يواجه التعايش بين اللبنانيين اليوم أزمات جدية. فلطالما تغنى الشعب اللبناني منذ نشأة دولته بمصطلحات “العيش المشترك ” و” الوحدة الوطنية ” و” التعايش المسيحي الإسلامي “. وقد حرصت كل الادارات المتعاقبة على تقديم لبنان كنموذج للتنوع والتعددية في شرق مضطرب. ومع دخول لبنان مئويته الثانية وتصاعد حدة الخطاب الفئوي والطائفي والمذهبي بين مكوناته، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى تطابق هذه المصطلحات مع المسار التاريخي لمجرى الأحداث منذ النشأة وحتى يومنا هذا الذي يتحول فيه اي خلاف لا سيما على مفهوم “الدولة والسيادة” إلى شرخ اجتماعي طائفي ومذهبي، ليتبين أن المصطلحات الرنانة غالبا ما تستخدم لخلق شعبوية داخلية أو استمالة مجتمعات خارجية. لكن الأخطر ان هذه المشكلة ليست محصورة بالسلطة والمسؤولين وملوك الطوائف، وإنما بنسبة كبيرة من الشعب الذي يحمل ارثا وواقعا على الصعيد التربوي داخل البيئات الضيقة والبيوت يغذي الغرائز الطائفية والمذهبية منذ الصغر، وفي المناهج التربوية والتعليمية في المدارس المحزبة التي تنمي المفاهيم العقائدية في عقول الأطفال والقائمة على فكرة الخطر الوجودي والخوف من الآخر، والارتباط الغيبي العضوي بكيانات خارجية، فتصبح مصطلحات “العيش المشترك ” أبعد من الواقع المعاش، ومفهوم ” التعايش” يتحول إلى إطار هش يهتز عند أول ريح. فالعيش المشترك لا يقوم فقط على قبول الآخر أو التواجد معه، بل على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية في حياة مشتركة مبنية على مساحات لا محدودة من التعاون والتأثير الإيجابي المتبادل، وبذلك لا يعود الاختلاف تهديدا بل يصبح مصدر ثراء، ولا يعود الهدف هو “تحمل الآخر ” بل فهمه والتكامل معه دون ذوبان أو إلغاء للهوية، وهو ما لم يتوفر سابقا ولا يتوافق اليوم في المجتمع اللبناني. ولذلك فإن واقع المجتمع المتنوع في لبنان هو واقع “تعايش” الى حد ما، إذ أن مصطلح التعايش يفرض وجودا مشتركا مع إدارة الاختلاق، إلا أنه رغم أهميته، لا يعني بالضرورة الانسجام أو الفهم العميق، ولذلك يبقى هذا الترابط هشا وعرضة للاختراق من كل حدب وصوب. ولذلك أيضا ليس غريبا أن يتحول لبنان إلى ساحة أزمة مع كل حدث أو متغير داخلي أو خارجي. ففي الحقبة العثمانية اندلعت حرب أهلية بين الدروز والمسيحيين في جبل لبنان عام ١٨٦٠ نتيجة تراكمات من الصراعات الطائفية والاقطاعية عززها الحكم العثماني، كما لعبت القوى الأوروبية خاصة فرنسا دورا في دعم المسيحيين، مما اثار استياء الدروز والدولة العثمانية، ما أدى إلى تدخل دولي أفضى إلى تأسيس نظام المتصرفية في جبل لبنان. وكذلك فإن لبنان كان مهددا بحرب أهلية عام ١٩٥٨ بسبب رفض الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون الموالي للغرب، طلب الرئيس المصري جمال عبد الناصر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية التي هاجمت مصر خلال أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي، وتقربه من حلف بغداد الذي اعتبره عبد الناصر تهديدا للقومية العربية. وعند سقوط الحكومة الملكية الموالية للغرب في العراق، تصاعد التوتر في لبنان بين المسلمين والمسيحيين طالب بنتيجتها شمعون المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تدخلت عسكريا لدعمه. كذلك شهد لبنان محاولتين من القوميين لقلب نظام الحكم، احداهما في نهاية الربعينيات والأخرى في بداية الستينيات، انتهت الأولى باعدام رئيس الحزب القومي انطون سعادة، والثانية بفشل المحاولة واعتقال قادة الحزب وسيطرة الجيش على الوضع.
وحتى في مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان ما بين الحربين العالميين الأولى والثانية، عملت فرنسا في الظاهر على بناء مؤسسات وسن قوانين وتشريعات تنظم الحياة العامة في البلاد، إلا أن ذلك البناء في جوهره كان يقوم على تغليب فئة داعمة لها على أخرى بمنحها امتيازات تكفلها تلك التشريعات. وقد انقسم اللبنانيون آنذاك حول هوية لبنان ، حيث ركزت القوى المسيحية وخاصة الموارنة على استقلال لبنان الكبير بحدوده التي رسمتها فرنسا عام ١٩٢٠ ، بينما توجهت الغالبية المسلمة نحو العروبة والوحدة مع سوريا. وقد حسم هذا الصراع بالتوصل الى “الميثاق الوطني” غير المكتوب عام ١٩٤٣ الذي قام على معادلة تنازل المسيحيين عن مطالبة فرنسا بحماية دائمة والاعتراف بهوية لبنان العربية، مقابل تنازل المسلمين عن مطالب الوحدة مع سوريا والاعتراف بكيان لبنان المستقل.
وقد تعرض هذا “التعايش” المفروض بحكم الواقع الى انتكاسة كبيرة مع اغتيال القائد الوطني معروف سعد في مدينة صيدا في آذار ١٩٧٥، تلك الحادثة التي كانت مقدمة وشرارة أساسية لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية لاحقا كما أشار نجله الدكتور اسامة سعد. وبعد حوالي خمسة أسابيع من تلك الحادثة وبالتحديد في ١٣ نيسان من العام ذاته، قام مسلحون من الأطراف الغير راضية على الوجود الفلسطيني في لبنان لا سيما المسلح، بإطلاق النار على حافلة كانت تمر في منطقة عين الرمانة تقل مدنيين من أبناء شعبنا عائدين من إحدى المناسبات يتجاوز عددهم الثلاثين لاجئا وتصفيتهم، ما اعتبر بمثابة نقطة اللاعودة التي نقلت التوترات السياسية والأمنية إلى صراع مسلح شامل بين مان كان يسمى بالقوى الانعزالية المهيمنة على النظام في لبنان والمدعومة غربيا وإسرائيليا، وبين القوى الوطنية واليسارية اللبنانية المدعومة من الجانب الفلسطيني ومن القوى العربية والدولية القريبة ايديولوجيا من الاتحاد السوفياتي آنذاك. ولم ينتهي ذلك الصراع إلا مع توقيع اتفاق الطائف عام ١٩٨٩. ورغم ان هذا الاتفاق أوقف الحرب، إلا أنه فتح الباب أمام النظام السوري السابق لفرض هيمنته المطلقة على لبنان، والتي من خلالها قام بتعطيل تنفيذ المرحلة الأساسية من الاتفاق والتي كانت كفيلة بنقل لبنان من كيان الطوائف إلى دولة المواطنة، وهو البند المتعلق بالهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ الى جانب مجلس النواب. كذلك فإنه وبعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وخروج سوريا من لبنان، انتقلت الهيمنة على لبنان إلى النظام الايراني عبر ذراعه حزب الله.
ومع التحولات والمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم خلال السنوات الأخيرة، والكوارث التي تتتابع فصولها على لبنان كنتاج للزج بهذا البلد في الحرب، لم تعد الحرب الحرب الدائرة مجرد مواجهة عسكرية بالنسبة للبنانيين، بل تحولت في الداخل اللبناني إلى مرآة تعكس أزمة أعمق بكثير. أزمة مجتمع منقسم على نفسه لا على خيار الحرب فحسب، بل على معنى الدولة وهوية الوطن وحدود الانتماء. فمنذ انخراط حزب الله في الحرب بدا واضحا ان اللبنانيين لا يعيشون الحدث نفسه حتى وهم يتشاركون الأرض ذاتها. فريق يرى في المعركة امتدادا لصراع وجودي حدوده تصل طهران، وفريق آخر يعتبرها تورطا خطيرا يضع لبنان في قلب مواجهة لا قدرة له عليها.
فالمشكلة الحقيقية في لبنان ان الطائفية لم تعد مجرد نظام سياسي، بل تحولت إلى وعي جماعي مشوه منذ القدم، يعيد إنتاج الخوف ويغذي الانقسام ويمنع قيام دولة فعلية. فالعيش المشترك او حتى التعايش لا يمكن أن يستقيم طالما تصنف الجماعات نفسها ، طوائف.




