الرئيسيةزواياأقلام واراءروسيا والعالم الإسلامي: شراكة استراتيجية في زمن التحولات الدولية .. بقلم: مصعب...

روسيا والعالم الإسلامي: شراكة استراتيجية في زمن التحولات الدولية .. بقلم: مصعب الصباريني

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعكس تراجع هيمنة القطب الواحد وصعود مراكز قوة جديدة تسعى إلى إعادة صياغة معادلات السياسة والاقتصاد العالميين، وفي خضم هذا المشهد المتغير، تتقدم العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي بوصفها أحد أبرز نماذج الشراكات الصاعدة التي تتجاوز حدود المصالح الآنية لتؤسس لمسار استراتيجي طويل الأمد قائم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ.

 

وجاء انعقاد المنتدى الاقتصادي الدولي السابع عشر «روسيا – العالم الإسلامي: منتدى قازان 2026» ليؤكد أن هذه العلاقات دخلت مرحلة جديدة أكثر نضجاً وفاعلية، فالمنتدى، الذي استقطب أكثر من عشرين ألف مشارك من تسعٍ وتسعين دولة تحت شعار «الثقة والتعاون»، لم يكن مجرد منصة للحوار، بل عكس توجهاً روسياً واضحاً نحو تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الفضاءين الآسيوي والإسلامي، ضمن رؤية تنسجم مع ملامح النظام العالمي متعدد الأقطاب الذي يتبلور تدريجياً.

 

وتتجلى أهمية المنتدى في كونه جسّد الانتقال من مرحلة النقاشات النظرية إلى مرحلة المشاريع العملية، فروسيا لم تعد تنظر إلى دول العالم الإسلامي باعتبارها شركاء محتملين فحسب، بل بوصفها ركناً أساسياً في استراتيجيتها الاقتصادية والجيوسياسية، ويعكس ذلك التطور الذي شهدته مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا – العالم الإسلامي»، التي انتقلت من إطار للتشاور والحوار إلى منصة لإطلاق مبادرات ومشاريع ذات أهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

 

غير أن ما يميز هذا التوجه الروسي هو اعتماده مقاربة تختلف عن نماذج الشراكة التقليدية التي غالباً ما ارتبطت بشروط سياسية أو ثقافية، فموسكو تطرح نموذجاً للتعاون يقوم على احترام السيادة الوطنية والتنوع الثقافي والديني، مستندة إلى منظومة من القيم المشتركة التي تجمع شعوب العالم الإسلامي بالمجتمع الروسي متعدد القوميات والأديان، وفي هذا السياق، اكتسب اختيار قازان عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026 دلالة رمزية مهمة، باعتبارها نموذجاً تاريخياً للتعايش والتفاعل الحضاري بين الثقافات المختلفة.

 

وعلى المستوى الاقتصادي، تسعى روسيا إلى ترجمة هذا التقارب إلى مشاريع ملموسة تعزز الترابط الإقليمي والدولي، ويأتي مشروع ممر النقل الدولي «شمال – جنوب» في مقدمة هذه الجهود، باعتباره أحد أهم المسارات اللوجستية القادرة على ربط روسيا بدول الخليج وجنوب آسيا عبر شبكة متكاملة من الموانئ والسكك الحديدية، ومن شأن استكمال حلقات هذا المشروع أن يفتح آفاقاً جديدة للتبادل التجاري والاستثماري، وأن يعزز مكانة المنطقة بوصفها جسراً استراتيجياً يربط الشرق بالغرب.

 

كما تبرز الصيرفة الإسلامية والتكنولوجيا المالية بوصفهما من أكثر مجالات التعاون الواعدة بين الجانبين، فروسيا تنظر إلى التمويل الإسلامي ليس باعتباره أداة لجذب الاستثمارات فحسب، بل كجزء من توجه أوسع يهدف إلى تنويع الأدوات المالية وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وفي ظل النمو المتسارع لسوق التكنولوجيا المالية الإسلامية عالمياً، تبدو موسكو حريصة على حجز موقع متقدم في هذا القطاع الحيوي الذي يشهد توسعاً متواصلاً ويستقطب اهتماماً متزايداً من المؤسسات المالية الدولية.

 

وتشير مخرجات منتدى قازان 2026 إلى أن العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي تجاوزت مرحلة التقارب الظرفي إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، فهذه العلاقة تستند اليوم إلى أسس اقتصادية وثقافية وسياسية متينة، وتقوم على رؤية مشتركة لعالم أكثر توازناً وعدالة في توزيع النفوذ والفرص، وفي ظل استمرار التحولات الجيوسياسية الدولية، تبدو هذه الشراكة مرشحة للاضطلاع بدور متزايد في رسم ملامح النظام العالمي الجديد، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي ودفع مسارات التنمية والتعاون بين الشعوب والدول.

 

• كاتب وباحث فلسطيني مقيم في روسيا

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب