ترجمات اسرائيلية

أضواء على الصحافة الاسرائيلية 3 كانون الثاني 2016 اجهزة الأمن تواصل لليوم الثالث البحث عن منفذ عملية تل ابيب

 

كتب موقع واللا، صباح اليوم، ان الشرطة الاسرائيلية تواصل لليوم الثالث على التوالي البحث عن المواطن العربي نشأت ملحم، المشبوه بإطلاق النار في تل ابيب وقتل مواطنين اسرائيليين وجرح سبعة، فيما لا تملك الشرطة والشاباك أي طرف خيط يمكنه ان يدل على مكان وجوده، علما ان الجهات الامنية تفترض بانه يحتفظ بسلاح وانه يمكنه اصابة آخرين او اخذهم رهائن. وقالت الشرطة انها عثرت، يوم امس، على غرض بالغ الأهمية، يعود لنشأت، وتأمل بان يقودها اليه. وجاء من بلدية تل ابيب ان قوات الأمن تتواجد في حالة تأهب امني خاص، وتم نشر حراسة حول مؤسسات التعليم ومنشآت البلدية، خاصة المناطق التي تقوم فيها رياض للأطفال ومدارس، واماكن حاشدة.

وقال مصدر في الشرطة ان “مئات افراد الشرطة يشاركون في البحث والتمشيط، وان الشرطة تتلقى بلاغات من مواطنين يعتقدون بأنهم شخصوا القاتل في مكان ما فتقوم الشرطة على الفور بإرسال قوات الى هناك، وستواصل عمل ذلك حتى يتم اعتقاله”.

وقد وقع اطلاق النار عند مدخل ملهى “هسيمطا” ظهر يوم الجمعة. وقبل وقوع الحادث شوهد المشبوه داخل متجر مجاور، وبعد خروجه من هناك اخرج رشاشا من حقيبة كان يحملها، وفتح النيران. ويقيم ملحم (29 عاما) في قرية عارة في المثلث، وكما يبدو فقد استخدم سلاح والده الذي يعمل حارسا ويخدم في الحرس المدني. وسبق لملحم ان اعتقل بعد ادانته بمهاجمة جندي ومحاولة اختطاف سلاحه، انتقاما لقتل ابن عمه بنيران الشرطة. وقال ابناء عائلته لصحيفة “هآرتس” انه منذ مقتل ابن عامه عانى نشأت من الكآبة واخضع للعلاج في مشفى شاعر منشيه للمرضى النفسيين.

وقامت الشرطة خلال نهاية الاسبوع، بمداهمة منزل العائلة مرتين. وقال والد نشأت، محمد، انه يأمل بأن يتم القبض على نشأت قبل ان يصيب آخرين. واوضح بأنه وصل الى مركز الشرطة بعد مشاهدة صور ابنه، وقدم لها المساعدة في البحث عنه.

واعتقلت الشرطة شقيق نشأت، جودت ملحم، ومددت اعتقاله لخمسة ايام. وتحقق معه بشبهة المساعدة على القتل. وقال محاميه، نحامي فاينبلاط، ان المحكمة قررت منعه من التقاء موكله لمدة ثلاثة ايام. وكانت الشرطة قد اعتقلت جودت فور وقوع العملية لكنها اطلقت سراحه بعد التحقيق، ومن ثم عادت واعتقلته بعد توصلها الى دليل سري، حسب ما تم تبليغ المحامي. وقال المحامي انه يحتج على قرار الشاباك منعه من التقاء موكله، على ضوء حقيقة انه تم اطلاق سراحه بعد التحقيق الاول وانه لو شاء لكان يمكنه تشويش التحقيق بعد ذلك. وحسب رأيه فان منع اللقاء يهدف الى ممارسة الضغط فقط.

وقال اقرباء نشأت ان سلوك نشأت كان معروفا بأنه اشكالي وكثيرا ما اضطرت العائلة الى استدعاء الشرطة بسبب سلوكه العدواني، ومؤخرا لم تعرف عنه العائلة الكثير، لكنه لم يكن مقربا من الدين او من أي تنظيم سياسي. واكد عمه احمد انه لا توجد لنشأت أي علاقة ايديولوجية بتنظيم داعش ولا ينتمي الى أي تيار، ولا يوجد أي سبب يدعو الى التفكير بذلك.

وعقد مجلس عارة وعرعرة المحلي، صباح امس، جلسة طارئة، اصدر في نهايتها بيان استنكار وشجب للحادث، اكد فيه ان ما قام به نشأت لا يمثل احد من سكان قريته.

نتنياهو يستغل الحادث للتحريض على المواطنين المسلمين

وكتبت “هآرتس” ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وصل مساء امس السبت، الى مكان حادث اطلاق النار في تل ابيب، والقى خطابا قال خلاله: “لست مستعدا لتقبل دولتين في إسرائيل. دولة قانون لغالبية المواطنين، ودولة داخل الدولة لقسم من مواطنيها. في الجيوب التي لا يجري فيها تطبيق القانون يوجد تحريض اسلامي وتوجد كميات كبيرة من الاسلحة”.

وطالب نتنياهو في خطابه النواب العرب بدون استثناء بشجب الحادث، “بدون تأتأة وكلمات منمقة”. واضاف: “يوجد بين مواطني إسرائيل المسلمين جهات تخرج ضد العنف وتتمنى تطبيق القانون الكامل في بلداتهم، ومع ذلك كلنا نعرف ان هناك تحريض جامح من قبل الاسلام المتطرف ضد دولة اسرائيل داخل القطاع المسلم. نحن نعمل بصرامة ضد التحريض كما فعلنا عندما اخرجنا الجناح الشمالي للحركة الاسلامية والمرابطين عن القانون”.

وواصل نتنياهو قائلا انه صاغ مع وزير الأمن الداخلي والقائد العام للشرطة خطة لزيادة تطبيق القانون في الوسط العربي بشكل دراماتيكي، و”ستقوم إسرائيل بتطبيق القانون في كل انحاء الدولة، في الجليل والنقب والمثلث وفي كل مكان. من يريد ان يكون إسرائيليا فليكن حتى النهاية. انا انظر بإيجاب الى الاندماج المتزايد في الجيش وفي كل حياة الدولة، من قبل المسيحيين والدروز والبدو في الشمال وايضا بين كل الجمهور المسلم. انا ادعو كل مواطني اسرائيل وخاصة المسلمين الى المضي على طريق السلام والتعايش وليس على طريق الكراهية”.

وتحدث الوزير اردان في مكان وقوع الحادث، ايضا، وقال انه سيتم خلال الأسابيع القريبة توسيع سياسة ترخيص الاسلحة، “فهذه الخطوة هي جزء من سلسلة خطوات نقوم بها الى جانب زيادة قوات الشرطة بشكل مكثف، وتشمل الخطة فتح مراكز للشرطة في البلدات العربية، وهو ما لم يحدث منذ سنوات بعيدة. ونحن سنعرف كيف نتعامل مع موجة الارهاب هذه ايضا، وسننتصر عليه كما فعلنا مرات عدة في السابق”.

كما وصل رئيس المعارضة يتسحاق هرتسوغ الى مكان الحادث وقال انه يجب “اظهار صفر من التسامح مع من يختار طريق الارهاب ، واستثمار كل الجهود والقوى من اجل التحقيق في العلاقة بين منفذ العملية واعمال داعش.

وتقتبس “يسرائيل هيوم” بعض تعقيبات السياسيين على الحادث فتكتب ان رئيس حزب “يسرائيل بيتينو” افيغدور ليبرمان، هاجم الحكومة وقال ان سياستها تعتبر “فشلا كبيرا”. وحسب اقواله، فان “المسألة هي ليست العملية في تل ابيب وبقية الاحداث في الأسابيع الأخيرة، وانما فشل متواصل، وسياسة شراء الهدوء بالمال والامتيازات من حماس وبقية التنظيمات”. ورد متحدثون باسم الليكود على ليبرمان قائلين ان “المقصود ثرثار يفتقد الى المسؤولية ويتلخص فهمه للحرب ضد الارهاب بإطلاق شعارات فارغة المضمون”.

من جهته قال رئيس “يوجد مستقبل” يئر لبيد، ان “كميات كبيرة من الاسلحة غير المرخصة تتواجد في الوسط العربي، وحان الوقت لعلاجها”. كما دعا النائب موطي يوغيف (البيت اليهودي) وزير الأمن الداخلي وشرطة إسرائيل الى القيام بحملة استخبارية وعملية لجمع الأسلحة غير القانونية من الوسط العربي.

وقال النائب يتسحاق هرتسوغ (المعسكر الصهيوني) ان “ارهاب الافراد يفكك مشاعر الأمن الشخصي لمواطني اسرائيل. الضربات العسكرية يجب ان تكون مؤلمة وشديدة قدر الامكان، ويجب ان تضاف اليها نشاطات امنية مدنية، وفي المقابل يجب خلق عملية جدية، اقليمية، تقود الى الانفصال العاجل عن جيراننا”. وقال النائب احمد الطيبي (القائمة المشتركة) انه “يجب عدم اتهام عائلته ولا سكان عرعرة. هذا عمل رهيب، ولا علاقة للجمهور العربي بهذا القتل”.

الشرطة تفحص امكانية وجود علقة بين الحادث وقتل عربي في تل ابيب

وتكتب “يديعوت احرونوت” ان الشرطة والشاباك يفحصان ما اذا كانت هناك صلة بين حادث اطلاق النار والقتل في شارع ديزنغوف في تل ابيب، وحادث قتل آخر وقع في اليوم نفسه (الجمعة) في شمال تل ابيب. فبعد ساعة من اطلاق النار على الملهى في شارع ديزنغوف، استدعيت قوات الشرطة الى شارع يونيتسمان، في شمال المدينة، حيث عثر على جثة سائق سيارة الاجرة امين شعبان (41 عاما) من مدينة اللد.

وتم العثور على جثة شعبان في المنطقة الرملية المحاذية لفندق مندارين. وقال ابناء عائلته، امس، انه لم تصل الى بيتهم أي جهة رسمية لاطلاعهم على ظروف مقتل ابنهم. واوضحوا انهم علموا بمقتله من وسائل الاعلام فقط. وقال شقيقه رازي شعبان ان “امين كان همه فقط اعالة اسرته ومن قتله ترك 14 يتيما وثلاث أرامل. لقد عمل على مدار الساعة من اجل توفير لقمة العيش”.

النيابة تقدم اليوم لوائح اتهام ضد قتلة عائلة دوابشة

كتبت الصحف ان النيابة العامة تنوي تقديم لوائح اتهام، اليوم، ضد المشبوهين في جريمة القتل في دوما. وسيتم تقديم اربعة لوائح اتهام: ضد المشبوه الرئيسي الذي سيتهم بارتكاب ثلاث عمليات قتل، وضد المعتقل القاصر الذي سيتهم بالتورط في القضية وبمخالفات عنيفة اخرى، وضد مشبوهين اخرين سيتهمان بممارسة العنف ضد الفلسطينيين. ويحتجز الشاباك مشبوهين آخرين، لكنه ليس من الواضح ما اذا سيواصل التحقيق معهم او سيطلق سراحهم.

ومع تقديم لوائح الاتهام يتوقع الغاء امر منع النشر، على الأقل بشكل جزئي. مع ذلك من المحتمل، ايضا، ان يتواصل منع نشر تفاصيل مخالفات اخرى يشتبه هؤلاء بارتكابها.

يشار الى ان الشاباك اطلق في مطلع الاسبوع الماضي سراح احد المعتقلين في القضية، بادعاء عدم التوصل الى علاقة بينه وبين عملية القتل في دوما. ومع ذلك اعلنت الشرطة انها تنوي تقديم لائحة اتهام ضده بتهمة الاعتداء على فلسطينيين في حادث آخر.

قصف قطاع غزة

كتبت “هآرتس” ان سلاح الجو الاسرائيلي، قصف الليلة قبل الماضية، موقعين لحماس في قطاع غزة، ردا على اطلاق صواريخ مساء الجمعة باتجاه اسرائيل. وقالت مصادر اعلامية في غزة، ان سلاح الجو استهدف مناطق مفتوحة ومواقع تدريب لحركة حماس، من بينها “مجمع اليرموك” الى الغرب من غزة، ومجمع “فلسطين” شرق بيت حانون، والمطار الى الشرق من رفح ومنطقة مفتوحة في مركز القطاع.

وكان تنظيم بطلق على نفسه “اجناد بيت المقدس”، وهو تنظيم تابع للقاعدة، قد اعلن مسؤوليته عن اطلاق القذائف. وكما يبدو فقد اطلق خمسة قذائف، سقطت اثنتان منها فقط في اسرائيل، دون ان تسببا اضرار او اصابات. وقال سكان في شمال القطاع انه بعد اطلاق النار عززت الذراع العسكري لحماس من دورياتها على امتداد السياج الحدودي. وعلى الرغم من تصريحاته القتالية ضد اسرائيل الا انه لا يسمح بإطلاق النار عليها من داخل القطاع. وقال مواطنون من المنطقة ان الفصائل التي اطلقت النار استغلت كما يبدو قلة تواجد حماس في المنطقة بسبب حالة الجو العاصف.

مقالات

الخطر: تطرف بواسطة جهاز تحكم عن بعد

يكتب عاموس هرئيل، في “هآرتس” ان المطاردة الواسعة للمشبوه بتنفيذ العملية التي اسفرت عن قتل مواطنين إسرائيليين في قلب تل ابيب، تواصلت طوال ساعات ليلة الجمعة والسبت، وعلى الرغم من كون هوية المشبوه، وهو عربي اسرائيلي من وادي عارة، معروفة للشرطة والشاباك منذ وقوع الحادث تقريبا الا انه لم يتم الوصول اليه بعد.

وفي الوقت الذي يتواصل فيه التحقيق لفحص ما اذا كان هناك رابط بين العملية في شارع ديزنغوف، وبين قتل سائق سيارة الاجرة، امين شعبان، الذي عثر على جثته بعد فترة قصيرة على شاطئ مندرين، في شمال تل ابيب، اختفى المشبوه نفسه. واذا كان يتواجد في مكان يمكنه فيه مشاهدة التلفزيون ودخول الانترنت، فمن الواضح له انه تم كشف هويته وان قوات الأمن تلاحقه. في مثل هذه الظروف، يمكنه العمل بشكل يائس والتحصن، او محاولة الوصول الى مخبأ، في الضفة الغربية او في بلدة عربية في إسرائيل.

الشرطة تترك حتى الآن امكانية معينة لأن تكون الخلفية جنائية وليست قومية. ولكن اذا كان المقصود عملية ارهابية، فقد تم تنفيذها بشكل لا يميز العمليات الارهابية التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة. ليس فقط ان منفذها هو عربي اسرائيلي (رغم انه كان هناك عدة مخربين كهؤلاء مؤخرا)، وانما استخدم السلاح الناري، واختار هدفا في مركز البلاد. والامر الاستثنائي بشكل خاص انه هرب من المكان فورا وقوع الحادث ولم يبق هناك لكي يَقتل او يتم قتله، كما قتل الكثير من المخربين الذين سبقوه. ولكن محاولة ابناء عائلته الذين اجريت معهم مقابلات يوم امس، وصفه كشخص غريب الأطوار، لا تبدو جديرة بالثقة بشكل خاص. حسب ما نشر حتى الآن، فقد حصل على سلاح وذخيرة، وتصرف برباطة جأش، وقام بتفعيل السلاح بمهارة اساسية، بل ونجح بالهرب بينما تبحث الدولة كلها عنه. هذا التصرف ليس تماما تصرف شخص غريب الأطوار.

العملية وما سبقها تثير عدة تساؤلات حول نشاط قوات الأمن في هذه القضية. ابن عم المشبوه بالقتل، قتل في مواجهة مع الشرطة في عرعرة في 2006. وبعد سنة فشلت محاولة قام بها المشبوه لاختطاف سلاح من جندي وتم الحكم عليه بالسجن لخمس سنوات. ورغم ذلك سمح لأبيه بحيازة رشاش في البيت، بسبب عمله كحارس. هذا السلاح تم استخدامه لتنفيذ العملية، حسب الشبهات. الم يكن من المفروض اشتعال ضوء احمر بشأن التصريح للأب بحيازة سلاح؟ واي نوع من التعقب قامت به السلطات ازاء المشبوه بعد اطلاق سراحه؟

كما أن السياسة الاعلامية غريبة بعض الشيء. فقد منع نشر اسم المشبوه، رغم ان كل التفاصيل المتعلقة به، بما فيها صورته من محاكمته في 2007، (الى جانب صور التقطتها كاميرات الحراسة في الدكان الذي تواجد فيه قبل العملية)، تم نشرها بدون أي عائق. من المفاجئ ان القائد العام للشرطة روني الشيخ، اختار عدم الظهور شخصيا في وسائل الاعلام، ولم يسمح لمهني بعمل ذلك، في الوقت الذي كان فيه رجال وحدة مكافحة الارهاب يتراكضون وهم يشهرون اسلحتهم في تل ابيب. بعد اربع ساعات فقط تم خرق الصمت الاعلامي، وارسال قائد شرطة لواء اليركون للتحدث مع الصحفيين. هل كانت الشرطة تعتقد حتى ذلك الوقت ان هناك خطر على سكان المدينة طالما لم يتم اعتقال المخرب، او ان الحياة يمكنها ان تعود الى مجاريها؟ السياسة التي املاها القائد العام للشرطة تركت سكان تل ابيب يبحثون عن الاجوبة بأنفسهم.

منذ اللحظة التي اتضح فيها نهائيا، مساء الجمعة، بأن المشبوه بالقتل هو مواطن عربي اسرائيلي، كان يمكن ملاحظة عدم الارتياح لدى الصحفيين في استوديوهات التلفزيون. فقد تماثلوا مع الحرج والالم الذي شعرت به عائلة المشبوه، وحرصوا على تأكيد كون العمل لا يعكس موقف كل المواطنين العرب في اسرائيل.

هذا صحيح طبعا: فنسبة ضئيلة جدا من العرب في إسرائيل ضالعين في النشاط العنيف، وقلة أصغر نفذوا عمليات بأنفسهم. ولكن من المناسب عدم استبعاد ما يمكن لعملية ديزنغوف ان توضحه، كما فعلت من قبل عمليات طولوز وبروكسل وسان براندينو في كاليفورنيا. تحريض الدولة الاسلامية (داعش) بواسطة الانترنت (وفي الحالة الإسرائيلية، الى جانب النار التي يشعلها الصراع مع الفلسطينيين) يؤثر بشكل غير قليل على الجمهور المستهدف: المسلمون الشبان في دول الغرب.

لم تعد هناك حاجة للسفر الى سوريا من اجل الانضمام الى التنظيمات القاتلة. يمكن للتطرف ان ينشأ عبر الانترنت، بل  حتى بالهام من التغطية الاعلامية في قنوات التلفزيون في العالم العربي. داعش هو اولا فكرة، اكثر من كونه يسيطر على املاك في العراق وسوريا. وبما ان المقصود عمليات يسهل تنفيذها عمليا، وان الحصول على سلاح في الوسط العربي ليس مشكلة لا يمكن حلها، فان الجهاز الامني الاسرائيلي يواجه مصاعب مماثلة لتلك التي تواجه اجهزة الأمن في الغرب كله: السهولة غير المحتملة لإرهاب الأفراد.

قبل عدة ايام نشرت في الصحف الإسرائيلية تقارير حول التهديد الذي يفرضه داعش على الحدود السورية، في اعقاب اداء يمين الولاء له من قبل حوالي 600 محارب يتبعون لفصيل محلي في جنوب هضبة الجولان. لكن الخطر الاكثر فوري يرتبط بالتأثير الممكن لداعش على الشبان العرب في إسرائيل. هذا التوجه بات معروفا، صحيح انه بحجم صغير، بين البدو في النقب والمسلمين في المثلث والجليل.

الأنباء السيئة من تل ابيب تصل بالذات في نهاية اسبوع صادقت فيه الحكومة على خطة خماسية مالية ضخمة لمساعدة الوسط العربي اقتصاديا. رغم هذا القرار المطلوب والمرحب فيه، يمكن للمخرب المنفرد من وادي عارة ان يعيد العلاقات بين اليهود والعرب في الدولة الى الاختبار، وينشر مجددا المخاوف المتبادلة، وبالتالي حث الشرطة والشاباك على القيام بخطوات اشد قسوة لتشديد تعقبها للمشبوهين المحتملين بالعمل الارهابي.

نتنياهو يبقى سياسي صغير، كما في 1994

يكتب يوسي فورتر، في “هآرتس” ان شارع ديزنغوف في حالة ما بعد الصدمة، ليس غريبا على نتنياهو. ففي 19 تشرين اول 1994، في ساعات الصباح، انفجرت حافلة ركاب تعمل على الخط 5 في الشارع المحبوب، على بعد حوالي 100 متر من المكان الذي يقوم فيه ملهى “هسيمطا”. واسفر الحادث عن قتل 20 واصابة اكثر من 30 في احدى العمليات القاسية التي وقعت في تل ابيب. وقبل استكمال اخلاء كل الجثث من الباص المحطم، وصل الى المكان رئيس المعارضة نتنياهو، يرافقه حراسه، وادلى بتصريح محرض، اتهم خلاله بشكل واضح رئيس الحكومة يتسحاق رابين بالمسؤولية عن العملية، الى جانب ياسر عرفات، رئيس السلطة آنذاك.

مرت 21 سنة، من بينها عشر سنوات يشغل فيها نتنياهو منصب رئيس الحكومة بشكل متواصل، ويتحمل خلال السنوات السبع الأخيرة منها المسؤولية المنفردة عن أمن مواطني اسرائيل. لقد اصبح شعر زعيمنا ابيض لكثرة السنوات، ومن الواضح انه امتلك الوعي والحكمة والتجربة والأقدمية، والقدرة على الحكم. لكنه يتضح بان هناك ميزة واحدة لم يتخلص منها: التعميم، التأجيج وبث الكراهية، زرع الخوف والتحريض ضد الأقلية؛ الهجوم على كل فرصة، على كل مأساة، على كل كارثة شخصية، من اجل كسب عدة اصوات سياسية والاستفادة من الربح الفوري على الحلبة الانتخابية.

في خطابه امس (السبت) في موقع اطلاق النار في تل ابيب، حيث كانت تضيء عند اقدامه عشرات شموع الذكرى، ظهر بيبي في أسوا حالاته. لا يحتوي، لا يهدئ ولا يقود – بل سياسي صغير. انه لم يخجل من القول – كما يبدو بوصية من زوجته التي تسترد عافيتها في البيت بعد التحقيق معها – ان جيل القتلى هو كجيل اولاده. لكنه نسي القول فقط ان يئير وابنير، يحظيان بحماية حارس مسلح اينما ذهبا، وانهما والحمد لله محميان.

اما بقية تصريحاته فقد كرسها للهجوم الفظ والمخجل، الذي يلامس العنصرية، ضد العرب في إسرائيل. لقد رسم قطاعا كاملا، جمهورا بأكمله، كخارجين على القانون، كمجرمين مسلحين، كمخربين محتملين. منذ سبع سنوات ورئيس الحكومة يهاجم بمقولة “لن تكون هنا دولتان! دولة قانون للقطاع اليهودي ودولة لا يطبق فيها القانون”. من هو الذي منعه بالذات من معالجة مشاكل السلاح غير القانوني في البلدات العربية؟  من منعه حتى الآن من “اعداد خطة، بميزانية كبيرة، لاجتثاث الظاهرة، وبناء محطات للشرطة في الوسط العربي، وتجنيد المزيد من قوات الشرطة” والتي اعلن عنها امس. من منعه من فرض النظام والقانون؟ بوجي هرتسوغ؟ تسيبي ليفني؟ يكسرون الصمت؟ احمد الطيبي؟ روبي ريفلين؟ وهل بعد العملية الارهابية في دوما، والتي تم ارتكابها حسب الشبهات من قبل شبان يهود، سكان “التلال”، هل بادر الى خطة شاملة لتطهير المستوطنات الاشكالية من السلاح؟

هجومه وهو يتصبب عرقا على كل الجمهور العربي في إسرائيل كان ساخرا ولا يعرف الخجل، حتى وفق ادنى المعايير التي عودنا عليها بمرور السنوات. كان يمكن الانطباع من حديثه بأنه خلال اليوم الذي مر منذ تنفيذ العملية من قبل شاب، كما يبدو غير مستقر نفسيا، من بلدة عارة في المثلث، احتفل “الوسط” (العربي) كله بعملية القتل، وجرفته مظاهرات الفرح وغمرته عبارات التأييد ويغوص في دعوات التحريض لتنفيذ عمليات مشابهة.

لكن ما حدث هو العكس تماما: لقد تم تسليم المشبوه بالعمل من قبل ابيه، المتطوع في شرطة إسرائيل طوال الثلاثين سنة الأخيرة. وشجب كل قادة القرية بشكل حاد العملية وتنكروا للقاتل. في البلدات العربية في المثلث، بشماله وجنوبه، لم نشهد أي عمل يتماثل مع المجرم. بل ما هو اكثر من ذلك ان إسرائيل تتواجد منذ 110 ايام في خضم موجة ارهاب لا ينجح نتنياهو ووزرائه باجتثاثها. غالبية المخربين خرجوا من القدس الشرقية “الموحدة الى الابد”، حسب الشعار الفارغ الذي يكرره نتنياهو ووزرائه منذ اجيال. ومع ذلك فان غالبية الجمهور العربي لم ينضم الى هذا الاحتفال الدامي، باستثناء حالات معدودة. حتى اخراج الجناح الشمالي للحركة الاسلامية عن القانون، مر بشكل عام، بهدوء. فلماذا، يا للجحيم، كان من المهم جدا لنتنياهو ان يشعل في مساء السبت النار الغريبة، السيئة والشريرة ضد مواطنيه؟ يبدو ان الجواب واضح. لقد جاء للقيام بجولة، كما فعل آنذاك، في تشرين الاول 1994. فالمصالحة والتهدئة هي ليست مجاله.

لقد بدا يوم امس كزرع غريب في تل ابيب. وكان من الصعب على هذه المدينة الطبيعية، المتسامحة، الليبرالية والمنفتحة في البلاد هضم العرض المخيف الذي قدمه. الشبان والشابات، اصدقاء وصديقات المصابين في الحادث ادلوا بكثير من التصريحات لوسائل الاعلام منذ يوم الجمعة. هم الذين شاهدوا الحدث الرهيب امام اعينهم، تحدثوا بلطافة، بهدوء، بدون كراهية، ولم يبصقوا كلماتهم. وطبعا حافظ رئيس البلدية رون حولدائي على رجاحة العقل. حتى جاء نتنياهو للزيارة. لقد وقف امس في مكان قاتم، حيث قتل الشابان، وحرض بهدوء ضد خمس مواطني الدولة.

لم يتم بعد اعتقال القاتل. كبار المسؤولين في الشرطة يصمتون بأمر من قائدهم الجديد الذي وصل من اقبية الشاباك. منذ 110 ايام يشعر المواطنون، خاصة في القدس، بأنهم عراة وغير آمنين، بقيادة “سيد الأمن”، ونتنياهو ينشغل بالسياسة.

ليس كل شيء داعش

يكتب تسفي برئيل، في “هآرتس” ان التقسيم المبتذل بين عملية جنائية وعملية على “خلفية قومية” طور لنفسه بندا فرعيا مشوها: هجوم على أساس قومي أو هجوم على خلفية داعش. حتى الهجوم امس الاول (الجمعة) في تل أبيب لم ينج من اختبار هذا التصنيف. هل تأثر نشأت ملحم، الذي يشتبه بإطلاق النار، بداعش، أو تصرف بدوافع قومية؟ كما لو ان الدوافع الشخصية غير كافية، كما لو أنه من المهم أن يكون نوعا من النموذج أو النظرية التي من شأنها أن تفسر كل شيء.

لقد اعترف ملحم منذ 2007، عندما حاول اختطاف سلاح جندي، بأنه كان ينوي الانتقام لمقتل ابن عمه على ايدي الشرطة قبل سنة من ذلك. وخلال تلك السنة لم يسمع احد عن داعش، ولم يبحث عن دوافع اخرى. العلاقة بين العمل والسبب كان مفهوم ضمنا. وكما في عملية بار هسيمطا، هكذا في عمليات السكاكين. البحث عن نموذج أعلى وما بعد النظرية، يتقبل التنكر للحقائق والتناقضات، شريطة ان يجد التفسير المتعدد الجوهر حتى وان كان خاليا من الفائدة. فما هي العلاقة بين اولاد في جيل 16 سنة وامرأة في سن 72، بين فتاة عانت من مصاعب نفسية وسائقة غير مجربة في الخامسة والاربعين من عمرها؟ كلهم فلسطينيون، كلهم نفذوا عمليات ضد اليهود، او حاولوا تنفيذ عمليات، او اشتبهوا بنيتهم تنفيذ عمليات. لا يوجد هنا مثال ولا نصف مثال. حتى العامل المشترك الاعتيادي، الاحتلال الاسرائيلي، ليس مشتركا لهم جميعا.

لا مفر، إذن، من التوجه الى داعش الذي سيوفر الغطاء الفكري. المشكلة هي ان داعش ليس فكرة ولا ديانة يراكمها الانصار والمؤمنين. التطرف الديني قائم في الإسلام (كما في ديانات اخرى) قبل زمن طويل من داعش. انه تنظيم عرف كيف يستغل جيدا الظروف السياسية والعسكرية من اجل السيطرة على مناطق في العراق وسوريا وقمع المقاومة بطرق فظيعة. داعش لا يملك احتكارا ولا براءة اختراع رؤية الامة الاسلامية، والخطر الذي يشكله لا يكمن في ايديولوجية وانما بطرق عمله.

الانضمام الى داعش يجب الا يخيف اكثر او اقل من الانضمام الى أي تنظيم ارهابي اخر. حتى حرب الاستخبارات ضد المتجندين لداعش في الضفة او إسرائيل، لا تختلف عن الحرب ضد المنضمين الى حماس او الجهاد الاسلامي. ولذلك، ليس من الواضح، ما الذي وجدته الاستخبارات كي تميز بالذات الزيادة في عدد العرب الذين يتماثلون مع داعش (خاصة بين البدو)، كما لو ان الدعم او التماثل مع داعش يعني خطرا رهيبا اكبر من الخطر الذي يشكله حامل السكين غير المنظم، الذي لا يمكن طبعا اكتشافه مسبقا. جهاز الأمن او الحكومة لا يملكان الحل لإبعاد هذا او ذاك عن النشاط الارهابي.

العرب في إسرائيل يواجهون في هذه المسألة مشكلة خاصة، كجمهور مشبوه، يمنع اقامة علاقات رومانسية معه لكونه يهدد الهوية اليهودية (انظر مثلا كتاب “جدار حي”). “يسمح” لهم بالتضامن مع الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، لكنهم يمنعون من مقاومة سياسة إسرائيل في محيط الحرم القدسي او في القدس الشرقية، خشية ان يتهموا بالتحريض او يتم اخراجهم عن القانون كالحركة الاسلامية.

في المقابل، يتضح ان العمليات “على خلفية شخصية” ايضا، لا يتم تقبلها بتعاطف. العربي الاسرائيلي لا يملك حق الانتقام او الجنون. لا يمكن للعربي الاسرائيلي ان ينفذ عملية نتيجة ضائقة نفسية. التخطيط الدقيق يثبت رباطة جأشه وطبيعته. من المثير ان القتلة في المدارس الامريكية خططوا لأعمالهم مسبقا ورغم ذلك فقد اعتبروا مجانين وقتلة يخططون لعملياتهم بشكل جيد. اما العرب الاسرائيليين، وخاصة ابناء عائلات المهاجمين المصابين بالصدمة امام اعمال اولاهم، فانه يتحتم عليهم ان يكونوا ممثلين لفكرة. انهم يحتاجون الى التحريض، ومن المفضل ان يكون من قبل داعش، من اجل العمل.

وهاكم التفنيد. اذا كان الافتراض هو ان العرب الشبان يخضعون لتأثير داعش صحيحا، فالمقصود اذن، احد الاخفاقات الضخمة لداعش. فمقابل الاف الفرنسيين والبريطانيين والروس والالمان الذين انضموا عمليا الى التنظيم، من دول تقل فيها نسبة المسلمين عن نسبتهم في اسرائيل، فان “التمثيل العربي الاسرائيلي” يعتبر اهانة “للدولة الاسلامية”.

الاهانة الاسرائيلية تكمن في حقيقة الحاجة الى الشرح بأنه “ليس كل العرب ارهابيين” والاضفاء على 20% من سكان إسرائيل ختم معياري يوضح بأنه حتى في “المنتجات” الجيدة، تحدث بعض الشوائب. العرب الاسرائيليين لا يحتاجون الى منظومة التطهير الجماعي التي يوفرها المجتمع اليهودي كلما نفذ عربي عملية. سيكتفون بأن يتم اعتبارهم مجتمعا متساوي الحقوق، يوجد فيه ايضا ارهابيون وجنائيون، تماما كما في المجتمع اليهودي.

عشب ضار

يكتب بن درور يميني في “يديعوت احرونوت” ان صديقه، المحامي سامي ملحم، ابن عائلة القاتل في تل ابيب، بدأ الحديث معه بعد دقائق من سماعه بالحادث ببكاء يمزق القلب. “لسنا نحن،” قال له، “ليس هذا ما حاولنا بنائه طوال حياتنا. انت تعرف هذا.” ويضيف الكاتب: “لم يكن بحاجة الى بذل جهد لإقناعي. انا اعرف هذه العائلة الواسعة منذ سنوات الثمانينيات، ولذلك فان ما سأكتبه هنا هو افادة شخصية.

كنت هناك في عارة وعرعرة عشرات المرات. الحديث عن عائلة كبيرة ومعروفة. المحامي سامي ملحم، الذي ترافع عن المشبوه بالقتل في السابق، هو صديقي المقرب. سنوات ونحن ندير حوارا. يمكن القول عنه وعن عائلته الكثير من الأمور. انهم ليسوا من المتطرفين.

كانت هناك ايضا، لحظات انكسار. في سنة 2006، حاولت الشرطة اعتقال احد ابناء العائلة الكبيرة، المشبوه بعمل جنائي. وانتهت المحاولة بقتل المعتقل. وتم اتهام الشرطة بسهولة الضغط على الزناد. د. اسعد غانم من جامعة حيفا، ادعى في مقالة نشرها في هذه الصحيفة ان الحادث كان عملية “احباط مركز في وادي عارة”. هناك شيء تحطم لدى ابناء العائلة. اندلعت اضطرابات، ولم تكن تلك الأيام سهلة، فمثل هذه الاحداث يمكنها ان تدمر علاقات تم بناؤها طوال سنوات.

مرت عدة سنوات اخرى، وتورط نشأت ملحم، المشبوه في عملية ديزنغوف، بمخالفة محاولة اختطاف سلاح جندي. وقد ترافع المحامي ملحم عنه، وهنا وهناك، تحدثنا عن ان صوته العقلاني والواضح من اجل التعايش، وضد التطرف، يحتم القيام بخطوة اخرى، اقتحام المجال السياسي. ربما يحدث ذلك. ابن آخر للعائلة، جمال ملحم، كان ناشطا في حزب العمل، وطوال سنوات كان مساعدا لبنيامين بن اليعزر، الذين كان يعتبر ابن بيت في المنطقة.

المشبوه بالقتل، حسب افادات ابناء العائلة، لم يمر بعملية تطرف، ولم يكن من زوار المسجد. ربما يكون قد تأثر بمقتل ابن عمه. ربما سحره داعش. وحتى ان كانت هذه هي القصة، فان هذا يحدث لواحد من بين الاف مؤلفة. الشجب الواضح لأبناء العائلة، والمحيط، وايضا من قبل النواب العرب، هو شجب حقيقي. ليس دائما تكون الامور هكذا. هناك ايضا نوع من التفهم بل حتى تبرير “المقاومة”. وعزمي بشارة وحنين زعبي ورائد صلاح ينتمون الى قسم المحرضين. ولكن هذه المرة، على الأقل هذه المرة، كان الشجب حقيقي.

عرب اسرائيل يواجهون الصراع بين الولاء للشعب الفلسطيني والولاء لدولة اسرائيل. المسألة لا تتعلق فقط بالصراع المتواصل منذ نحو 100 سنة. توجد علاقات اشكالية في السويد والمانيا ايضا. الحقيقة ان عددا قليلا من عرب إسرائيل اختاروا العمل العدائي، خلافا للاحتجاج، هو شهادة فخر للعرب واليهود. يوجد تحريض، يوجد محرضون، ولكن عائلة ملحم، التي خرج منها القاتل، تمثل غالبية عرب إسرائيل حين تشجب وتتحفظ.

من المهم ان نتذكر مسألة اخرى: اليهود لا يحبون ربطهم بالمشاغبين من بطاقة الثمن. ما نكرهه علينا ألا نفعله لجيراننا. لا تلصقوا عملية القتل البشعة بكل عرب اسرائيل.

الحب الممنوع ليس مرفوضا بالذات

تكتب سمدار بيري، في “يديعوت احرونوت” انه في لحظات اليأس، وبعد ان فاوض دور النشر الكبرى في القاهرة على نشر روايته الجديدة “شيكاغو”، وسمع الحجج والتأتأة، تلقى الكاتب علاء الأسواني محادثة هاتفية مفاجئة. لقد سبق للأسواني، وهو طبيب أسنان في مهنته، نشر روايته “عمارة يعقوبيان” الذي تنبأ فيها بالربيع العربي، وتحولت الرواية الى فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني، وبيعت منها مئات آلاف النسخ، وتمت ترجمتها الى 23 لغة. لكن “شيكاغو” لم تنجح بإقناع الناشرين. المحادثة الهاتفية المفاجئة وصلت من الصحفي المخضرم محمد حسنين هيكل الذي اوصاه قائلا: “اذا كانت القصة تشتعل في عظامك، اصر عليها. لا تسمح للسلطة بتشويه انتاجك”.

وقد استوعب الأسواني الرسالة، وأصر، وصدرت “شيكاغو” التي تعرض مرآة غير لطيفة للسلطة ومجتمعا لا يتقبل “الآخر”، في لبنان، وتم تسويقها بنجاح، وترجمت الى عشر لغات. لكن السلطة لم تتنازل، وتلقى رؤساء تحرير الصحف اوامر بعدم نشر مقالات الأسواني، ولم يعد ضيفا مرغوبا فيه في برامج التلفزيون، وتم في اللحظة الأخيرة الغاء مشاركته في مؤتمر هام لرجال الفكر. ونشر الأسواني في وسائل الاعلام الامريكية انتقادا شديد اللهجة لكم الأفواه والتنكيل التي تصدر عن الشبابيك العالية في مصر.

هكذا تعمل الطريقة: كل كتاب، مسرحية، معرض او مؤتمر مهني مخطط في العالم العربي يجب ان يحصل على تصديق (رسمي وموقع على نموذج حكومي) من وزارة الثقافة الخاضعة لضابط المراقبة في وزارة الداخلية. وتقوم لجنة الرقابة التي تضم 13 موظفا بالمصادقة او رفض العمل او “التوصية بإجراء تعديلات”، وتفرض على المبدع تغيير النص او اعادة كتابته مجددا، من دون أي تبرير او تفسير.

بعد مصادقة الحكومة، يتم التوجه الى المطبعة، ويتوقع وصول ممثل الرقابة في زيارة مفاجئة. اذا حاولوا الخداع، يقوم بمصادرة الكتب، والقصائد والرسوم، ويذهب الاستثمار المالي الى الجحيم. السلطة في مصر والسعودية وايران وفي امارات الخليج الفارسي، تعرف ايضا كيف ترسل المبدعين ومن يتعاون معهم الى السجن. خلافا لما حدث مع رواية “جدار حي” لدوريت رابينيان، فان اتحاد الكتاب في العالم العربي لم يقف الى جانب الأسواني، فلا احد منهم سيسمح لنفسه بالمخاطرة مع السلطة.

قضية “جدار حي” وصلت في نهاية الأسبوع الى عناوين ثماني من وسائل الاعلام العربية. وحسب ما قرأت وما سمعته من اصدقائي، لم يسقط احد عن كرسيه بسبب قصب الحب بين الإسرائيلية والفلسطيني. مسلسل حارتنا” الذي تم بثه في العالم العربي خلال شهر رمضان الأخير، والذي يركز على قصة حب بين ليلى اليهودية من القاهرة، والضابط علي المسلم، اجتازت كل اقسام الرقابة واحدثت ضجة كبيرة، سواء من ناحية ايجابية او سلبية. وكما في “جدار حي” لم يثمر الحب في مسلسل “حارتنا” ايضا.

في المغرب صدرت رواية “نهلة” التي تحكي قصة حب بين يهودية ومسلم، وفي لبنان تم نشر روايتين عن قضايا حب (حقيقية) بين يهوديات ومسلمين. وفي العراق وكردستان يتحدثون عن قصص مشابهة. ويتضح ان السلطة لا تتدخل ولا ترفض. في شبكة المكاتب الرائعة “ديوان” في القاهرة، شاهدت على رف الكتب “الأكثر مبيعا” رواية “ياسمين” لايلي عمير، و”بوق في الوادي” لسامي ميخائيل، و”العاشق” لـ أ. ب يهوشواع، والتي صدرت مترجمة الى العربية، والى جانبها رواية “الرجل في بدلة جلد القرش الأبيض” للكاتبة لوسيت لاغنادو، المولودة في مصر. كلها، ما العمل، روايا تتحدث عن الحب العابر للديانات.

المحامي الياس خوري من القدس، الذي قتل والده في  عملية تفجير الثلاجة المفخخة في القدس، وقتل ابنه جورج على أيدي فلسطينيين في القدس الشرقية، بادر تخليدا لذكراهم، لترجمة “حكاية حب وظلام”، لعاموس عوز. انها هدية مطلوبة، وقد وزعت حتى الان عشرات النسخ منها على شخصيات كبيرة وهامة في العالم العربي، والذين سألني احدهم امس عمن يجلس الان لترجمة رواية “جدار حي” الى اللغة العربية، ووعد بأنها ستباع بكميات كبيرة.

هوامش الطريق تقود الى الارهاب

يكتب يوسي بيلين، في “يسرائيل هيوم” ان احدهم وصف منفذ عملية تل ابيب بالأشقر، واخر قال انه بارد ومتحسب، اعتقدوا انه وجه النار لإصابة شخص معين، وانه كان يعرف تماما ما الذي يريده. اعتقدوا انه وضع نظارات شمسية خاصة، تحمل كاميرا لتصوير العملية. وقالوا انه تأثر بداعش. ومن يدعون فهم الأمور قالوا انه كان يحمل سلاحا متطورا وخاصا، معتمدين على الظل الذي تم تصويره من خارج شباك الملهى. يصعب علينا تقبل اصابة الابرياء في قلب المدينة بمثل هذه السهولة غير المحتملة.

لكنه سرعان ما تبين ان هذا الشخص هو احد البؤساء. طبيعي لكي تجري محاكمته، غير طبيعي لكي يعيش. اسير سابق، عاطل عن العمل، ليس له انتماء. وكان والده هو الذي كشفه، ووصف عمه تعاسته، وفي القرية تحفظوا منه. فاشل قوته الذهنية مثيرة للجدل. شخص على هامش الطريق، لم يجد نفسه، وجاء ليقتلنا كي يقوم بدور في هذا العالم. اوقفوا البث وانتقلوا الى فيلم مثير يجسد الواقع.

يقتحم تل ابيب، المحمية ظاهرا، في لحظات النعمة ظهر يوم الجمعة، ويحضر اليها الموت والدم بأياديه. للحظة طويلة ينشغل الجميع به فقط. يحاولون تحليل شخصيته، العثور عليه، رواية قصته. لن يعود بعد الان شخصية مجهولة، كالكثير من البؤساء الآخرين الذين تورطوا في عمليات ارهابية في قلب الغرب (وهذا يشمل الارهاب اليهودي) – البؤساء الذين تسربوا خارج الاطر التي ارسلوا اليها، بينهم من لفظه المجتمع، فقاموا ضده بهدف غير مركز من اجل اغضابه والمس به، وسفك الدم، لأن الدم هو الذي يولد لفت الانتباه الأساسي.

ليس كلهم، طبعا. هناك ارهابيون آخرون. مثقفون، تحركهم الايديولوجية الحارقة، اناس ابتسمت لهم الدنيا بالذات. لا يمكن هنا تحديد معيار عالمي مطلق. ولكن يمكن القول بأن هؤلاء هم اقلية. الغالبية تنتمي الى الناس الهامشيين، الذين لم يعرف المجتمع الانساني ما الذي يفعله بهم، واستسلم ولم يعالجهم. انهم يرجعون الينا مع توقهم للحظة انتقام، شهرة، قدرة على املاء خطواتنا، حتى وان كانوا يعرفون ان هذه اللحظة ستمر بسرعة، وانه لا أمل بأن نستسلم لهم، وانهم سيجدون انفسهم وراء القضبان، اذا حالفهم الحظ.

الارهاب ليس حرب عالمية ثالثة. عدد ضحايا الارهاب في العالم بعيد جدا عن عدد ضحايا الحروب، وحرب الحاضر قليلة جدا. في نظرة تاريخية سينظرون الى هذه الفترة ويقولون انها كانت سنوات سلام وامن نسبي، قل مثيلها. التحدي الصعب الماثل امامنا هو محاولة تقليص عدد الذين يتم دفعهم الى الهامش، لأن الهامش هو البيت الكبير والاساسي للعنف في القرن الحادي والعشرين.

في ظروف الانتفاضة، اعطاء السلاح افضل من منعه

يكتب دان مرجليت، في “يسرائيل هيوم” ان العمل الارهابي في تل ابيب، امس الاول، والذي انتهى بقتل اثنين وجرح سبعة، اعاد الى النقاش مسألة ما اذا يجب اعطاء السلاح بكميات كبيرة للمواطنين. هذا احد خيارين سيئين – قاسيين، وهو لا ينزل عن جدول الاعمال في العديد من الدول الديموقراطية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

المؤيدون لتوزيع السلاح لكل من يطلب تقريبا،، يدعون انه ينقذ حياة الكثير من المدنيين، والمعارضين يدعون ان توفره بزيد من الجريمة والكوارث التي تنتهي بالقتل. هذا يشبه مسرحية تشيخوف، حيث يتواجد المسدس في الفصل الأول ويطلق النار في الفصل الثالث.

الجدل في الولايات المتحدة طويل الأمد. اللوبي القوي لصناعة الاسلحة والمواطنين الذين يتوقون للأمن يريدون حيازة المسدسات والبنادق، واما الآخرين، ومن بينهم براك اوباما، فيعتقدون ان هذا سيزيد من الجريمة والعنف. والان اضيف في الولايات المتحدة عامل الارهاب الاسلامي، الذي قتل رسله مؤخرا 14 مدنيا هانئين في كاليفورنيا.

في إسرائيل تم اختبار طرف القضية في حالة المزارع شاي درومي، عندما تسلل مجهولون الى مزرعته واطلق عليهم النار وقتل احدهم. وقام بتقديم الإسعاف الاولي للمصابين. ومع ذلك تم تقديمه الى المحاكمة بدل منحه وساما. وفي اعقاب ذلك تم فتح معركة جماهيرية انتهت بتعديل القانون، وحتى الان تم تفنيد تحذيرات نواب ميرتس الذين ادعوا ان الامر سيزيد من اطلاق النار بهدف القتل. نعرف عن حالة واحدة فقط تم خلالها اطلاق النار على لص في احدى البلدات قرب شارع القدس –تل ابيب، ولم يفتح احد فمه ولم يصفر. وجيد ان هذا ما حدث.

من الواضح انه لن يتم اعطاء السلاح لكل من يطلبه. هناك معايير. مثلا، الخدمة العسكرية ودرجة ضابط، وربما اختبار نفسي اساسي، وكذلك التدرب على اطلاق النار لفترة محدودة. غلعاد اردان يعمل في هذا الاتجاه كما يجب، لكنه اكد امام من سألوه بأنه لا يمكن اجراء تغيير فوري لأن الأمر “يحتم تغيير القانون او صدور امر عن الشرطة”. ونتيجة لذلك وصلت الى وسائل الاعلام الكثير من التوجهات التي اشارت الى التأخير ورفض منح السلاح للحماية الشخصية ليس فقط للأفراد، وانما ايضا، وهذا بحد ذاته خطأ – للشركات المهنية التي تعمل في الحراسة.

لا شك ان نشر السلاح يمكنه ان يرفع مستوى اطلاق النار لدى الناس الطبيعيين، الذين يمكنهم فقدان الوعي في ساعة الغضب، او يؤدي الى فقدانه او بيعه، وطبعا يمكن ان يؤدي الى كوارث خاصة في البيوت التي ينشأ فيها اولاد. وعلى الرغم من ذلك، فانه في ظروف انتفاضة السكاكين، او الاعمال الارهابية كما حدث في تل ابيب، يعتبر منح الأسلحة افضل من منعه. وعلى اردان والشرطة الاسراع في ذلك.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى