ثقافة وادبزوايا

السِّلْك “رواية ” للأسير عصمت منصور …

 

thumbgen

كم نحاول أن نقف بشكل متوازن في روايتنا , وكم نحرص على أن يكون لها ارتباط واضح في خبراتنا وحياتنا , وكم تمنيناها جزءا من قرارنا أو لها من الإيحاءات الأكثر دينامية وتأثيرا لما يدلنا ويرشدنا إلى التغيير . وكم وقفت متأملا عنوان الرواية التي بين يدي باحثا في الكشف عن سرها ومكنونها من خلال عنوانها ” السلك ” وهي من أدب السجون للكاتب الأسير الراوي عصمت منصور وهو من دير جرير قضاء رام الله وأحداث روايته في معظمها يدور في قطاع غزة ,أجاد استخدام المصطلحات واللهجة الغزية , كما وصف العادات والتقاليد والمفاهيم لها ,كما أجاد الوصف الجغرافي والطبيعي والسكاني بشكل أحسست معه أنه وليد هذا المكان ,شدني كتاباته الوصفية بما فيها من بديع وجمال عبارة وأسلوب واقعي , وكيف سما وعلا من أفقه الضيق المحدود في زنزانته إلى آفاق أوسع وأكبر .

بدأ مقدمته وصال وجال بأحداث كثيرة حتى نسي القارئ المقدمة وعاد في الخاتمة وبهدوء ليعيد القارئ من حيث بدأ , وأكثر ما شدني فيه سبر غور أهله وشعبه بكل مكوناته ديموغرافيا وأيدلوجيا وسيكولوجيا .

السلك هو تعبير للغزيين عن الحد الفاصل بين أراضي القطاع وفلسطين التاريخية وليس حدودا , ولذا كانوا يتمردون عليه ويحاولون خرقه للوصول الى أرض الآباء والأجداد , وكل حوادث الرواية تدور حول اختراق”وليد ” السلك ولم يقف عند هذا السلك بل هناك أسلاك تفصل جده عن والده وتفصل وليد عن أبيه ,وأسلاك تفصل بين التنظيمات والأحزاب وبين الأغنياء والفقراء بين ضفاوي وغزي وبين كليهما والفلسطينيين المتشبثين بأرضهم وحقهم , كل هذ الجمع اختزله الكاتب بالمفرد بعنوانه ب”السلك ” .

لقد اختار الراوي شخصياته وأسماءهم بدقة ودارت أحداثها في أزمنة ما قبل أوسلو وما بعدها ووصفت الانقلاب والانقسام وما بعده, فكان “وليد ” بطل القصة ابن عينة عشوائية لعائلة فلسطينية وحفيد نكبة ووليد ظروف وحياة تشرد ومخيمات , كما اختا ر اسم عبدالله لشخصين نقيضين متضادين , ألقعيد وهو صديقه معلم التاريخ والمتشبث به وقام بمساعدته ,والآخر درزي عدو محى تاريخه وعمل على التنكيل به , وكان عارف عارفا بما يخططه أبو المعتز الذي يستغله حتى الموت , وعرف كيف يدل صديقه وليد على تلونه وجشعه , وكيف تعامل مع المدنيين والعسكريين من كلا الطرفين في تجارة الأنفاق , ووصف الراوي حفر الأنفاق وتسمية أجزائه بدقة .

وكانت ” نتالي ” الاسم الذي اختاره للفتاة التي ساعدت الغزيين المتهربين على المبيت في أرضها وبجانب بيتها ظنا منهم أنها يهودية لصلابتها وتجهمها في الحديث معهم , “نتالي ” توفي والدها وهاجر اخوها فبقيت وحيدة أحبت يهوديا وخافت أن يكشف هويتها فخافت على نفسها لأنها اندمجت في مجتمع تكرهه وتخافه , بادلت وليد الحب والفكر حتى سمو بروحيهما وجسديهما , كانت له عونا في غربته عن أهله ورسمت له الطريق إلى الحرية والخلاص مع هذا فانه لا يمكنها ان تترك بيتها وأرضها , فهي ممن تشبثوا بالأرض وهي التي عرفت عدوهما المشترك ونواياه الخبيثة , وهي التي تعطي كل شيء إلاّ الأرض , هي صورة تمثل كل الفلسطينيين المرابطين الثابتين المتمسكين بحقوقهم وأرضهم , حاولت التخلص والتطهر , لكنها لا يمكن أن تصادر حقها وتنهي حريتها من أجل فصيل أو مصلحة جهوية, كل ذلك بعد أن رأت التشرذم والانقسام وشخصنه المصالح لمن رأت فيهم خلاصها , لقد أعلنتها عندما قالت لوليد التي ذهبت لزيارته في السجن ” أريد أن أعيش يا وليد ” .. ….” اريد أن أعيش حياتي ” رتقت بكارتها لتتزوج قضيتها وتشق طريقها في الحياة .

روايتك أيها الراوي الأسير عصمت منصور تنم عن ما اكتنزت من ثقافة ودراسة للأدب العربي والعالمي فهنيئا لك بهذا العمل .

عمر نجيب – امد

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى