بينما تواصل إسرائيل جرائمها في غزة دون هوادة، وبتصعيد ملحوظ للمتابع، بهدف تنفيذ مخططاتها التي أعلنت عنها منذ بداية الحرب التي تركز على تهجير الفلسطينيين، في ظل دعم مطلق من حكومة دونالد ترامب، بدأت الدول الغربية تتخذ مواقف عقابية ضد حكومة الاحتلال.
في حين بقيت مخرجات القمة العربية الأخيرة في حدود استنكار العاجز وإدانة المتفرج، ليعكس ذلك تواصل حالة التبعية للولايات المتحدة، التي لا تزال تتحكم بقرارات المنطقة. وبينما تتواصل التصريحات المنتقدة بجرأة لدولة الاحتلال، ومن شخصيات رسمية إسرائيلية وأميركية، تشكل مواقف علماء السياسة المؤسسين والمطورين لعلم العلاقات الدولية في الولايات المتحدة، صورة صادمة لواقع الاحتلال، تتجاهلها الإدارة الأميركية باستعلاء لافت، ويتغاضى عنها صانع القرار في منطقتنا، فإلى متى سيتحمل العقل العربي عجزه الرسمي؟
في تطور مهم تواترت التصريحات والبيانات الغربية الرسمية الفردية والجماعية، والتي تجاوزت مرحلة انتقاد إسرائيل على جرائمها في غزة إلى مرحلة فرض العقوبات عليها، لأول مرة منذ بدء الحرب.
أصدرت اثنتان وعشرون وزارة خارجية وثلاثة مكاتب رفيعة المستوى في الاتحاد الأوروبي يوم الإثنين الماضي بياناً مشتركاً طالب إسرائيل بالسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل كامل، حيث انتقد البيان بشكل نادر الحملة العسكرية الإسرائيلية «غير المتناسبة» في غزة.
وأصدرت فرنسا وكندا والمملكة المتحدة يوم الإثنين الماضي أيضاً بياناً مشتركاً أعلنت فيه أنها ستتخذ إجراءات «ملموسة» ضد إسرائيل إذا لم يتوقف الهجوم على غزة.
وبشكل فردي، اتخذت دول أوروبية مركزية مواقف صارمة من إسرائيل في ظل استمرار جرائمها في غزة.
ورغم أن الحكومة اليمينية في إيطاليا أقل هجوماً على سياسات إسرائيل في غزة مقارنة بالحكومة الإسبانية، إلا أنها أصبحت أكثر صراحة في انتقادها لممارسات إسرائيل.
ورغم موقف ألمانيا الداعم باستمرار لإسرائيل، أصدر المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤخراً بياناً دعا فيه جميع الأطراف إلى تجنب «المجاعة» في غزة.
على الجانب الآخر وفي ذات الإطار، بقيت لغة البيان الختامي للقمة العربية الـ 34 التي انعقدت مؤخراً في بغداد في حدود الرفض لتهجير الفلسطينيين من غزة والدعوة لإدخال المساعدات الإنسانية وحث المجتمع الدولي لوقف إراقة الدماء في غزة، والقفز عن مرحلة الإبادة الحالية بالحديث عن مرحلة إعادة الإعمار.
ويعد ذلك غريباً ومستهجناً، فبينما بدأت الدول الغربية المعروفة تقليدياً وتاريخياً بدعم إسرائيل بتحركات جماعية وفردية لفرض عقوبات على دولة الاحتلال لمواصلة جرائمها في غزة، تخرج الجامعة العربية ببيان يشبه بياناتها الخطابية الفضفاضة الفارغة من أي محتوى عملي وسياسي واقعي لكبح جماح إسرائيل، وتستمر الدول العربية التي تتعامل مع دولة الاحتلال بذات سياستها العادية، في تجاهل تام للدم النازف في غزة.
وفي حين ترسم شخصيات إسرائيلية وأميركية رسمية ملامح سياسات إسرائيل والولايات المتحدة تجاه الفلسطينيين، يحسم منظرو علم العلاقات الدولية ذلك بوضوح.
اعتبر يائير غولان رئيس حزب «الديمقراطيين» في إسرائيل، أن الدولة العبرية تسير نحو العزلة الدولية، بسبب سياسات حكومة نتنياهو التي وصفها بأنها تشن حروباً ضد المدنيين وتقتل الأطفال والرضع وتسعى لتهجير السكان، ما اعتبره أنه يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل.
وطالب السيناتور الأميركي اليهودي بيرني ساندرز بلاده بوقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، معتبراً أن ما يجري في غزة مروّع، واتهم ساندرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، بإسكات زملائه الديمقراطيين عن انتقاد الحرب في غزة من خلال تهديدهم بتمويل منافسين لهم في الانتخابات التمهيدية، مؤكداً أن لدى بلاده نظام تمويل حملات انتخابية فاسد.
وأنفقت إيباك العام الماضي 14.5 مليون دولار للإطاحة بالنائب الديمقراطي جمال بومان عن ولاية نيويورك، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة.
ويحسم أهم منظري علم العلاقات الدولية حقيقة الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون وسياسات إسرائيل ودور الولايات المتحدة.
فقد اعتبر جون ميرشايمر أهم رواد المدرسة الواقعية الجديدة، أنه في حين تركز وسائل الإعلام الغربية على اهتمام إسرائيل بهزيمة حماس واستعادة «الرهائن» في حرب غزة الدائرة حالياً، تتغاضى عن الهدف الحقيقي بتطهير غزة عرقياً.
ويعتبر ميرشايمر أن ذلك الهدف يتقاطع مع سياسات إسرائيل الاستراتيجية، التي توجه نحو التخلص من اعتبارها دولة فصل عنصري، وخطورة ذلك على مستقبلها وبقائها. واعتبر ميرشايمر أن الادعاء الإسرائيلي بالقضاء على حماس هو سبيل إسرائيل لتحقيق ذلك، مؤكداً أن إسرائيل نفسها تعرف أنها لا تستطيع القضاء على حماس إلا إذا طرد جميع الفلسطينيين من غزة.
ودعم ميرشايمر حجته بأن ذلك ليس جديداً على هؤلاء، فإنشاء دولة إسرائيل اعتمد على القيام بتطهير عرقي واسع النطاق في العام 1948، وتكرر ذلك في العام 1967. ويدعم ميرشايمر مقاربته بأن نتنياهو لم يفصح عن أي خطط لمستقبل غزة، ولا يقبل بوقف الحرب، في حين يواصل جيشه قتل الفلسطينيين رغم عدم علاقتهم بـ»حماس»، ويجعل غزة غير صالحه للعيش، ويقوم بتجويع الفلسطينيين، لتشجيع السكان على مغادرة غزة.
ويؤكد ميرشايمر أنه حتى الآن فإن إسرائيل لم تهزم حماس ولم تخرج المحتجزين ولم يخرج الغزيون من غزة، بينما تعلق إسرائيل في غزة، وقد باتت دولة منبوذة، على نحو لم تكن عليه من قبل في أي وقت مضى.
واعتبر ميرشايمر أيضاً أن إسرائيل تشكل عبئاً استراتيجياً على الولايات المتحدة.
وكان ميرشايمر وزميله ستيفن والت أحد أهم منظري المدرسة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية أيضاً قد كتبا كتاباً في العام 2007، اتهما إثره بمعاداة السامية، أكدا خلاله على أن دولة تقوم على أساس النقاء العرقي تفتقر للقيم الأخلاقية، ما يدعم مقاربته اليوم.
وأكد العالمان في ذلك الكتاب على خطورة اللوبي الصهيوني على توجيه السياسة الأميركية المتعلقة بإسرائيل، وحذرا من أن «الدول القوية يمكن أن تحافظ على سياسات معيبة لفترات طويلة، ولكنها لا تستطيع أن تتجاهل الحقائق لفترة طويلة»، إلا أنهما شددا على أنه ليس هناك ما يشير إلى تغير سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل في القريب المنظور.
ويعتقد ميرشايمر أن التأثير غير المتوازن للوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الأميركية يؤدي لاتخاذ قرارات لا تخدم المصلحة القومية الأميركية.
يرى والت أن الدعم غير المشروط لإسرائيل يضر بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ويضعف من قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط النزيه.
ليس ميرشايمر ووالت فقط من انتقدوا سياسة إسرائيل خلال الحرب الحالية على غزة، أو علاقات بلادهم بها، فهناك الكثير من علماء السياسة من حسم مواقفهم، وانطلاقاً من اعتبارات منهجية لا أيديولوجية.
يعتبر الفيلسوف الأميركي نوام تشومسكي أن الدعم الأميركي لإسرائيل يعكس سياسة إمبريالية تؤدي إلى تقويض حقوق الإنسان وتضر بصورة الولايات المتحدة عالمياً.
ويُحمّل تشومسكي الولايات المتحدة المسؤولية السياسية والعسكرية عن استمرار الاحتلال وانتهاكاته حقوق الإنسان واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين.
يُؤمن أن الإعلام الغربي منحاز بالكامل لصالح إسرائيل ويُسهم في تزييف الحقائق.
وينتقد فرانسيس فوكوياما أحد أهم رواد المدرسة الليبرالية الجديدة، والذي كان مؤيداً تقليديا لإسرائيل، النفوذ المفرط للوبي الإسرائيلي وسياسة واشنطن تجاه النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، معتبراً أنها تضر بمكانة أميركا الأخلاقية ومصالحها الدولية، معتبراً أن «الدعم الأعمى للسياسة الإسرائيلية أدى إلى تقويض مصداقية أميركا في مجال حقوق الإنسان وإلحاق الضرر بعلاقاتنا في العالم العربي».
وانتقدت عالمتا البنائية مارثا فينيمور وكاثرين سيكينك تجاهل أميركا لمعايير القانون الدولي عند دعمها لإسرائيل في سياقات حقوق الإنسان.
وركزت سيكنك على ازدواجية المعايير الأميركية، وأشارت إلى أن الدعم غير المشروط لحلفاء مثل إسرائيل يُضعف نظام حقوق الإنسان العالمي.
ويعتبر رونالد ر. كريبس أحد مفكري نفس المدرسة أن إسرائيل أصبحت «جزءًا من الهوية الأميركية السياسية» بسبب بناءات خطابية منذ الحرب الباردة، وليس بسبب مصلحة استراتيجية دائمة.
وعبر جوزيف ناي، أحد أهم مفكري المدرسة الليبرالية، عن قلقه من تآكل صورة أميركا العالمية بسبب دعمها غير المشروط لإسرائيل في ظل انتهاكات حقوق الإنسان، ودعا لتنبي نهج دبلوماسي يُعيد التوازن لإحياء حل الدولتين.
واعتبر ناي أن افتقاد إسرائيل لاستخدام القوة الناعمة يفقدها الدعم الدولي.
وأما المفكر البنائي ألكسندر وندت فقد اعتبر أن الدعم الأميركي لإسرائيل يرتبط بهوية أميركا كـ»مدافع عن الديمقراطية في الشرق الأوسط»، ولو كانت تلك الديمقراطية انتقائية.
أشار فوكوياما إلى أن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل في حرب غزة يضر بمصداقية الولايات المتحدة ويقوض مكانتها الدولية، وأن الصراع في غزة يسلط الضوء على التحديات التي تواجه الليبرالية، خاصة عندما تُطبق بشكل انتقائي.
انتقد ستيفن والت الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل خلال الحرب على غزة، واصفاً ذلك بأنه «كارثة استراتيجية وأخلاقية» وأشار إلى أن هذا الدعم يقوض مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ويؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
ويناقش رونالد كريبس أحد رواد المدرسة البنائية تأثير الحرب في غزة على حرية التعبير في الجامعات الأميركية.
ويرفض هارولد هونغجو كوه، أحد أهم أساتذة القانون الدولي في الولايات المتحدة ويدرس في جامعة ييل العريقة، استخدام إسرائيل لمفهوم «حق الدفاع عن النفس» لتبرير العمليات العسكرية في غزة، مؤكداً افتقاد ذلك للأساس القانوني في ظل الاحتلال المستمر.
وأشار كوه إلى أن العمليات الإسرائيلية في غزة تخرق مبادئ القانون الدولي، وأن الصمت الأميركي عنها يضر بشرعية النظام الدولي، وشدد على أهمية المساءلة القانونية في حرب غزة وفي النزاعات المسلحة.
رغم دعم العديد من علماء العلاقات الدولية العلاقات الأميركية الإسرائيلية، معتقدين أن ذلك يخدم المصالح الأميركية مثل المنظر الواقعي هانس مورغنثاو والليبرالي بول بيرمان والبنائي والتر راسل ميد، إلا أن سياسات إسرائيل كشفت عن وجهها الحقيقي تدريجياً، وأحرجت القطب الأميركي الحليف، وباتت عرضة للانتقاد من رواد وعلماء ومنظري العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون الدولي الأميركيين أنفسهم.
عن صحيفة الايام





