يتجدد الحديث ثانية عن خيار حل السلطة الفلسطينية ومدى الجدوى منها. إسرائيل وفي اعقاب الهبة الفلسطينية والتخوف من إستمرارها وتحولها لإنتفاضة شاملة تفكر في خيار حل السلطة والبدائل لها. إسرائيل تريد سلطة بوظيفة أمنية ، وبتبعية إقتصادية كاملة ، سلطة لها صفة خدماتية ، وبالتالي رؤيتها للسلطة انها تؤدي الوظائف التي يفترض ان تقوم بها إسرائيل كسلطة إحتلال، وبهذه الوظيفة تنفي إسرائيل عن نفسها صفة سلطة إحتلال، وهذا يعتبر إنجازاً كبيراً لإسرائيل.
بعبارة أخرى إسرائيل تنظر للسلطة من منظور أنها أحد مكونات الدولة ، وبإكتمالها مع عنصري الإقليم والشعب تكتمل أركان الدولة الفلسطينية ، وهذا يتنافى مع هدف إسرائيل الرئيس وهو الحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية. ولذلك تعارض إسرائيل كل الخطوات الفلسطينية في إتجاه الحصول على إعتراف اممي بهذه الدولة لأنها تعرف وتدرك ماذا يعني هذا الإعتراف ولإحتواء وإجهاض هذه الخطوات تقوم إسرائيل بممارسة كل الضغوطات على السلطة الفلسطينية وخصوصا المالية والإقتصادية ، وتحاول تفريغها من مضامينها السياسية والسيادية، وهذا ما قد يفسر لنا ايضا ممارستها للقوة المفرطة في مواجهة الهبة الفلسطينية ، فالتخوف من هذه الهبة ينبع أن إستمرارها قد يخلق ضغطا دوليا على إسرائيل ويجبرها بالإنسحاب ، وبضرورة قيام الدولة الفلسطينية.
لهذه الأسباب كلها تفكر إسرائيل في خيار حل السلطة ، ولكن المشكلة تكمن في البديل لذلك، لأنه لم يعد من الممكن البحث عن البديل الذي كان سابقا يتمثل في خيار البلديات. هذه المرحلة قد إنتهت . وفي السياق ذاته تعمل إسرائيل الان على خلق خيار الفوضى الشاملة في الأراضي الفلسطينية، وتقوية الإنقسام السياسي، وهذان هما الخياران اللذان قد تلجأ لهما إسرائيل في هذه المرحلة، مع ممارسة أقصى درجات القوة لإجهاض الهبة الفلسطينية قبل ان تتحول لإنتفاضة شاملة ستفرض عليها إنهاء إحتلالها.
وتحاول إسرائيل أن تستثمر نقاط ضعف السلطة ، والتي من ابرزها جانبها البيروقراطي الإداري، والجانب المالي، وقد تذهب إسرائيل إلى أبعد من ذلك باللجوء إلى خيار إعادة الإحتلال المؤقت والهدف منه التخلص من أدوات السلطة الفلسطينية ، ومؤسساتها الأمنية والإقتصادية والسياسية ، وتمهيدا لخيار البلديات ، او تكرار نموذج غزة بصورة توائم حالة الضفة الغربية.
ورغم كل هذه الخيارات والرؤى الإسرائيلية فقراءة سريعة لها توضح أن الوقت لم يعد يعمل لصالح إسرائيل، وان كل الخيارات المطروحة امامها خيارات قديمة ، لم تعد تناسب الحالة السياسية السائدة سواء الداخلية او الإقليمية والدولية ، وباتت إسرائيل تدرك ان الفلسطينيين إقتربوا من الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة ، وانه في هذه الحالة لن تجدي سياسة القوة التي تمارسها، ولن تجدي تحالفاتها مع الولايات المتحدة، ولن يجدي الفيتو الأمريكي في قيام المجتمع الدولي بمسؤولياته الدولية في إنهاء الإحتلال عن دولة عضو في الأمم المتحدة.
وباتت إسرائيل تدرك ان سياسات الدول لم تعد كما هي، بل إن تغيرا واضحا بدأ يبرز على مواقف كثير من الدول ، وكما في الموقف الأوروبي من وضع ملصقات على منتوجات المستوطنات الإسرائيلية ومقاطعتها، وبدايات سياسات المقاطعة.
خلاصة القول أن صورة إسرائيل لم تعد هي الصورة التي حملتها هذه الدول، التي بدأت تحاول ان تمارس ضغطا على إسرائيل، وتحملها مسؤولية ما يجري على الأراضي الفلسطينية ، وبدأت تدرك أيضا ان أحد أهم مفاتيح حل الإرهاب الذي تواجهه دول العالم يكون بحل القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية. هذه التطورات تجعل من خيارات إسرائيل في التعامل مع السلطة أصعب بكثير من وقت قيامها، فلم تعد السلطة الفلسطينية هي السلطة التي أرادتها ، ولم تعد سلطة وظيفية بالقدر الذي تريد، ولذا فهي حائرة امام خيار حل السلطة الذي يضعها اما خيارات اصعب من خيار بقاء السلطة ذاتها.
ويبقى السؤال إذا كان هذا هو موقف إسرائيل من خيار حل السلطة، فما هو الموقف الفلسطيني؟




