أقلام واراءزوايا

النخب في الربيع العربي… التأثير الغائب …بقلم :المهدي مبروك

349 (3)

يتواتر في تونس، وفي أكثر من بلد عربي، على امتداد الصيف الجاري، انعقاد جملة من الندوات والفعاليات الفكرية التي تتناول، بشكل أو آخر، مسألة النخب في علاقتها بالتحوّلات الجارية حالياً، وأساسا الحراكات الحاصلة في دول الربيع العربي، من خلال مقاربات مقارنة. يتعقّد طرح هذه المسألة في سياقٍ معرفيٍّ، يتسم بالتباس مسألة النخب، في العالم العربي بالذات، فضلاً عن تقادم نظرية النخب نفسها، ومراجعاتها المتعدّدة حالياً، وهي مراجعاتٌ تأخذ بالاعتبار التحولات التي عرفتها المجتمعات وخصوصياتها وديناميكياتها المحلية المتعلقة بإنتاج النخب وإعادة إنتاجها، وبقية الفئات الاجتماعية الأخرى. وتتأكد مثل المراجعات، في نظامٍ دوليٍّ يتعولم بشكل سريع، فاسحاً المجال لتبادلٍ مكثفٍ للأفكار والمعلومات والسلع واتساع مراكز النفوذ والتأثير لجماعات افتراضيةٍ ونخب شبحية، ما يهدّد نفوذ النخب الكلاسيكية التي ارتبكت مواقعها، وسحب منها بعض الوجاهة والتأثير، خصوصاً في مثل فترات الانتقال الديمقراطي هذه التي تضعف فيها سلطات الدولة، وتتعثر محاولات النخب الصاعدة، إما لافتقاد الكفاءة والجدارة، أو لقوة النخب العميقة اللائذة عادةً بالدولة العميقة، أو إكراهات السياق الإقليمي والموقف الدولي عموماً. جعلت بعض هذه المستجدات بعضهم يتحدّث عن نهاية النخب، أو تشكّل نخبٍ مضادّة، إلى غير ذلك من الأطروحات، ما يمثل جزءاً من الجدل الثري الذي يرافق حالياً طرح مسألة النخب العربية والربيع العربي.
كما يستمد مثل هذا الموضوع مشروعيته من جملة البديهيات والأفكار التي انتشرت عقب اندلاع “ثورات الربيع العربي”، فغدت من المسلمات، والحال أنها جديرةٌ بالمساءلة، كالتي تعلقت بنفي أن يكون للنخب دور في ما جرى في بلدان الربيع العربي من حراكاتٍ يردّها بعضهم إلى الجماهير العفوية، أو الاعتقاد أنها كانت ثوراتٍ بلا رؤوس أو قيادات، في نوعٍ من التشفي من نخبٍ كان بعض فصائلها شريكاً في ما آل إليه حال بعض بلداننا.
بعيداً عن التحيز لأي أطروحةٍ، تتيح دراسة مسألة النخب والتحولات الديمقراطية في بلداننا تدقيق المفاهيم، وتحديد الأدوار التي قد تكون لعبتها النخب في سياقٍ زمنيٍّ يبرهن على حرج الرهانات المعقودة على نخبنا في مجرى هذه التحولات العصيبة التي تمرّ بها منطقتنا. دفعت التطورات الحالية إلى سيولة الحدود بين مختلف النخب وانجراف فضاءاتها ومجالاتها التقليدية، ما يجعل النخب منفتحةً على بعضها، في التباسٍ مريبٍ يعسر فيه أن نميّز بدقةٍ بين النخب السياسية والنخب الإعلامية أو النخب المالية، مثلاً، في سياقاتٍ تتنامى فيه حالياً لوبيات المصالح ودوائر النفوذ الخفية وجماعات الضغط وأشكال التوسط الاجتماعية، المتسترة ضمن هندساتٍ تشوّش على النخب، بالمعنى التقليدي، مواقعها ومواقفها. قدمت لنا الحالتان، التونسية والمصرية، إبّان ثورتيهما، وحتى بعدهما، مثالاً حياً على شراسة النخب الإعلامية والاقتصادية، واستعدادها للقتال من أجل إجهاض ميلاد نخبٍ سياسيةٍ جديدةٍ، فهي مستعدة للتحالف مع “الشيطان”، من أجل قطع الطريق أمام هذا الاحتمال.
وبقطع النظر عن أهمية الدور الذي لعبته النخب في إطلاق الثورات، أو تأطيره، والذي كان،

في واقع الأمر، محتشماً، فإن اختلاف مآلات الربيع العربي نفسه يعود إلى جملةٍ من العوامل، ذات صلةٍ وثيقةٍ بالنخب نفسها، على غرار ثنائية النخب المدنية والنخب العسكرية وتجدد النخب وقدرتها على بناء التوافقات وترويض اللعبة السياسية، حتى تصبح مثمرةً وذات جدوى.. إلخ. فإذا كانت الألعاب السياسية فاقدة للقواعد، ومعروفة النتيجة مسبقاً، فإنها قد تتحول إلى لعب قاتلة، أو مدمرة، تؤدي إلى تعميم العنف على شاكلة الحروب الأهلية أو الإرهاب .. إلخ، كما هو الحال في الثورة اليمنية أو الليبية وحتى السورية.
عوّل الثائرون والمنتفضون، في أكثر من بلد عربي، خلال السنوات الخمس الفارطة، على تجدّد النخب وقدرتها على انتداب فاعلين جدد (ساسة، رجال أعمال، تكنوقراط، إعلاميون إلخ). ولكن، يبدو أن الحصيلة كانت متواضعةً، خصوصا أن حالة الاستقطاب الحادة التي شجّت المجتمعات العربية التي شملتها الثورات العربية أعادت إلى المواجهة رموز النخب القديمة التي استأنفت انتداب الشباب وتجنيدهم، وفق آليات إعادة إنتاج النخب في ثقافة باتريمونيالية. استحوذت النخب القديمة، على خلاف ما توقعنا، على قوة تجنيدية عالية وتعبئة وشحن غير متوقعين، مستغلةً صعوبات المرحلة ومشاعر الخوف والإحباط التي نخرت الشرائح الشبابية بالذات، وهم الذين كانوا وقود تلك الثورات.
لم تفلح الحراكات العربية إلا قليلاً في إنتاج نخب جديدة، وربما كانت النخب، في أحيانٍ كثيرة، نخباً مضادّة: أي نخبا مليشوية ومهربي السلع وأثرياء الحروب والثورات. استطاعت النخب القديمة أن تجدّد ثوبها كالحية، وتعقد، أحياناً أخرى، صفقاتٍ مشبوهة مع النخب الصاعدة، حتى تستمد مشروعية. ليس من المصادفة أن تؤكد جل المؤشرات والدراسات الحالية أن مؤشرات الفساد والتهريب وغيرها من مظاهر الفساد ارتفعت بعد تلك الثورات بشكل مفاجئ.
حتى في الحالة التونسية التي تعد استثناءً، فإن النخب الجديدة فقدت، في معظم الأحيان، قدرتها على التأثير وتوجيه بقية الفئات الواسعة من الجماهير، وذلك إما تحت حالة الحصار الذي تمارسه النخب الإعلامية المشدودة إلى المنظومة القديمة، أو محاصرة الدولة العميقة، ومعاقبة النخب الاقتصادية الهائمة دوماً بحنين الماضي، فضلاً عن عيوب التجربة التي أبانت عن مواطن عديدة لافتقاد الجدارة، وهي جوهر النخب عادة.

العربي الجديد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى