الايام – يوسف الشايب:”كل شيء في كل مكان في وقت واحد” هو فيلم خيال علمي صيني من إنتاج أميركي، كتابة وإخراج الثناني “الدانيلز” (دانيال كوان ودانييل شاينرت)، ويتمحور، بغرائبية مُبتكرة قد تستعصي على التأويل أحياناً، حول مهاجِرة صينية في الأربعينيات من عمرها، تنحرف باتجاه مغامرة مجنونة تستكشف فيها أكواناً أخرى تمكنها من التواصل مع الحياة التي كان من الممكن أن تعيشها.
والفيلم الذي هو من بطولة: ميشيل يوه، وجوناثان كي كوان، وجيني سلايت، وهاري شوم جونيور، وجيمس هونج، وجايمي لي كرتيس، وستيفاني هسو، هو الأكثر ترشيحاً من بين الأفلام التي تتنافس أيضاً على جائزة “أوسكار” أفضل فيلم، فهو مرشح أيضاً لجوائز: أفضل إخراج لكل من دانيال كوان ودانيال شاينرت، وأفضل نص، لـ”الدانيلز”، وأفضل ممثلة من خلال منافسة “ميشيل يوه” في القائمة القصيرة عن هذه الفئة، وأفضل ممثل مساعد عبر الممثل “كي كوان”، وأفضل ممثلة مساعدة من خلال “ستيفاني هسو”، وأفضل ممثلة مساعدة لزميلتها “جايمي لي كرتيس”، وتصميم الأزياء، والمونتاج، والتصوير، والموسيقى.
وبعد الإشادة بالابتكار والعمق اللذين يوفرّان قدرة هائلة على الجذب ذي الطبيعة العاطفية، وإن كانت بعض الأمور قد تستعصي على الفهم أحياناً، لوقت قد يطول أو يقصر، حسب المتلقي، لا يمكن تجاهل الدور المدهش للممثلة الصينية ميشيل يوه، التي قدّمت دوراً مثالياً بتلقائية وسخرية، تجعلك تضحك وتبكي على مدار الفيلم.
وتجسّد ميشيل يوه دور مالكة مغسلة مسروقة تعاني من مشاكل ضريبية، وتدخل في أكوان مُلوّنة، وتزيحنا ما بين أكوانها هذه، فنتوه ما بين الحقيقي واللاحقيقي، فأحياناً يكون الفيلم خيالياً، فنراها تارة نجمة سينمائية، أو روائية، أو مغنيّة، دون أن نشعر بذلك، خاصة أنها تبقى وفية لواقعها وشخصيتها المحورية، وللطابع الإنساني الذي يغلب على شخصيّاتها كلّها، في هذا الفيلم النادر فنيّاً.
في فيلم “كل شيء في كل مكان في وقت واحد”، تمتزج العجائبية ببعض الغموض في كلاسيكيّات السينما الأوروبية، والكثير من الشغب في أفلام الخيال العلمي الهوليوودية، جنباً إلى جنب مع أفلام الحركة الصينية، عبر ما يمكن وصفه بـ”القفز العكسي” لصاحبة المغسلة الأميركية الآسيوية المهاجرة “إيفلين وانغ”، التي تكافح من أجل الحفاظ على عائلتها، مع سعيها أيضاً لإنقاذ مجموعة من عوالمها المتوازية، بما في ذلك العوالم التي تتحكم في عقلها، ومن حولها، والمشاهدات والمشاهدين، كتلك المتعلقة بالراكون، وأصابع الهوت دوغ، والصخور، والخبز العملاق الشرير، وغيرها.
والسردية البصرية المُقسّمة إلى أجزاء تحمل عناوين، كما في فصول النص الروائي عادة، تقوم على محور أساسي، ألا وهو سعي “إيفلين” إلى إعادة الاتصال بزوجها الباحث عن الطلاق، وابنتها مثليّة الجنس، والمنفصلة نسبيّاً عن العائلة، ووالدها التقليدي ومطالبه، عبر محاولتها لاسترضاء مسؤولة الضرائب، وفي عوالم متعددة الأكوان، تبدو مرهقة من فرط جنونها، لكنها بالتأكيد ليست مملة.
الفيلم لا شكّ فريد من نوعه، فهو ليس فقط يستكشف فكرة الأسرة والأزمات الوجودية والمفاهيم الفلسفية المتعددة، بل يستخدم روايته شبه المستقبلية للتعمق في هذه الموضوعات بطرق لا تُشاهد غالبًا في الفيلم، كما يمكن وصفه أيضاً بالفيلم الغريب للغاية، بحيث يتكئ على مفهوم الكون المتعدد إلى آفاق جديدة بطريقة شديدة الغرابة.
تقديم شخص عادي يواجه الأكوان المتعددة فكرة ممتعة بالفعل، لذا يمكن القول إن الكاتبين المخرجين الثلاثينيين “دانيلز”، باتا علامة تجارية مميزة للغرابة في كيفية تعاملهم مع الأكوان المتعددة، وهي علامة مميزة، وإن كانت تحتاج لأذهان تتلقاها بعيداً عن المنطق، وبعيداً عن فكرة احتكار الحقيقة، التي هي هلامية ومتغيّرة في الأساس، والانحياز للعاطفة، وللطموح غير المحدود، كما هو حال شخصيات الفيلم السريالي الشعبوي.
الفيلم الذي أُنتج بتكلفة لا تزيد على خمسة وعشرين مليون دولار أميركي، يبدو مغامرة خيالية لا تخلو من كوميديا تعالج قضايا إنسانية لمهاجرين لم يفقدوا الشعور بالتهديدات، ومن بينها تلك الوجودية، رغم أميركيّتهم المُكتسبة لاحقاً، وكأن كل واحد من ذوي البشرات الملونة جميعها: الصفراء، والحمراء، والسوداء، وحتى البيضاء، يضرخون كما الثنائي الـ”دانيلز” بأن “كل اكتشاف جديد هو مجرد تذكير بأننا جميعاً صغيرون وأغبياء”.





