الرئيسيةالاخباراللاجئون في أزمة: شريط الموت على الحدود التركية-السورية

اللاجئون في أزمة: شريط الموت على الحدود التركية-السورية

index
يقوم الأسد وروسيا بتدمير حلب، وقد غادر عشرات الآلاف من السوريين المدينة سعياً إلى الأمان. لكن تركيا أغلقت حدودها مع سورية تحت ضغط من أوروبا. وكثيراً ما يلقى أولئك الذين يحاولون اجتياز الحدود حتفهم.
* * *
كان بشار مصطفى، 14 عاماً، يقود عائلته من حلب في منطقة الحدود السورية التركية، وكان ما يزال على بعد بضع مئات من الأمتار من الحدود عندما سمع أصوات الجنود الأتراك وهم يصرخون عبر مكبرات الصوت :” قف”!
وفجأة، سمع بشار فرقعة نيران رشاش فألقى بنفسه على الأرض. ورأى ابن عمه علي، 15 عاماً، مضطجعاً بلا حراك وسط الغبار على بعد أمتار قليلة والدم يقطر من وجهه. كان قد أصيب بعيار ناري في رأسه، وأراد بشار أن يهرع إليه لمساعدته، لكن الجنود استمروا في إطلاق النار، فاضطر إلى قضاء عدة ساعات مختبئاً بين الأغصان الشوكية، ولم يتمكن من استعادة جثمان ابن عمه إلا في صباح اليوم التالي، عندما توقف حرس الحدود عن إطلاق النار.
جلس بشار تحت ظل شجرة زيتون في الحقول في شمالي سورية وهو يروي قصة تجربته الدرامية التي حدثت في وقت مبكر من الصيف الماضي. كان شعر رأسه أسود قصيراً، ويرتدي قميصاً قديماً قصير الأكمام. وكانت عيناه تغرورقان بالدموع بينما يسرد قصة ما حدث له ولعلي. وهو نفس الشيء الذي ما يزال يحدث مع الناس عند الحدود السورية التركية في كل يوم تقريباً في الأشهر القليلة الماضية.
في سنتها السادسة، وصلت الحرب في سورية مستوى جديداً من الوحشية. وبمساعدة روسيا وإيران، يكثف الدكتاتور بشار الأسد هجماته وقصفه للمدنيين في سورية، كما توشك قوات على السيطرة على ما تبقى من حلب. وقد فر الآلاف من الناس من المدينة في الأيام العديدة الماضية، لكن الطرق المفضية إلى البلدان المجاورة مغلقة في الجزء الضخم منها، حتى أن سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة حذر مؤخراً من أنه “يتم ارتكاب واحدة من أكبر المجازر ضد السكان المدنيين منذ الحرب العالمية الثانية”.
وكانت تركيا، التي استقبلت نحو 3 ملايين لاجئ سوري في الأعوام الأخيرة، قد أغلقت حدودها في أعقاب صفقة اللاجئين في ربيع العام 2016 مع الاتحاد الأوروبي. ويحتاج السوريون الذين يسعون للدخول إلى تركيا جواً أو بحراً من بلد ثالث، كلبنان أو الأردن، إلى الحصول على تأشيرة، لكن المسؤولين الأتراك نادراً ما يصدرون هذه التأشيرات. كما أن الطريق البري إلى تركيا مغلق.
أزمة اللجوء الجديدة
تدّعي الحكومة الألمانية بأن صفقة تركيا حدّت من أزمة اللجوء. لكن الأزمة في الحقيقة تحولت وحسب. فالجدار الذي أرادت المستشارة أنجيلا ميركل تفادي تشييده على الحدود الألمانية مهما كلف الأمر، قام بتشييده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الجانب التركي من الحدود مع سورية: حاجز اسمنتي ارتفاعه ثلاثة أمتار (10 أقدام تقريباً)، يمتد لمئات الكيلومترات ويمنع اللاجئين من الدخول إلى تركيا. وربما لن يعود الناس يغرقون في بحر إيجه، حيث انخفض عدد الزوارق التي تنطلق من الساحل التركي متجهة إلى الجزر اليونانية بشكل كبير نتيجة للصفقة. وبدلاً من ذلك، فإنهم يصرعون على الحدود التركية السورية.
في الشهور القليلة الماضية، تحدثت مجلة “ديرشبيغل” مع عدة أناس في سورية وتركيا ممن شاهدوا حرس الحدود الأتراك وهم يطلقون النار على أشخاص يحاولون الحصول على الحماية، بينما وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش سبع حالات مشابهة في شهر أيار (مايو) الماضي. لقد تحولت الحدود السورية التركية إلى شريط للموت.
كان بشار مصطفى وابن عمه علي قد ترعرعا في دوريا، وهي قرية سورية بمحاذاة الحدود التركية. وكان علي الأكبر سناً بين خمسة أبناء ويتولى توفير العيش للعائلة من خلال جني الزيتون من الحقول في شمالي سورية بعد اعتقال والده على يد المسلحين الموالين للرئيس الأسد. وفي بعض الأحيان كان يكسب القليل من المال الإضافي عبر إرشاد السوريين الهاربين إلى داخل الأراضي التركية -وهو ما فعلاه في تلك الليلة من شهر آب (أغسطس) عندما فتح الجنود الأتراك النار عليهما.
يقول بشار: “نعرف أن الأتراك متشددون جداً عند الحدود. ولكن، من أين يمكن أن نكسب عيشنا”؟
تقدر منظمات المساعدة أن ثمة نصف مليون سوري يوجدون راهناً في منطقة الحدود ويأملون في التمكن من الهرب إلى داخل تركيا. وتغص المخيمات على الحدود باللاجئين وتنام النساء والأطفال بين أغصان الأشجار وثمة نقص في الغذاء.
واحد بالألف
تطورت صناعة التهريب في شمال سورية منذ أن أغلقت تركيا الحدود. وحتى بداية العام الحالي، كان مهربو المهاجرين يصطحبون الناس عبر الحدود إلى داخل تركيا نظير أقل من 100 دولار. والآن تكلف العملية 1000 دولار للوصول إلى داخل تركيا —وتفشل معظم المحاولات. ومن بين 1000 محاولة تنجح واحدة في الأغلب، وفق تقدير قائد في الجيش السوري الحر يتمركز في شمالي سورية.
ويتواصل هذا القائد الثوري مع مقاتلي الجيش السوري الحر ومع الناشطين والمهربين والمساعدين الطبيين عبر الواتساب، ويتلقى بانتظام معلومات عن السوريين الذين يجرحون أو يقتلون بينما يحاولون الهرب. ويقول إن الجنود الأتراك يطلقون النار الآن على كل مهاجر يقترب حتى من الحدود. وفي الأثناء، ينفي الجيش التركي الاتهامات ويقول إنه يطلق “عيارات تحذيرية وحسب”.
أما أولئك الذين يستطيعون اجتياز الحدود فيقعون تحت خطر اعتقالهم من جانب منتسبي الأمن الأتراك، وثمة تقارير عن إساءة معاملة يتلقونها أثناء الاحتجاز. ويقول طالب هندسة من دير الزور في شرقي سورية إنه احتجز في ثكنات عسكرية بالقرب من مدينة الريحانية التركية الحدودية لمدة يومين، ولم يقدم له فيهما أي طعام أو شراب. ويضيف أن الجنود الأتراك ضربوه وسرقوا مقتنياته الثمينة ثم وضعوه في حافلة مليئة بلاجئين آخرين عائدة إلى داخل سورية.
لا تتطابق هذه الاتهامات بالضبط مع سياسة “الباب المفتوح” المعلنة رسمياً لأردوغان. وهو يقول أن الجدار على الحدود السورية هو لحماية تركيا من الإرهاب وليس لمنع اللاجئين من عبور الحدود. وتجدر الإشارة إلى أن مقاتلي “داعش” كانوا قد نفذوا عدة هجمات في تركيا في الأشهر الأخيرة، ما أسفر عن مقتل 55 شخصاً في هجوم واحد على حفل زفاف في جنوب شرق تركيا في شهر آب (أغسطس) الماضي. وبعد ذلك الهجوم بوقت قصير، توغل الجيش التركي داخل سورية للقضاء على “داعش” والمليشيات الكردية في منطقة الحدود. ولطالما أراد أردوغان تأسيس “منطقة آمنة” في شمالي سورية وقال إن بإمكان اللاجئين أن يجدوا ملجأ هناك.
“من يهتم بنا؟”
يقول متين كوراباتير، رئيس مركز بحوث اللجوء السياسي والهجرة الذي يتخذ من أنقرة مركزاً له، إن أردوغان لطالما ادعى بأنه حامي المسلمين من سورية. ومع ذلك، ما تزال التوترات بين المهاجرين السوريين والناس في تركيا تتأجج، والبطالة عند أعلى مستوى لها في سبعة أعوام. ويضيف كوراباتير: “لا مصلحة لأردوغان في السماح لمزيد من اللاجئين بالدخول إلى البلد”.
في الأثناء، تتحمل أوروبا مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب على الحدود السورية التركية. ولم تقدم لا الحكومة الألمانية ولا المفوضية الأوروبية على أي محاولة للمعرفة عن الأعيرة النارية التي تطلق من هناك. وتعول المستشارة ميركل على أردوغان في الإبقاء على اللاجئين بعيدين عن أوروبا، بغض النظر عن الكيفية التي يفعل بها ذلك.
يرافق بشار مصطفى عمته مريم إلى قبر علي في سفح تلة فوق القرية. ويركع الاثنان أمام كومة من الحجارة التي زينت بنبات العليق، وتغطي مريم مصطفى وجهها بكفيها، وتقول إنها لا تعرف كيف ستستمر في الحياة وكيف تطعم العائلة. وتضيف أنها تريد أن تحاسب قاتل علي، ولكن ما من أحد يمكنها اللجوء إليه. وتهز رأسها وتقول: “من يهتم بنا؟
رهام الكسعة وماكسميليان بوب – (ديرشبيغل) /2016
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Refugees in Crisis: The Death Strip at the Turkish-Syrian Border

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب