الايام – بديعة زيدان:”انقضت دقائق رهيبة على الرجل الذي لم يكن فقط بلا ذاكرة، بل وبلا اسم أيضاً.. ارتعشت يده اليمنى بعنف استغرب له.. فكّر بالأمر أيضاً مُحدّثاً نفسه بأنه بلا اسم مجرّد شيء ليس إلّا”.
في عبارة مفتاحية لرواية “وباء ذاكرة” الصادرة عن دار الرافدين للنشر في بغداد، وعبر حكاية رجل بلا اسم ولا ذاكرة يتوجه إلى مركز الشرطة ليبلغهم أنه تائه ولا يتذكر شيئاً، فينقلوه إلى أحد المستشفيات، ويطلقون عليه اسماً مؤقتاً لا يتناسب وحالته، “سعيد”، يختصر الروائي البحريني أحمد الدوسري مرامي الرواية، بـ”تحذير” مفاده “الوباء بركة.. جميعنا الآن لا منتمون”.
ولم يكن “سعيد” أول من يدخل المستشفى بلا اسم، أو اسم مؤقت يُمنح له، وبلا ذاكرة، بل العاشر في قائمة ترتفع، لتضمّ الشرطي الذي يغمى عليه قبل مغادرته، ليستفيق بعد عشرين دقيقة وقد نسي اسمه ومن حوله، وسبب وجوده في المستشفى!
“في صباح اليوم التالي كانت الصحافة المحليّة تتحدث عن كارثة وطنيّة حقيقية، وكتبت بمانشيتاتها على صدر صفحاتها الأولى: حالات فقدان ذاكرة مجهولة الأسباب، الحكومة تتكتّم على الأسباب الحقيقيّة، وزير الصحّة: بضع حالات بسيطة لا تعني وجود وباء، وزير الداخلية: هناك من يستغل الموقف ويصطاد في الماء العكر لكنّنا له بالمرصاد!.. لكنّ صحيفة من هذه الصحف على الأقل ناقضت ما يقوله وزير الصحّة الذي اتهمته بحجب المعلومات عن الرأي العام، وذكرت بأنها زارت أحد المستشفيات، وأحصت ما لا يقل عن مائة حالة.. وزير الداخلية هدّد أصحاب المواقع الإخبارية بالسجن في حال تماديهم ببث الإشاعات في الوطن”.
وتوالت حالات فقدان الذاكرة لتطال جميع من في مركز الشرطة، ليقتحم من تبقوا على قيد الذاكرة السجن، ويحرروا السجناء، ويسرقوا هويّاتهم وهويّات الجنود والضبّاط، ومن ثم قام آخرون بنهب المطاعم والمحال التجارية، وأكثر من ذلك، فـ”بلا ذاكرة سيخرج الجميع على القانون”!
“سعيد” وما هو بسعيد، يهرب رفقة الشرطيّ “مبارك” إلى داخل متجر لبيع الملابس، كي يستبدل الأخير زيّه العسكري لضمان عدم استهدافه من العامة.. يساعدهما صاحب المتجر الذي بات يحمل اسم “ميشيل”، فيفرّ ثلاثتهم معاً، بحثاً عن طعامٍ من مدينة تائهة تعمّها الفوضى، ليصطدموا بمجموعة من الملثّمين أخذوا يستجوبونهم من أي فريق هم، وإلى أي حزب ينتمون: “الأحرار” أو “ذوي الأيدي الطويلة”، وإذا ماكانوا “ليبرال” أم موالين للحكومة “العميلة”، أو أي “حكومة من الغرب الكافر”؟!.
كان الملثّمون من “الأحرار”، الحزب “الذي سينقذ الناس من الفجرة” ينتشرون في المدينة.. وفي المدينة ذاتها ينقذ الثلاثة شابّة من اغتصاب وشيك، فترافقهم “سارة”، إلى حيث كمين لحزب “المحافظين”، وهناك تعرّضوا مع آخرين للخطف، فيما قرّر الخاطفون إخضاعهم جميعاً لهم، وتزويدهم بهويّات مُزوّرة تحمل أسماءهم الجديدة، ومن يعترض أو يخالف يُقتل على الفور.
“في الصباح تمّ توزيعهم كأتباع حظيرة.. مبارك وسعيد التحقا بكتيبة مسلّحة، بينما ذهبت سارة مع النساء تقودهن سليمة التي تشبه عربة مُصفّحة.. ميشيل التحق بالرفيق الأعلى”، وهنا يتحوّل “سعيد” إلى “فاضل نمر”، و”مبارك” إلى “هاني جعفر”، و”سارة” إلى “نوال سالم”، بعد الالتحاق القسري بالحزب الذي يريد كما سابقه السيطرة على الدولة بأكملها، ولو بقوّة السلاح.
ومع انتشار وباء فقدان الذاكرة، حتى أصبح لا يُعرف من هو الضابط ومن اللص ومن المُعارض السجين ومع المجرم، تتدخل الميليشيات المسلحة من الخارج لتنهب البلاد وأصحابها، وتتنافس على كسب ولاءاتهم ودّاً أو عنوة.
ولكن، وهنا “مربط الفرس”، كما يقال، كيف لم تفقد هذه الميليشيات ذاكرتها، أم أنها فقدتها فحُقنت بذاكرة مزيّفة، لا أحد يعلم الحقيقية، ولكن ممّا يدور في تكهنّات شخصيات المدينة التائهة أن إسقاط ذاكرة الشعب العربي، تأتّى نتيجة وباء من صناعة أميركية، أما هذه الأحزاب ما هي إلا شركات أمنية، وهنا يتطرق الدوسري لحالة الكثير من الدول الناطقة بـ”الضاد”، ولو رمزياً ودون تصريح، كليبيا، والعراق، وسورية، واليمن، وغيرها، حيث يقتحم تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) متن السرد، كما كان اقتحم من قبل جغرافيّات عربية، وحيوات سكّانها، ويوميّاتهم، وكذلك الخريطة الدولية.
الرجل الستيني الذي بلا اسم، بعد أن رفض تسميته قسراً، كان يتحدث عن أناس تحرّروا.. “مجموعة ترقص وتغنّي في الشوارع غير مكترثة البتّة بما يحدث في داخل هذا الوطن أو في العالم من بلاء ووباء”، بل كانوا يصرخون بأن “يسقط التخلف والرجعية والشريعة”، وأن ذلك كان في “ميدان البحر”.
و”ميدان البحر” هذا كان أول ميدان مرّ به عندما كان سجيناً في إسرائيل.. “رأيت مثل هؤلاء الناس هناك”، قبل أن يسرد حكاية سجنه في إسرائيل أو فلسطين المحتلة كما سماها.. “كنتُ أتسكع في وطني فحسب، أو هكذا ظننت، فجأة وجدت نفسي في قبضة جنود، ملابسهم غريبة، عرفتُ بأنهم ليسوا منّا.. قالوا لي بأنني دخلت إلى الحدود الإسرائيلية.. لم أصدق ذلك بالطبع.. بقيتُ هناك أسبوعاً كاملاً وهم يقنعونني بأنني تجاوزت الحدود، حدود الوطن العربي، وعندما تأكدوا من أنني فاقد للذاكرة تركوني مُحذّرين من عودتي مرّة أخرى: في المرّة القادمة لن تخرج، قالوا لي، ثم رموني ثانية في الوطن العربي كما يرمون المخلّفات النتنة”.
وتعود إسرائيل لتظهر في المتن مرّة أخرى، حين تتصاعد أصوات انفجارات على مبعدة قدّرها “سعيد” بكيلو متر واحد فقط.. اختبأ الكثيرون، بينما انحنى هو ورفاقه تحت الشرفة، وفيما قال أحد المختبيئن: هذا القصف يأتي من الحدود الإسرائيلية، يذهب صديقهم الفتى “سامي”، الذي اخترقت رأسه رصاصة ضحية للانفجار، فـ”هذه هي الحياة، فيها التماسيح وفيها الأسود والضباع والخراف، وهناك شعوب مستباحة، وإنسان مستباح طوال التاريخ، وهناك إنسان محميّ طوال التاريخ”.
الرواية تتناول بشكل أو بآخر محاولات حكام البلاد العربية أو صانع القرار فيها، بإرادتهم أو رغماً عنهم، صياغة سياسة بلا ماضٍ، وتاريخ بلا تاريخ، لجهة تأسيس حاضر يقوم على هويّات هلاميّة، مستوردة، فيحقنون شعوبهم بوباء الذاكرة، ليمحوا ما يريدون محوه، فتتدفق القوى المتعددة إليهم دون وعي، ليست القوى المتطرفة حاملة لواء الدين، بتنوّعاتها فحسب، بل تلك الطائفية العنصرية أيضاً، ودون إغفال لتغلغل الاحتلال، في مرافعة سردية يناقش فيها الدوسري بجرأة، ورمزية ليست عصيّة على التأويل، وليست ساذجة في الوقت ذاته، قضايا متعددة منها ما هو فلسفي أو وجودي، ملامساً “التابو” بتعدد تشعّباته، وبأسلوب ساخر، قد لا يبدو جديداً تماماً كفكرة، ولكنه جديد لجهة التكوين السردي، على وجه الخصوص، مع منح مساحة من الأمل ببقاء من البعض على قيد الذاكرة، وهم هنا الفلسطينيون أصحاب “ميدان البحر”، والأجيال القادمة كأبناء “مبارك”.





