خلال الأسابيع القليلة الماضية، كان وضع رهائن يتكشف في قطاع غزة، لكنه ليس من النوع الذي قد تتوقعه: ثمة فصيلان سياسيان متنافسان يتحاربان من أجل السيطرة على البيروقراطية. وما يزال موظفو الحكومة يناضلون منذ شهور في حالة احتجاج وسط إحساس بالعجز، فيما تتصارع السلطة الفلسطينية وحماس، وتلحقان الضرر بالعديد من وكالات الخدمات المحلية، بما في ذلك الصحة والأشغال العامة وشؤون المرأة -وربما فيما ينطوي على المفارقة: قوة العمل.
مع كل الشكوك التي تحيط بحكومة “الوحدة” الأخيرة بين حماس والسلطة الفلسطينية، ربما يكون السؤال السياسي المباشر الأكثر إلحاحا بالنسبة لغزة هو، هل يستطيعون الحكم فعلاً؟ وتبدو التوترات العمالية الراهنة وأنها تعكس تقليداً للنقابات العمالية الفلسطينية التي تعمل كميدان معركة فصائلية بين الإخوة: فقد ذهب العاملون المحليون المهمشون التابعون لإدارة حماس من دون رواتب، فيما تكافح حكومة الوحدة الوطنية الجديدة لتشغيل عملياتها وخدماتها الرئيسية.
في الأسبوع الماضي، ومع تصاعد الاضطرابات العمالية، أعلنت السلطة الفلسطينية أن موظفي القطاع العام في غزة (التي لديها معدلات نقابية عالية نسبياً) سيظلون مدرجين، اسمياً على الأقل، على سلم الرواتب. وفي الأثناء، ذكرت وكالة أنباء “معاً” في مدينة غزة أن موظفي حماس السابقين باشروا إضراباً عن الطعام للمطالبة بأجورهم غير المدفوعة. وقد تأجج الصراع بسبب موضوع الأجور المتأخرة المستحقة، حيث لم يتقاضى عشرات الآلاف من عمال حماس -الذين وظفوا بعد سيطرة الفصيل على غزة في العام 2007- أجورهم منذ حوالي سبعة شهور. وفي هذا الفترة، ما تزال السلطات الإسرائيلية تستمر في الاحتفاظ بعوائد الضريبة الفلسطينية، تاركة العمال يعولون على دفعات جزئية مؤقتة.
مع أن الاتصالات بين غزة والخارج صعبة، قال محمد العاروري، الموظف السابق في الاتحاد العام للنقابات الفلسطينية والذي يعمل حالياً مع الاتحاد العام للعمال الفلسطينيين في رام الله، قال لصحيفة “ذا نيشن” عبر البريد الإلكتروني: “إن الوضع السياسي والاقتصادي في غزة معقد” و”صعب جداً على الفهم… خاصة بعد انتخابات العام 2006″ ومن خارج القطاع بشكل خاص. وعندما سيطرت حماس على إدارة غزة وقامت بتعيين موظفيها المدنيين الخاصين بدل العديد من موظفي السلطة الفلسطينية السابقين المطرودين، كما شرح العاروري، فإن “الحكومة في رام الله أمرتهم بعدم العمل مع حكومة حماس في غزة، والبقاء في منازلهم (بينما) يتلقون رواتبهم كل شهر من رام الله”. لكن ذلك “الليمبو” العمالي أصبح متأرجحاً مرة أخرى.
ورغم أن نحو 24000 موظف تلقوا دفعات جزئية من رواتبهم في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، فإنه لم يتم إصدار أي دفعة لأكثر من 15000 عامل في وظائف تتصل بالأمن. وفي اعتصام خارج المقر الرئيسي لمجلس الوزراء الفلسطيني، نقلت “معاً” عن المسؤول في الاتحاد، خليل الزيان، قوله: “إن اعتصامنا سلمي، ونحن لا نريد تدمير ممتلكاتنا العامة، لكننا سنظل هنا حتى يتم الاعتراف بأعضائنا ودفع رواتبهم… لقد تلقينا ما فيه الكفاية من الوعود الكاذبة. إما تستقيل الحكومة أو تتحمل كل مسؤوليات غزة، كما هو الحال في الضفة الغربية”.
يُذكر أن تصاعد التوترات قد تزامن مع حملات على فتح. ووفق ما ذكرته صحيفة “ذا تايمز أف إسرائيل”، فإن “صرافات آلية عدة قد حطمت في فروع عدة تابعة لبنك فلسطين -بهدف توجيه تحذير للسلطة الفلسطينية لكي لا تقدم على دفع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية من دون الدفع لعمال حكومة حماس أيضاً”.
لكنه يبدو أن إسرائيل تساعد في حل تلك المشكلة، باتجاه عكسي، من خلال الاحتفاظ بحوالي 127 مليون دولار من عوائد الضريبة الخاصة بحكومة السلطة الفلسطينية، رداً على محاولة الرئيس محمود عباس الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية. وبينما كانت الضفة الغربية هي الهدف الرئيس لتجميد الدفعة، ذكرت صحيفة “ذا تايمز أف إسرائيل” أن غزة قد تأثرت أيضاً بقرار التجميد. وقد فاقم تجمع الفوضى السياسية العارمة والشلل الاقتصادي، وحديثاً النزاع على السيطرة على نقاط التفتيش الحدودية الرئيسية، سوء الظروف الإنسانية. وما يزال المواطنون في غزة يواجهون صعوبات الفقر المزمن، وتظل المنطقة مدمرة بشدة نتيجة للضربات الجوية الإسرائيلية في العام الماضي.
وفي الأثناء، أعاقت الصدوع السياسية غير القابلة للمعالجة بين حماس وفتح إعادة البناء في غزة بعد الحرب، بالإضافة إلى الوظائف الأساسية للحكومة الهيكلية على حد سواء. وفي وقت سابق من هذا الشهر، نقلت صحيفة “الجيروزاليم بوست” عن الناطق الرسمي بلسان حماس، مشير المصري، قوله: “لقد تخلت الحكومة عن مسؤوليتها عن قطاع غزة، وخاصة موظفي القطاع العام… وفي كل يوم تثبت الحكومة أنها حكومة انقسام، لا حكومة إجماع وطني”.
تعاني رام الله هي الأخرى من الاضطرابات الاجتماعية والعمالية. ويذكر أحمد نمر في موقع “الانتفاضة الإلكترونية” بأنه منذ تشرين الثاني (نوفمبر)، ثارت احتجاجات من طرف عمال الحكومة، وإضرابات وتوترات، وشن عباس معركة قانونية ضد اتحاد عمال القطاع العام. لكن نمر يقول إنه مع تآكل الولاءات السياسية التقليدية، فإن الدور التاريخي للعمال كقوة سياسية شعبية يمكن أن يعود من جديد.
الآن، تمتلك النقابات العمالية فرصة جيدة لاستعادة صلاتها القوية مع الجمهور الفلسطيني، بأن تصبح أكثر ديمقراطية، ومن خلال إجراء انتخابات مرة كل عامين (والتي لا تكون مستندة إلى الانتماءات الحزبية)… وتحتاج النقابات أيضاً إلى كسر أي علاقات غير ضرورية مع شخصيات السلطة الفلسطينية، بدءاً بعباس.
وراء في غزة، اشتدت حدة الجمود السياسي، نظراً لأن فصيلين فلسطينيين؛ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، غضبا من المفاوضات مع حماس و”عارضا بشدة نية حماس تأسيس إدارة جديدة في غزة”، وفق صحيفة “الجيروزاليم بوست”.
فوق كل الفوضى العارمة، يلوح في الأفق دائماً طيف الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل، فوق سنين من الحصار الاقتصادي الممنهج، على احتجاز تعافي غزة رهينة بإدامة الحصار المستمر.
بالنسبة لعمال الإغاثة الإنسانية الذين يسعون إلى إعادة بناء غزة، فإن الأرض ما تزال محطمة ومهملة بسبب السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. وقال راجي الصوراني، مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان لصحيفة “ميدل ايست مونيتور”: “لقد مرت أربعة أشهر على الحرب الإسرائيلية في غزة، لكنه لم يتغير أي شيء فيما يتعلق بإعادة الإعمار، وهي مهمة أصبحت مستحيلة”. وقد تجسد نزر يسر وحسب من أصل الأموال التي كان قد تم التعهد بدفعها من جانب مانحين دوليين لإعادة إعمار غزة.
في أعقاب العواصف الجوية العاتية التي فاقمت ظروف الشتاء القاسية في القطاع، ذكرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في غزة مؤخراً أنه “ما لم تتغير الأوضاع الراهنة، فإن الأموال المخصصة للمساعدة النقدية ستنفد في شباط (فبراير) المقبل”.
على هذه الخلفية، قد تبدو النضالات العمالية لعمال حماس السابقين ضئيلة نسبياً، لكنها تعكس الحالة الموحشة لـ”الليمبو” الذي يغلف حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وقد استدعت حتى أكثر الخطوات تواضعا نحو مكانة الدولة التامة لدى الأمم المتحدة ضربات دبلوماسية ارتدادية من جانب إسرائيل، بينما أفضى الحرمان الاقتصادي المتراكم إلى حكومة إعادة الإعمار عاجزة وسط العصف الجيو-سياسي. وما يزال عمال يواصلون نبض الاحتجاج المتحدي، وإنما اليائس -في عرض للحياة المأساوية المختزلة تحت الحصار.
الغد الاردنية




