لم يتوقع أحد أن تعلن الجامعة الإسلامية في غزة إغلاق أبوابها أمام نحو 20 ألف طالب، وهي المؤسسة التعليمية التي دخلت المناخ الأكاديمي الفلسطيني بقوة عام 1978 كمؤسسة مستقلة بظاهرها، وإحدى أكبر مؤسسات «جمعية المجمع الإسلامي» التابعة لـ «جماعة الإخوان المسلمين»
بإعلان الجامعة الإسلامية في غزة إغلاق أبوابها «حتى إشعار آخر»، أذن مجلس أمناء الجامعة للأزمة المكتومة منذ سنوات بأن تظهر إلى العلن وبطريقة مفاجئة، بصفتها الجامعة الأقل إعلاناً للإجازات وحتى المشاركات في الإضرابات النقابية، وذلك بعد سنوات من الجدل حول حقيقة ومستوى ما يعيشه أكبر الصروح التعليمية في قطاع غزة من مشكلات إدارية ومالية، تعبّر بطريقة أو بأخرى عن أزمة مقابلة بدأت تأكل حالة التأقلم التي كانت تتبعها حركة «حماس» في ملفات عدة.
أزمة الجامعة التي تعتبر «نبعاً» مالياً لـ»حماس»، ليست وليدة عامٍ أو اثنين، بل هي نتاج أخطاء إدارية وظروف محلية متراكمة، أحدها زيادة عدد الجامعات المعتمدة من وزارة التربية والتعليم في غزة، من ثلاث جامعات رئيسية (الأزهر والإسلامية والأقصى الحكومية)، إلى 31 جامعة وكلية تعمل بمختلف الأنظمة الأكاديمية خلال عشر سنوات، منها ثمان حكمت فيها «حماس» القطاع، وهو ما أدى إلى نزيف كبير في أعداد المنتسبين إلى الجامعات الرئيسية، في ظل أن الجامعات الجديدة تجذب الطلاب إلى باحاتها بعروض أسعارها الزهيدة، بالنظر إلى أسعار «الإسلامية».
كذلك لعبت الأخطاء الإدارية دوراً مهماً في الأزمة المالية، فقد وظّفت الجامعة، التي تعمد إلى فصل الطلاب كلياً عن الطالبات، أعداداً كبيرة من الإداريين والأكاديميين ذوي الأجور المرتفعة، ومع سعي هؤلاء إلى رفع درجاتهم العلمية لرفع مستوى أجورهم، ازداد العبء المالي. هذه بعض ملامح الأزمة إذا نظر إلى واقع «الإسلامية» وقطاع غزة من نواح أكاديمية وإدارية، ولكن مصادر سياسية فلسطينية نقلت أن العجز يقدّر بـ50 مليون دينار أردني (70 مليون دولار أميركي)، مقابل عجز «الأزهر»، التابعة لحركة «فتح» وكانت تشهد تسيّباً أكثر من «الإسلامية» بأضعاف، لم يصل إلى حدود 15 مليون دولار.
تقول هذه المصادر إنه مع الضغوط المالية والحصار المفروض على «حماس» والوزارات التابعة لها، ومع استمرار الهبة الشعبية الجارية التي زادت أحمالاً مالية أخرى على الحركة، اضطرت الأخيرة إلى السحب مما كانت تستثمره من أموال في الجامعة لتلبية تلك الاحتياجات الضرورية والماسة، للمرة الأولى في تاريخ الجامعة أو الحركة.
تنفي مصادر من الجامعة أن يكون للإجراء علاقة بأزمة الحركة
ما زاد الطين بلة، أن المنح التي كانت تحصل عليها «الإسلامية» من جهات تركية وقطرية وسعودية غابت عن رصيدها، لأسباب سياسية تخص تلك الدول وتعاطيها مع «حماس» وغزة عموماً، وفق ضغوط من السلطة الفلسطينية ودول إقليمية وقوى كبرى، فيما كانت الجامعة قد راهنت على استمرار مشاريع معينة أدى وقوفها إلى تضخّم أعداد الموظفين وتحمّلها أعباءً مالية، مضافة إلى الخسائر التي تكبّدتها بعدما تعرضت مبان عديدة فيها للقصف الإسرائيلي خلال الحروب الماضية على غزة، منها مبنى المختبرات المكلف، ومبنى الإدارة.
أما اليوم، فإن الجامعة التي اعتبرت «حماس» في يوم ما المس بها وبأساتذتها (أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2006 ــ 2007) أحد الأسباب الرئيسية للسيطرة عسكرياً على غزة، باتت رهينة أزمة مالية وقعت فيها الحركة أولاً. وبعد عام ونصف من إعطاء نصف راتب للمعلمين والعاملين، وبعد تسريح 25% من موظفي العقود المؤقتة، إضافة إلى خفض مستوى الأجور بنسبة 30%، وخفض أجر العاملين بنظام الساعات إلى 1000 شيكل (300$) بعدما كانوا يتلقون ضعف هذا المبلغ، فوجئ الموظفون بإعطائهم ما نسبته 25% من الراتب، وهو ما تسبّب في الإغلاق الحالي.
وتضيف مصادر من داخل الجامعة أسباباً أخرى للأزمة، منها انخفاض مستويات الطلب على تخصصات علمية باهظة التكاليف، فيما تشبع سوق العمل الراكد بأعداد كبيرة من المتخرجين بالتخصصات العلمية كالكيمياء والأحياء والفيزياء والهندسة، ما أدى إلى انخفاض أعداد الطلاب المنتسبين إليها في السنوات الأخيرة، مع الاتجاه إلى التخصصات الإنسانية والأدبية، المنخفضة التكلفة، الأمر الذي انعكس على خزينة الجامعة.
المصادر ذاتها وصفت الإعلان عن إغلاق الجامعة بمعركة «كسر العظم» بين كلٍ من مجلس الأمناء ونقابة العاملين، بعدما رفضت الأخيرة التسوية المالية التي عرضها «مجلس الأمناء»، وتنص على تثبيت حسم 30% من قيمة رواتب العاملين، وتجميد جميع العلاوات الأكاديمية.
وتتهم نقابة العاملين إدارة الجامعة بتبديد مواردها المالية في أوجه ثانوية غير متصلة بالواقع الأكاديمي، وتحديداً الإنفاق على مشاريع كـ»فضائية الكتاب وإذاعة القرآن الكريم وشركات إنتاج فني» تواجه هي الأخرى عمليات فصل وتخفيض للراتب إلى النصف. كذلك تقول المصادر نفسها إن خروج الدكتور جمال الخضري من مجلس أمناء الجامعة وطرده من «فضائية الكتاب» ساهما في اختفاء عدد من المصادر المالية التي كانت تؤمن نفقات الفضائية على الأقل، ما أدى إلى تحمّل الجامعة عبئها كلياً.
في المقابل، نفت مصادر كثيرة أن تكون الأزمة متعلقة بـ»حماس»، متوقعة ألّا يستمر إغلاق الجامعة أكثر من أسبوع أو أقل. واستنكر مدير دائرة العلاقات العامة في «الإسلامية»، مشير عامر، في حديث إلى «الأخبار»، «المبالغة البعيدة للمشهد. الأمر هو خلاف بين النقابة وإدارة الجامعة التي قررت جملة من الاجراءات لمعالجة أزمتها». وأضاف: «اجتهدنا للخروج من عنق الزجاجة، وهناك حراك نقابي اعترض على القرارات، وقررت الجامعة تعليق الدوام لأجل تهدئة الأجواء والتوصل إلى حل».
وكان مجلس طلبة الجامعة، التابع لـ»حماس»، قد حذّر، نهاية العام الماضي، إدارة الجامعة من إصدار قرار برفع الرسوم الدراسية ضمن حزمة الإجراءات المنوي تطبيقها.
(الأخبار)





