الرئيسيةزواياأقلام واراءالمبادرة الفرنسية... مؤتمر دولي عربي أوروبي برعاية أمريكية ؟! ... بقلم: د....

المبادرة الفرنسية… مؤتمر دولي عربي أوروبي برعاية أمريكية ؟! … بقلم: د. ناجي صادق شراب

 

RO2YA-14802-2

المبادرة الفرنسية أو ما يصطلح على تسميتها بالمؤتمر الدولي للتوصل لمرجعية دولية جديدة للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وصولا لحل هذا الصراع تثير الكثير من الجدل ، والتناقضات في المواقف من قبل كل الدول المعنية بالمؤتمر بما فيها فرنسا . ويثير المؤتمر تساؤلات كثيرة : لماذا فرنسا وما هي أهدافها؟ وما هو الموقف الأمريكي ؟ ولماذا تقبل السلطة الفلسطينية وتدعم هذا الخيار؟ وبالمقابل لماذا ترفض إسرائيل من الأساس فكرة المؤتمر؟ وهل البيئة الدولية ناضجة لعقد هذا المؤتمر؟ وهل يمكن أن يسفر المؤتمر عن قرارات ومرجعية ملزمة ؟ وما هي التوقعات والسيناريوهات المتوقعة؟

هذه التساؤلات هي ما سنحاول الإجابة عليها. فرنسا من ناحيتها كدولة محورية في أوروبا، ودولة مؤثرة دوليا تسعى ان يكون لها هذا الدور ، كما مارسته في العديد من القضايا الدولية في أفريقيا وغيرها ، ويرتبط بهذا الدور برغبة الدولة في تحقيق نجاحات وإنجازات خارجية للتغطية على ما تعانيه من أزمات ومشاكل داخلية. وهذا هو حال فرنسا، ومما دفع باريس للقيام بهذا الدور علاقاتها الإيجابية مع كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل وعدد من الدول العربية. إلا ان فرنسا تدرك ان هذا الدور محفوف بالكثير من المخاطر والتحديات. ولعل في مقدمتها الدور الأمريكي الرافض لأي دولة أخرى لرعاية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

وهذا الإحتكار التاريخي تدركه فرنسا، كما يدركه الفلسطينيون والدول العربية ، وتحاول فرنسا مدعومة من الدول العربية ملء الفراغ السياسي الذي ستدخله القضية بسبب الإنتخابات الأمريكية ، ومحاولة تفعيل وتحريك القضية الفلسطينية في زمن تتنامى فيه موجات الإرهاب والعنف، والذي لم تنجح اوروبا بالنأي بنفسها عنه، وإدراكا من فرنسا ان القضية الفلسطينية ما زالت احد أهم المفاتيح والمداخل لمحاصرة هذا الإرهاب، ونزع كل المبررات من ايدي الجماعات الإسلامية المتشددة. رغم إدراك فرنسا بالتحديات والمخاطر إلا أنها استمرت في مواصلة جهودها بالزيارات التي قام بها كل من وزير خارجيتها ورئيس وزرائها للمنطقة. ويبقى التساؤل الرئيس عن موقف كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية من هذا المؤتمر؟ الموقفان متناقضان كل منهما يلغي الآخر، فالموقف الإسرائيلي الثابت والذي اكتمل بتعيين ليبرمان وزيرا للدفاع، وهو منصب ليس كأي منصب، لأنه يمكن ان يحل مكان رئيس الوزراء لأي سبب، موقف إسرائيل الثابت يقوم على رفض فكرة تدويل القضية الفلسطينية ، ورفض كل قرارات الشرعية الدولية ، ومن ثم رفض كل أشكال التدويل من مؤتمرات دولية ، او دور مباشر للأمم المتحدة ،هذا على الرغم من قبولها حضور مؤتمرات دولية مثل أنابوليس ولكن برعاية أمريكية. إسرائيل تدرك ماذا يعني تدويل القضية الفلسطينية ، الإلتزام بقرارات الشرعية الدولية التي تضفي في النهاية لقيام الدولة الفلسطينية ، وإلغاء لكل سياساتها الإستيطانية والتهويدية على الأراضي الفلسطينية ، وتحاول إسرائيل ان تحصر القضية في إطارها الثنائي ، وانها مجرد مسائل خلافية مع الفلسطينيين يمكن حلها بالمفاوضات المباشرة ، وبالتالي لا ضرورة لمثل هذا المؤتمر.

والذي يساعد إسرائيل على هذا الرفض وهذا الموقف عاملان الأول الموقف الأمريكي الداعم والحاضن لموقف إسرائيل والذي يوفر لها الحماية في داخل مجلس الأمن ، وبالفيتو الأمريكي هي في منأى عن أي قرار دولي ملزم استنادا للفصل السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة ، والعامل الثاني يتعلق بقوة إسرائيل، فإسرائيل بمعايير القوة دولة قوة نووية ، ودولة رقمية ، وذات قوة إقتصادية ، ودولة تتحكم في التوجهات السياسية الدولية وخصوصا في أوروبا والبيت الأبيض، وتملك جاليات مؤثرة في عواصم صنع القرارات الدولية .

ولا شك أن إسرائيل هي المستفيد الأول من التحولات العربية ، وما تعانيه الدول العربية من تراجع في دورها ، ومن الإنقسام الفلسطيني وضعف السلطة الفلسطينية ، لهذا جاء الرفض الإسرائيلي للمبادرة الفرنسية رغم العلاقات الجيدة بين الدولتين، ورغم العلاقات الحميمة بين رئيس وزراء فرنسا الذي طالب الدول العربية بالإعتراف بإسرائيل ونتانياهو ، الذي حاول الإلتفاف على المبادرة بلقاء الرئيس محمود عباس في فرنسا ترضية لها، وهذا أقصى دور يمكن أن يمنح لفرنسا.

وأما عن دور السلطة الفلسطينية وموقفها فهو لا يخرج عن التمسك بخيار تدويل القضية الفلسطينية والتمسك بقرارات الشرعية الدولية ، وعلى أهمية هذا الخيار ، إلا إنها من الضعف بما لا يسمح لها برفض أي مبادرة دولية في هذا السياق، ومن ناحية أخرى ضعف الخيارات الأخرى من مفاوضات وصلت لنهاياتها ، ومقاومة لا يمكن ان تفرض ما تريد على إسرائيل، وحالة الإنقسام السياسي ، وبالتالي تحتمي السلطة في هذا الفراغ السياسي بفكرة المؤتمر الدولي ، والحراك الدولي الواسع، رغم إدراكها ومعرفتها أن هذه الشرعية الدولية تحتاج لقوة دولية ملزمة غير متوفرة بالموقف الأمريكي ، وقوة عربية تعاني من الضعف والتراجع، وقوة سلطة فلسطينية أصلا غير متوفرة، في مثل هذه البيئة لا يملك الفلسطينيون إلا السباحة في الفضاء.

واما الموقف العربي فهو في أسوأ حالاته من القضية ، فلم تعد إسرائيل الدولة العدو الأول ، ومنشغلة بقضاياها الداخلية ، لجنة المتابعة العربية مجرد إطار تنسيقي تشاوري ، في مثل هذه بيئة دولية وإقليمية لا يمكن ان ينتظر ان يأتي عقد هذا المؤتمر بقرارات دولية ملزمة، فكما هو معلوم آلية المؤتمر الدولي ليست آلية ملزمة ، ولا يمكن فرضها بالقوة ، وتحتاج إلى بلورة في صورة مشروع قرار ملزم من مجلس الأمن وهذا خيار مستبعد في وقت الإنتخابات الأمريكية ، ولضعف البيئة العربية والدولية والتي تعمل كلها لصالح إسرائيل.

وإذا كانت هذه هي التوقعات من المؤتمر لماذا يعقد؟ وفي حال انعقاده ما هي السيناريوهات المتوقعة؟أما من ناحية عقد المؤتمر فيبدو أن الأمر قد حسم بعد تأجيله ،لأن الأمر قد يتعلق بهيبة ومكانة الدولة صاحبة المبادرة ، وفي إطار المحددات التي تحكم البيئة السياسية الإقليمية والدولية التي سيعقد فيها المؤتمر فالسيناريو الأكثر احتمالا عقد المؤتمر بعدد من الدول العربية والأوروبية وبرعاية أمريكية لأن أمريكا لا يمكن أن تكون بعيدة عن هذا المؤتمر، وهو الذي قد يشكل بديلا ومخرجا للرئيس أوباما من إنهاء رئاسته بوعد على غرار وعد بلفور بقيام الدولة الفلسطينية .

هذا السيناريو سيناريو عقد المؤتمر بدون إسرائيل وفلسطين ، وبالتالي حفظا لماء وجه الجميع يخرج المؤتمر ببيان عام وبإطار ومرجعية دولية جديدة قد يتم من خلالها توسيع إطار الرباعية الدولية ، وبتحديد أسس المفاوضات بين الفلسطينيين، والتي كما ستشير لحل الدولتين ودعم المطالب الفلسطينية ، لكنها في الوقت ذاته لن تتجاهل احتياجات إسرائيل الأمنية والإعتراف بها كدولة يهودية ،ليجد الفلسطينيون والعرب انفسهم امام مأزق جديد للشرعية الدولية.

ويبقى التساؤل كيف سيتعاملون مع هكذا مرجعية جديدة . واما السيناريو الثاني الذهاب لمجلس الأمن من جديد بمشروع عربي مدعوم اوروبيا، وهذا السيناريو من السيناريوهات المفتوحة ، لكن فرصه تبقى ضعيفه. ما هي الخيارات الفلسطينية والعربية البديلة ؟هذا هو السؤال الذي يحتاج منا إلى إجابة.

القدس

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب