
تنكسر الطرقات على صدغه، والحرب. يتكئ الآن بكسل، زجاج السيارة، الطرقات المبتعدة، يعد حرائق تتفرّع في الشارع، ينتظر الناس وبيوتاً خالية، يفكر ببيوت تهوي، ومبانٍ حمراء. يعرف أنّها تتساقط الآن على صدره.
لم يعد الناس إلى البيت، وأقفرت الطرقات. هل كان علينا أن نرجع كي نعرف أن الدنيا ستفلت منا. فيما تخترق السيارة مسرعة طرقات خالية، فيها حرائق، وبيوت غادرت الريح، يفكر في الأشجار الناعمة، في الأيدي الغضة، الأشياء الذاهبة، الأولاد الذين كبروا في هذا العام. الناس الذين يقولون لأوّل مرة إنّ هنالك حرباً مرت في الأيام عليهم. بداية الليل، تلك الساعة التي يهبط فيها على مهل، دون أن ينتبه أحد أن العتمة نزلت، الصيف الملتهب، دخان المدن، السيارة صارت الآن العائلة.
كانت الطرقات تنفتح أمام السيارة المسرعة مثل ما تقص السكاكين الصغيرة حبوب الفاكهة. الليل ينزل. أضواء السيارة الخلفية تعطي لكل شيء حين ينظر إلى الخلف لوناً غريباً. يريد أن يصل، أنّ يعرف أن البيت لا زال هناك، أنّه سينام الليلة في بيت العائلة، وأن والده الجالس قربه دون حراك، سيفرح إن رأى المبنى لم يتهدم. السيارة الآن تصلح لصورة عائلية، هو في المنتصف، أمه بقربه، تنظر شاردة في النافذة، ووالده هنا أيضاً، تغطي وجهه الظلال الآتية من الخارج. يفكر في الجبل، يفكر كيف تدّك الأيام الرجل/ الجبل، ينظر في وجه أبيه الجالس قربه، كيف تغيّرت الأيام، وكيف انقلبت أحوال العائلة، كأن الحرب أتت كي تطلق ناراً في القلب، كي تعلّمه أنّ الأشياء ستذهب، وأنّ الجالس قربه صار قريباً من جهة الموتى، صار كمثل الهارب من غارة، يركض والطائرة تراه، تحوم بقربه، ينتظر الطيار الوقت الفاصل بين سقوط الطلقة، وسقوط الوجه على الأرض أمامه.
“الغارة لم تُصبنا، ولم تُصب الوالد، هكذا مرض من عند الله”، يقول للصبية في مدرسته، الذين يسألونه عن حال أبيه، وإن كان الناجي من الحرب سينجو أيضاً من موت مقترب. العتمة، الأشياء المحجوبة، الطرقات المبتعدة، الأبواب العاصية، الغزلان الراكضة أمامه في الشارع. النيران، حريق المدن، الأحجار الهائلة الحجم، الطلقات الفارغة، الشارع خالٍ، القصف، الأصوات، دخان يلمس وجهه، هل كان علينا أن نبصر بيتاً عند الناصية كي نعرف أن الحزن بلغنا؟
– “هذه بئر العبد يا حجة، شوفي إن كان البيت لا يزال هنا”.
– “إيه إيه، يا حسين، هذه البناية موجودة. يا حاج مد رأسك لترى. البيت لا زال هنا”.
– “قم يا حج وصلنا. قم هذا البيت. يا حاج، ردّ عليّ”.
يعرف أنّه مات اليوم، أنّ صراخ الوالدة لن يفرق شيئاً، لا أحد هنا في الشارع كي يسمعها بأيّ الأحوال. يعرف أنّه مات الآن، أنّ الوقت اللازم كي يفقده سيمرّ بطيئاً، أنّ النزلة في الشارع مع رجل ميت ستكون بأكملها على كتفيه، أنّ البيت سيملؤه اليوم الرجل الميت. احمله على ظهرك، ضعه على كتفيك، أخبط قفل البوابة كي تفتح، مدّده على الأرض هنا قرب البوابة كي تستحكم فيها. أبصق في الأرض، العن أبو من وضع القفل، قل للوالدة إنّ البيت الليلة عصيّ علينا، جرب أن تبحث في السيارة عن شيء، احمله على كتفيك الآن، فكّر.
يسند ظهره للبوابة، يبكي. يعلم أنّ النار بلغت الحقل، غلبته الحرب، غلبته حرائق تشتعل الآن على كفّيه، غلبه الرجل الميت، تبتعد السيارة، الضوء الأحمر يُملئ وجهه، يصرخ، يستسلم، يفلت من بين يديه الميّت، أحسّ أخيراً، بعد الحرب وبعد الغارات وبعد الوجل أنّ البيت المبنيّ هناك على القصب، تملأه الآن الماء.
السفير




