
غزة ـ الحياة الجديدة ـ أكرم اللوح – أبدى الشاب محمود عبد السلام نمر (25 عاما) تجاهلا وعدم اهتمام ملفت للنظر بأخبار المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، فالظاهر للمتجول في شوارع قطاع غزة، أن المواطن الغزي أصبح يتعامل مع جولات الحوار إن كانت في القاهرة أو الدوحة بنوع من البرود والفتور وعدم اليقين من إمكانية التوصل إلى حل ينهي معاناة الآلاف من المشردين والفقراء والعاطلين عن العمل في القطاع المحاصر.
“تابعنا جولات الحوار الماضية بشغف واهتمام بالغين، وتوصل المتحاورين إلى اتفاقات كثيرة، ولكن أصيب المواطن في غزة بالاحباط نتيجة عدم تنفيذ تلك الاتفاقات، بل ما يزيد الامور تفاقما هو زيادة حدة التراشق الاعلامي بين فتح وحماس بعد كل جولة حوار أو اتفاق يوقعه الجانبين” قال الشاب نمر للـ”الحياة الجديدة”.
ويضيف نمر بنوع من السخرية: “لا أريد أن أعلن تفاؤلي في جولة الحوار الحالية في القاهرة والدوحة، لأني كل مرة أبدي أملي في التوصل لاتفاق عملي ينفذ فيه الجانبان ما تم التوافق عليه ولكن هذا لا يتم، فلعلي إن أعلنت تشاؤمي أن يحدث ما يأمله المواطن الفلسطيني في إنهاء تسع سنوات من الانقسام البغيض”.
وغادر عزام الأحمد مسؤول ملف المصالحة في حركة فتح مساء أمس الاثنين القاهرة عائدا إلى رام الله بعد زيارة استمرت يومين التقى فيها عدد من المسؤولين المصريين لبحث جهود إتمام المصالحة الوطنية فيما من المتوقع أن يصل وفدا سياسيا وأمنيا من حركة حماس خلال الساعات القادمة إلى القاهرة لبحث مسائل أمنية وملف المصالحة مع المسؤولين المصريين.
وكان من المتوقع وفقا لتكهنات إعلامية وصول وفد قيادي من حركة فتح اليوم إلى الدوحة للقاء قيادة حركة حماس بهدف التوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية تنهي الإنقسام وتوحد شعبنا وتنهي معاناة المواطنين في قطاع غزة.
مئات الساعات من الحوار
وتقصت “الحياة الجديدة” على مدار أيام من شخصيات فلسطينية ومواقع انترنت حول عدد ساعات وجولات واتفاقات الحوار والمصالحة بين حركتي فتح وحماس، فوجدت اختلافا بسيطا حول تقدير تلك الاحصائيات، حيث ذكر محمود ثابت عضو لجان المصالحة الوطنية في تصريح له عام 2011 أي قبل خمس سنوات: “أن المصالحة بين فتح وحماس تمت بعد 1432 ساعة من الحوار ووقع الطرفان على وثيقة لا بد من إخراجها إلى حيز التنفيذ والبدء الفوري في دفع استحقاقاتها”.
ووقعت حركتي فتح وحماس عام 2011 اتفاقا في القاهرة بعد ست جولات من الحوار الثائي وفقا للوثيقة المصرية التي ارتكزت على تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء انتخابات متزامنة للمجلس التشريعي والرئاسية والمجلس الوطني , والتوافق على معايير وأسس إعادة بناء وهيكلة الأجهزة الأمنية وتفعيل لجان المصالحة المجتمعية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
وواجه اتفاق القاهرة عددا من العقبات دفع الجانبين إلى توقيع اعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية عام 2012 ولكن لم يكتب له النجاح ليعود الطرفين لتوقيع إعلان الشاطئ عام 2014، والذي تم فيه الإعلان عن آليات وجدول تنفيذ المصالحة الوطنية.
وفي عام 2014 بلغت ساعات الحوار التي استضافتها مصر في محاولة لتقريب وجهات النظر بين حركتي فتح وحماس لأكثر من 1600 ساعة حوار خرجت في مجملها بمجموعة كبيرة من الاتفاقات والمعاهدات لم يكتب لها النجاح والتطبيق على أرض الواقع وحتى الوصول إلى تشكيل حكومة توافق وطني فشلت في إدارة مهامها بقطاع غزة بعد منعها من العمل بحرية من قبل حركة حماس المسيطرة على القطاع.
ارتباط حماس يعيق المصالحة
من جانبه عبر الدكتور يحيى رباح المحلل السياسي وعضو المجلس الثوري لحركة فتح عن أمله في أن يحدث تقدم في جولة الحوار القادمة وأن تكون الإرادة الوطنية لدى حماس جاهزة للتقدم خطوة إلى الأمام”.
وقال رباح في حديث خاص “للحياة الجديدة”: “ان أي لقاء مصالحة سيكون محكوما بالفشل إذا لم تكن الأولويات لدى حركة حماس وطنية وليست مرتبطة بالإخوان المسلمين لأن الاخيرة لها أولويات مختلفة وبعيدة عن مصالحنا الوطنية” مطالبا حماس بإجراء مراجعة مع الذات وان تتقدم نحو الإرادة الوطنية الفلسطينية”.
وأكد رباح ان الحوار بين فتح وحماس يتركز على ورقة المصالحة المصرية ولا يوجد شيء آخر مقدم للنقاش حوله غيرها، وما تم من اتفاقات في الدوحة أو الشاطئ هو محاولة للتنفيذ انتهت بتشكيل حكومة وفاق وطني، ولكن تم منعها من العمل في غزة، وسحبت حماس صلاحياتها الى ان حدثت الحرب الاخيرة ورغم ذلك ما زالنا نتحاور”.
وأوضح رباح أنه إذا لم تقدم حماس على خطوة كبيرة وتجري مراجعة حقيقية فلن يحدث شيء جديد لأنها تقوم في كل مرة بفتح موضوعات فرعية سبق أن تم طرحها مثل الموظفين والبرنامج السياسي مؤكدا أن المصالحة لها عمودان أساسيان وهما تشكيل حكومة وحدة بصلاحيات كاملة تعمل خلال 6 شهور للاعداد لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مردفا:” أما عدا ذلك فكله نقاط للهروب والتذرع من أجل إحراق الوقت”.
وقال رباح: “بعد تسع سنوات من الاجتماعات والمباحثات والتسريبات لم نخرج بشيء، ورغم ذلك مصرون في فتح على أن تبقى المصالحة أول الاولويات وأن نعمل كل شيء من اجل اتمامها بنية مخلصة”، مضيفا: “ولكن للأسف ما زلنا ننتظر مراجعة شجاعة من حماس لمواقفها”.
وأوضح أنه :”يبدو أن موقع حماس المتدني في التنظيم الدولي للاخوان المسلمين يجعلها غير قادرة على المراجعة مثل ما فعل راشد الغنوشي (إخوان تونس) وأيضا ما قام به الاخوان في الاردن حين غلبوا الرؤى والأولويات الوطنية على التنظيم الدولي”.
وشدد رباح في نهاية حديثه على أن حركة فتح ما تزال تنتظر أن تعلن حماس وبشجاعة ولو مرة واحدة بأن أولوياتها وطنية وتقوم بمراجعة شاملة لعلاقتها بالتنظيم الدولي وتأتي إلى المصالحة بإرادة حقيقية للتخفيف من الأذى التي تسببت به للمشروع الوطني الفلسطيني”.
حوارات المصالحة “تجارية”
من جهته، طالب المحلل السياسي أكرم عطاالله، كلا من حركتي فتح وحماس “بالكف عن هذا العبث والهزل” واصفا ما يحدث بين الطرفين بأنه حوار “طرشان” فكل منهما يتحدث في واد غير الآخر دون الخروج بأي نتائج عملية”.
وأضاف عطا الله معلقا على رحلات وفود الفصائل إلى القاهرة والدوحة: “تحولت في الحقيقة إلى حالة كاريكاتورية في السياسة الفلسطينية لم تعد تأخذ طابعها الجدي في النقاش لأنها أصيبت بالعطب في مصداقيتها”.
وأوضح عطا الله في حديث للـ”حياة الجديدة” أن عدم وجود جدية في إنهاء الانقسام والخطأ بمضمون الحوار وشكله والقضايا التي يتم مناقشتها أسفرت عن تسع سنوات من الفشل مطالبا الطرفين بالتوقف عن هذا العبث ومناقشة القضايا بجدية بدلا من النقاش “التجاري” والذي يركز على قضية الرواتب وغيرها بعيدا عن الأزمة الاساسية.
وتحدث عطا الله عن التضارب في مشروعي فتح وحماس فلكل منهما رؤية مختلفة حيث تحمل السلطة وفتح مشروعا هو نتاج برنامج منظمة التحرير الفلسطينية اما حماس فتتحدث عن مشروع آخر لا علاقة له بإقامة السلطة ولا برنامجها وبالتالي لم يكن من مصادفات التاريخ أن تكون هذه هي النتائج التي نعيشها في الوقت الحالي.
أما بما يتعلق بالتحرك الشعبي والفصائلي قال عطا الله: “المواطن عاجز عن اتخاذ أي فعل أو قرار وهناك تشويش وانقسام بين المواطنين والحديث عن خروج الشارع بحاجة لتفكير أكبر”، منوها إلى أن التحرك الأخير الذي شاهده الجميع في مؤتمر وطنيون ضد الانقسام والذي منعته حركة حماس.
وحول معادلة التحرك الفصائلي أوضح عطا الله “أن فصائل اليسار والمعارضة تشكل في مجموعها 13% في الشارع الفلسطيني ولا يمكنها أن تحدث تغييرا كبيرا في الشارع ولا يمنحها القوة التي تؤهلها لاحداث شيء في طبيعة النظام السياسي”.
وفي تقييم لهيئة الإغاثة الإنسانية (İHH) التركية عام 2016 فقد بلغ معدل البطالة في قطاع غزة إلى 50% والفقر إلى 80% إضافة إلى عشرات الآلاف من الخريجين والعاطلين عن العمل.




