لآن وقد تراكم الغبار عن جثامين الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين التي شوهتها القذائف، يبدو أن العالم أصبح قادراً مرة أخرى على تجاهل المحنة اليائسة التي يعيشها الذين نجوا من المذبحة. لقد أنجزت دولة إسرائيل العنصرية عملية “جز العشب” الدورية، وسوت البنية التحتية لغزة بالأرض، ودمرت المدارس والمشافي والجوامع، وقتلت أكثر من 2000 فلسطيني من الأبرياء العزل الذين بلا دفاع. وعاد العمل في إسرائيل إلى المعتاد، حيث يركز جيش الدفاع الإسرائيلي الإرهابي جهود قتلته على الأبرياء الفلسطينيين في الضفة الغربية. هناك، وبحصانة وإفلات كامل من المساءلة والعقاب، يقومون بهدم المنازل بالجرافات، ويطلقون النار على المراهقين العزل، ويعتقلون الأطفال، وينصبون نقاط التفتيش العشوائية التعسفية، ويسرقون الأرض، وكل ذلك في انتهاك كامل للقانون الدولي، القانون الذي لا يبدو المجتمع الدولي معنياً بفرضه هناك بشكل خاص.
لا يعني هذا القول بأن إسرائيل تهمل غزة في هذه الآونة. كلا، ففي انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، الاتفاق الذي يبدو أن على الفلسطينيين وحدهم الالتزام به، يقوم قتلة جيش الدفاع الإسرائيلي بإطلاق النار على صياديي السمك الفلسطينيين الذين يصطادون في المنطقة المحدودة جداً، والتي تسمح لهم إسرائيل بالعمل فيها، في انتهاك آخر للقانون الدولي مرة أخرى.
مع ذلك، ليست كل بلدان العالم غافلة عن المعاناة الفلسطينية على ما يبدو. فقد أرسلت كل من كوبا وفنزويلا وتركيا مساعدات لإغاثة المحرومين من الطعام والماء والمأوى في غزة. لكن الولايات المتحدة، التي تمطر تقليدياً بكل أنواع المساعدات تلك الدول التي تفي بشروط عطاءاتها، لكنها تتجاهل أو تقوم بإرهاب تلك التي لا تفعل، مثل الفلسطينيين، لم تستجب لنداءات الاستغاثة.
ثمة قول مثير للاهتمام، صدر أخيراً عن الرئيس الأميركي باراك أوباما: “…يمكن أن نكون بصدد مشاهدة مئات الآلاف من الناس المتضررين، وبتداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية هائلة علينا جميعاً”. يبدو أن ذلك ينطبق تماماً على الوضع في فلسطين. فهناك، على الأقل، مئات الآلاف، بل الملايين من الناس الذين تضرروا في الحقيقة من أعمال الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأخيرة، كما أن المساعدات المالية المستمرة لكيان الفصل العنصري في إسرائيل تجلب “تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية” على الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي يتم فيه إرسال مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار إلى إسرائيل سنوياً؛ تناضل ديترويت الأميركية المفلسة جاهدة من أجل تحصيل ثلث هذا المبلغ لتتمكن من عبور هذا العام بسلام. ومع ذلك، فإنها لا تتلقى أياً من أموال دافعي الضرائب من الحكومة الأميركية، في الوقت الذي تحصل فيه إسرائيل على 3 مليارات دولار.
يجري الآن الشعور بالتداعيات السياسية؛ حيث يتم الضغط أكثر وأكثر على مسؤولي الولايات المتحدة المنتخبين (هذا الكاتب لا يستطيع ببساطة أن يقنع نفسه بالإشارة إليهم على أنهم “نواب” أو “ممثلون”)، لكي يغضوا النظر عن الأموال التي يمنحها لهم لوبي إسرائيل من أجل حملات إعادة انتخابهم، وأن يركزوا بدلاً من ذلك على حقوق الإنسان. وهو أمر لا يسهل على هؤلاء المسؤولين أن يفعلوه، لأن مثل هذه النظرة لا تنسجم معهم بشكل طبيعي. ومع ذلك، يتم الإحساس بالأصداء السياسية للضغوط التي يمكن أن تتصاعد وحسب.
فيما يتعلق بالتداعيات الأمنية، فإن مشاعر الكراهية والعداء تجاه الولايات المتحدة تنمو مع كل قذيفة تسقطها إسرائيل على فلسطين، مع كل بيت يُهدم، مع كل نقطة تفتيش تنشأ، مع كل شاب أعزل تطلق عليه النار حتى الموت. لكن مسؤولي الولايات المتحدة المنتخبين يتجاهلون كل ذلك متى شاؤوا.
للأسف، لم يكن قول السيد أوباما المذكور أعلاه يشير إلى فلسطين، وإنما قاله عن وباء الإيبولا في غرب أفريقيا. ولا شك أن الرئيس محق في ذلك، لأن فعله ذلك لا يمكن أن يغضب بأي حال أي لوبي قوي في أميركا. ويستطيع المرء دائماً أن يتحدث في العموميات إذا لم تتأثر الجزئيات سلبياً.
قد يتساءل المرء عن أسباب تجاهل الولايات المتحدة للتداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تترتب على تمويل نظام جعلت تصرفاته من جنوب أفريقيا قبل جيل تبدو حميدة مقارنة به؟ لماذا تتجاهل بعضاً من أفظع انتهاكات الإنسان التي ترتكب على وجه الأرض حتى اليوم؟ أي منفعة هناك في ترديد الكذبة المفضوحة عن أن قمع إسرائيل لأمة تحتلها بوحشية وبطريقة غير مشروعة يتم من أجل حماية “الأمن القومي”؟
تواصل الولايات المتحدة الادعاء بأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وليس هذا مستغرباً، بما أن الولايات المتحدة تمتلك فكرة منحرفة جداً عن الديمقراطية، وهي المفهوم الذي لم تتم ممارسته عملياً على الإطلاق. ومع ذلك، تظل الديمقراطية كلمة طنانة مفضلة، إلى جانب “الحرية”، و”التحرير” وبعض الكلمات الأخرى التي يحب المسؤولون الأميركيون توزيعها حولهم، وهم يعلمون أن الناس يتوقون إليها بجموح. قل هذه الكلمات وأنت تقف أمام علم أميركي وقد وضعت اليد على القلب، وسوف تتدفق الدموع الشوفينية من العيون. لا تهتم بالنظر إلى الواقع. تجاهل الفقر المدقع في كثير من أجزاء الولايات المتحدة نفسها؛ انتحار قدامى المحاربين (بنسبة 22 في اليوم) من الذين قاتلوا، ظاهرياً، من أجل تلك “الحرية” و”التحرير” (ما كانوا يقاتلون من أجله في الحقيقة هو موضوع لمقال آخر)؛ الممارسات العنصرية بالغة الوضوح، والتي لا يمكن تجاهلها تماماً في بعض الأحيان، كما حدث في فيرغسون، وميسوري. انس أمر ضعف أداء طلاب الولايات المتحدة البائس مقارنة بطلاب أي دولة صناعية أخرى، بينما تناضل المدارس للاحتفاظ بالمدرسين المؤهلين في وجه تزايد أحجام الصفوف والميزانيات المخفضة، فيما يجني المتعاقدون العسكريون المليارات عن طريق إنتاج أدوات أقوى للقتل.
وإذن، دعونا نلخص. إن إسرائيل؛ الدولة التي ولدت من رحم الإبادة الجماعية والتي تستمر في ارتكاب هذه الجريمة المروعة، ممولة بشكل أساسي من الولايات المتحدة التي نصبت نفسها منارة للسلام والحرية في العالم، تقوم دورياً، بذريعة “أمنها القومي”، بقصف أمة تحتلها، والتي ليس لها جيش ولا بحرية ولا قوة جوية. وعندما يحدث ذلك، يردد كل المسؤولين المنتخبين لممولها الرئيس، الولايات المتحدة، الكلمات والذرائع الإسرائيلية نفسها، في تجاهل تام للانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي يتم ارتكابها على أساس يومي، والأسوأ بأضعاف عدة من القصف والحرق الشامل. وبالإضافة إلى ذلك، تعمد الصحافة الأميركية، سوى استثناءات قليلة، إلى تجاهل المعاناة الفلسطينية وتركز على مكامن ضيق الإسرائيليين.
هذا هو عمل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” وبتمويل من أكبر ديمقراطية زائفة عاملة في الغرب. وكلاهما نظام مجرم، يبحثان فقط عن النفوذ والثروة على حساب أسس اللياقة المعروفة. يجب وقف كليهما. ولن تكون حكومتاهما، ولا الأمم المتحدة ولا الحكومات الأخرى هي التي ستوقفهما. وكما هو الحال في كل الحركات التي تدافع عن حقوق الإنسان، فإنها إرادة الشعوب في كل أنحاء العالم هي التي سيتعذر الاستمرار في تجاهلها في نهاية المطاف.
الغد الاردنية





