بالأمر المباشر، واستثناء بعض مناطق الاستثمار من أحكام قانون العمل، وخفض الحد الأقصى للضرائب، والتصالح في قضايا المال العام.
انحياز السيسي الذي عبر عنه دائما لصف الفقراء ومحدودي الدخل، حالت دون ترجمته في سياسات مباشرة، ضرورات الأزمة الاقتصادية، من عجز في الموازنة الى تراجع في قيمة العملة المحلية وانهيار احتياطي النقد الأجنبي وارتفاع البطالة.
من جهة ثانية، ظهر السيسي في الثالث من تموز العام 2013، كمنقذ للبلاد من الحكم الشمولي الديني، واستجاب للتظاهرات الشعبية المطالبة بالإطاحة بمحمد مرسي، وأعلن عن استحقاقات خريطة المستقبل التي تكفل تحقيق الديموقراطية والحريات.
بدا السيسي منحازا بالقول والفعل للإرادة الشعبية والحرية والديموقراطية. ولكن مرة أخرى كانت للضرورة أحكام، فالديموقراطية التي جاء السيسي لإنقاذها كانت تحتاج الى تمهيد الأرض أمامها. وربما تضمن هذا التمهيد فضا دمويا لاعتصام «رابعة العدوية»، وحظرا للتظاهر ـ في ما عدا تظاهرات التأييد بالطبع ـ وكل ذلك حصل قبل توليه رئاسة الجمهورية رسمياً. ولكن بعد ذلك، صارت الحرب على الإرهاب شعار المرحلة، بحيث لا يجب ترك ثغرات ديموقراطية لنفاذ الإرهاب، حتى أن مواد الدستور التي تبنت الحريات وحقوق الإنسان، اعتبرها السيسي حسنة النية، ولا تصلح في عملية بناء الدولة.
وبرغم الدور الكبير الذي لعبه الإعلام ـ القومي والخاص ـ إلى جانب السيسي في مختلف المراحل، دعما له وتأييدا لمواقفه، إلا أن الرئيس بدا ضيّق الصدر تجاه أي نقد، أو حتى نصح من قبل الإعلام، وراح يصرّح بنفاد صبره من الاعلام علانية.
الحرب على الإرهاب استدعت بالضرورة أيضاً توسيع صلاحيات أجهزة الأمن، ليس فقط في فض التظاهرات، وانما أيضاً في الاعتقال والتعذيب، فتزايدت حالات الاختفاء القسري، والموت على أيدي عناصر وزارة الداخلية في مقرات الشرطة، والأحكام المشددة في قضايا التظاهر والاحتجاج السلميين. ولم يقتصر على أنشطة جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفائها فقط، بل امتد ليشمل كافة الاتجاهات حتى ضمن معسكر «ثورة 30 يونيو»، وبعض مؤيدي السيسي.
وبالرغم من أن نجم السيسي سطع بالأساس في مواجهة خلط الدين بالسياسة، إلا أن الخطاب الديني لم يغب عن سياسته، فغالباً ما دعمت الفتاوى من المؤسسة الدينية الرسمية سياسات الرئيس ومواقفه.
نوايا السيسي الديموقراطية ظلت بحكم الضرورة مؤجلة، بسبب خطر الإرهاب. وحلت محلها السياسات الأمنية، التي لم تفرق بين الإرهاب والمعارضة، وفي الكثير من الأحيان لم تفرق حتى بين المعارضين والمؤيدين.
استقلال القرار والسيادة الوطنية كانا أيضا من ثوابت خطاب السيسي، الذي اعتبر إحياءً للمشروع الناصري، خاصة بعد ما ظهر من ارباك في العلاقات المصرية ـ الغربية عقب سقوط نظام «الاخوان». ولكن مع تصاعد الخطاب الوطني في الإعلام، كان التعاون بين مصر وإسرائيل في المجال الأمني يمر بأفضل فتراته. وللمرة الأولى، كانت مصر اول دولة عربية تصوّت لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة.
وأمام دعم خليجي ضروري للاقتصاد المصري، كان ضروريا أيضا انضمام مصر الى تحالف «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين، ثم «التحالف الإسلامي» ضد الارهاب تحت قيادة السعودية، على الرغم من التباينات الواضحة في المواقف والمصالح المصرية والسعودية تجاه الملفات المشتعلة في المنطقة العربية.
الضرورة أيضا دفعت السيسي عقب حادث الطائرة الروسية للقبول بتفتيش على الإجراءات الأمنية في المطارات المصرية من قبل دول ومنظمات حتى يتسنى عودة الرحلات السياحية لمصر.
الوعد الذي قطعه السيسي بأن تكون مصر «أدّ الدنيا» ظل بدوره مؤجلا وسط تعقيدات المنطقة، وحاجة مصر للدعم والمساندة من قوى إقليمية وعالمية.
المرشح الذي فرضته الضرورة أصبح رئيسا توجهه مجموعة من الضرورات. ضرورات الأزمة الاقتصادية، وضرورات الأمن ومكافحة الإرهاب، وضرورات الوضع الإقليمي والدولي.
الآمال والطموحات التي انعقدت على السيسي أصبحت جميعها مؤجلة. والرجل الذي اعتبر امتدادا لـ «ثورة 25 يناير» وموجتها الثانية «30 يونيو»، بدأ بمحو آثار «ثورة 25 يناير» شيئا فشيئا. فحق الاحتجاج والتظاهر اللذان انتزعتهما الثورة، تم حظرهما بالقانون. والعدالة الاجتماعية التي طالبت بها تجاهلتها سياسات الأزمة، والكرامة التي هتف بها الثوار أهدرت في مقرات الداخلية وأهدرت معها الحياة نفسها. وشباب الثورة الذين لم يتوقف السيسي عن الحديث عنهم، عرفوا طريق السجون وتلقوا أحكاما مشددة على تهم بسيطة، وفي ما يشبه ثورة مضادة تلاشت شيئا فشيئا كل مظاهر «ثورة 25 يناير» واحدة تلو الأخرى.
وبالرغم من أن نوايا السيسي، التي عبر عنها، ما زالت تنحاز الى أهداف «ثورة 25 يناير»، إلا أن الضرورات لا تزال تدفع الرجل أكثر وأكثر في اتجاه الثورة المضادة.
السفير

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب