الثلاثاء, مايو 19, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءهل ترمم "ازدواجية التصريحات" شعبية ترامب؟!  بقلم: خليل حمد

هل ترمم “ازدواجية التصريحات” شعبية ترامب؟!  بقلم: خليل حمد

المتابع الدائم لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشعر بالعجب لسرعة التغيير التي يبديها إزاء ملفات هامة تعني الداخل الأمريكي، والعالم أجمع على حد سواء. الأمر لا يتعلق بتصريحات متناقضة متعلقة بقضية واحدة، بل بمجمل طريقة تعاطي ساكن البيت الأبيض مع الملفات الأكثر حساسية في العالم، من أوكرانيا إلى إيران، ومن فنزويلا إلى غزة. المسألة باتت مادة للتندُّر عند صناع المحتوى والإعلاميين الأمريكيين، لكن القضية تتجاوز الهزل السياسي، لتتحول إلى “الكوميديا السوداء”.

وفقًا لمعظم مؤسسات التحقق الأمريكية والعالمية، يعد ترامب من أكثر السياسيين الأمريكيين الذين وُثّقت لهم تصريحات متناقضة أو مضللة في التاريخ السياسي الحديث. الأمر ليس عرضياً. صحيفة واشنطن بوست وثّقت نحو 30,573 تصريحاً كاذباً أو مضللاً خلال ولايته الأولى (2017–2021)، بمعدل 21 تصريحاً يومياً. موقع PolitiFact نشر أكثر من ألف عملية تحقق لتصريحات ترامب، ووجد نحو 76٪ من التصريحات التي تم فحصها كانت “خاطئة في معظمها” أو “خاطئة كلياً” أو “أكاذيب مثيرة للسخرية”، وقد تم تصنيف العديد من تصريحاته في أسوأ درجة من التصنيف لدى هذا الموقع، بمعنى أنها إلى جانب كونها تصريحات خاطئة، فإنها سخيفة أو مبالغ فيها أو تحتوي ادعاءً مضللاً بشكل واضح.

الأمر بحسب وسائل الإعلام ومؤسسات التحقق يرتكز إلى تغيير الرواية أو التصريحات، تبعاً للجمهور أو الظرف السياسي. والواقع السياسي الأمريكي في الآونة الأخيرة ليس في افضل حالاته، وهذا انعكس على تصريحات الرجل وموقفه من قضية أساسية وهامة مثل “إعادة فتح مضيق هرمز”، المهمة التي تعهد ترامب بإنجازها، بعد أن أدت حربه بالشراكة مع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إغلاق المضيق الذي كان مفتوحاً للملاحة الدولية دون أي عوائق!.

“مشروع الحرية” عملية ترامب التي لم ترَ النور فعلياً، واستمر الحديث عنها أسبوعاً فقط! بدأه ترامب بإعلان حماسي عن أطلاق العملية لـ “تحرير الملاحة الدولية من سطوة إيران”، وأنهاه بإعلانه وقف المشروع. وفي خلال أيامه القليلة زعمت مصادر أمريكية أن نتيجة تحرُّك 15 ألفاً من قوات النخبة الأمريكية برفقة مدمرات وكاسحات ألغام وطائرات مقاتلة، كان عبور سفنتين ترفعان العلم الأمريكي، فقط. وهو أمر نفته طهران، ووثقت نفيها بالصور والمقاطع المصورة! فما كان من ترامب إلا الإعلان عن الإنجاز الإيراني الذي حققته طهران بعد مفاوضات مكثفة لمدة 30 يوماً، ومن ثم جولة ثانية، تكمن في أنها استطاعت نقل “ثقل” المفاوضات من الملف النووي والصواريخ الباليستية، وحتى تحالفات إيران في المنطقة، إلى مضيق هرمز، الذي بدت إعادة فتحه هدف ترامب الذهبي، و”انتصاره” أمام جمهور المعارضين لحربه غير القانونية، أو ربما لـ “عمليته العسكرية” كونه اعترف شخصياً أنه راوغ القانون الأمريكي لأن مصطلح “الحرب” له تبعاته وفقاً للدستور!!

الادعاء المثير للسخرية بـ “الانتصار” لم ينطلِ على الجمهور الأمريكي، رغم أن ترامب يستخدم لغة القوة أحياناً لمخاطبة المواطن الأمريكي، بل إن الإعلام فضح حجم الخسائر الأمريكية خلال المواجهة العسكرية، وأفردت قناة “سي.إن.إن” تقريراً مدته أربع دقائق كاملا للحديث عن نجاح القوات الإيرانية في تدمير شبه كلي لـ 16 قاعدة أمريكية في 8 دول، وتحطيم رادارات متقدمة وطائرات تزود بالوقود وطائرات مراقبة “أواكس” على الأرض، ناهيك عن أن الإعلام ذاته كشف زيف ادعاءات ترامب ووزير حربه بيت هيغسيت حول الأرقام الحقيقية لتكاليف الحرب على إيران. الاثنان زعما أمام الكونغرس أنها لم تتجاوز 25 مليار دولار، لكن وسائل الإعلام الأمريكية أكدت أن أقل التقديرات تزيد على 50 مليار دولار.

غياب المخرج من الحرب على إيران أمام البيت الأبيض دون تكلفة سياسية مؤثرة على نتائج الانتخابات النصفية هي مأزق مركب في واشنطن، في ظل تراجع شعبية ترامب وإدارته في أوساط الحزب الجمهوري نفسه، لأسباب عديدة، أهمها الاقتصاد والوضع المعيشي الضاغط الناتج عن تبعات الحرب على إيران. هؤلاء هم الجمهوريون الذين تسميهم كريستن سولتيز أندرسون “الجمهوريين العاديين”. أندرسون  وهي ناشطة مُستطلعة آراء جمهورية، نشرت نتائج استطلاعها ضمن مقال لها في صحيفة نيويورك تايمز، مؤكدة أن هذه الشريحة، التي تمثل نحو نصف الجمهوريين، ما زالت تؤيد ترمب إجمالا، لكنها لا تمنحه الحماسة التي يحتاجها الحزب في انتخابات التجديد النصفي. بالأرقام تراجعت نسبة الجمهوريين الذين يحملون رأيا “إيجابياً جداً” تجاه ترمب بنحو 10 نقاط خلال عام، ولا يوافق بقوة على إدارته للاقتصاد سوى 44% من الجمهوريين. الفرصة سانحة وفق الكاتبة للديمقراطيين إذاً، وهم يحاولون استغلالها بشدة، للتوجه إلى صناديق الاقتراع لوقف أجندة ترمب.

الخلاف بين ترامب وقاعدته الشعبية أو بين الحزب الجمهوري عموماً وأنصاره ليس وليد اللحظة أو تبعات الحرب على إيران. فقد شهدت الأعوام الأخيرة انقلاب عدد كبير من قادة الرأي الأمريكيين الداعمين لترامب تاريخياً إلى المقلب الآخر، وهو تحول أفضت إليه أحداث كثيرة شهدت إما تراجعاً لترامب عن ادعاءاته بـ “جعل أمريكا عظيمة جداً” وأنه “لاحروب بعد اليوم”، أو تناقضاً في التصريحات والممارسات من أبرز القضايا الداخلية والخارجية.

في أوكرانيا، ما يزال ترامب يقدّم نفسه كزعيم يريد إنهاء الحرب عبر التفاوض السريع، وليس عبر دعم مفتوح وطويل الأمد لكييف. يقول منتقدوه إن مواقفه غالباً تبدو أقرب إلى الضغط على أوكرانيا أكثر من الضغط على روسيا. كما أن تصريحاته تغيّرت عدة مرات بين التهديد بتشديد العقوبات على موسكو وبين الحديث الإيجابي عن التفاهم مع بوتين.

في فنزويلا وقارة أمريكا الجنوبية ً، أدت عملية خطف الرئيس نيكولاس مادرورو وما تلاها من أحداث إلى اعتراضات واسعة في الشارع الأمريكي، خصوصاً وأن شكل العملية كان بلطجة عسكرية ضد دولة ذات سيادة، تبعتها تصريحات غير مطمئنة من ترامب حول كوبا وإمكانية تكرار نفس السيناريو.

في غزة وفلسطين عموماً، وربما هو الملف الأثر فضحاً لترامب وإدارته، يبدو التناقض واضحاً، بين ادعاءات السلام، وبين دعم العدو الإسرائيلي بكل ما يمكن لأجل استكمال ارتكاب الإبادة الجماعية التي يمارسها في القطاع المحاصر وفي الضفة المحتلة على حد سواء. حرب الإبادة التي أغضبت الأمريكيين بشكل غير مسبوق، فتحت أعينهم على حقائق تبعية الرؤساء الأمريكيين لرغبات “إسرائيل”، وغياب حرية الرأي الفعلية في الداخل الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي.

كل هذه العوامل مجتمعة هي التي أدت اليوم إلى الورطة التي يعيشها البيت الأبيض والحزب الجمهوري على أعتاب انتخابات التجديد النصفي، وهي أزمة لا تبدو حلولها متاحة في متناول ترامب وإدارته، خصوصاً وأنهم يبحثون عن ترميم الشعبية المتراجعة عبر إنهاء الحرب على إيران بأقل الفضائح، متناسين أن ما أدى إلى أزمتهم هو عوامل مركبة. تبدو الكرة الآن في ملعب الناخبين الأمريكيين أنفسهم، كي يضعوا حداً للتمادي السياسي والاقتصادي بحقم، وبحق العالم أجمع. الأيام القادمة قد تكشف المزيد عن قدرة الداخل الأمريكي على إنقاذ الولايات المتحدة، والعالم، من ممارسات ترامب وأعوانه.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب