
يعمل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بمنطق «الغاية تبرر الوسيلة» لكسب الانتخابات المقبلة . فمن التصعيد السياسي مع قيادة السلطة الفلسطينية، والسطو على عائداتها المالية لابتزازها بغرض إجبارها على العودة إلى المفاوضات العبثية إياها من دون قيد أو شرط، وعلى التراجع عن خطواتها لتدويل القضية الفلسطينية، خصوصاً خطوة الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية التي دعا نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان إلى تفكيكها، إلى تصعيد التحريض الإعلامي ضد فصائل المقاومة الفلسطينية عبر معزوفة مساواتها بالتنظيمات التكفيرية الإرهابية، تهيئة لشن عدوان جديد على قطاع غزة، إلى تشديد الهجوم على الأسرى والتنكيل بهم، إلى رفع وتيرة الهجوم المتطرف متعدد الأوجه على فلسطينيي الداخل وأحدثه استشهاد اثنين وإصابة العشرات من أبناء قرية راهط البدوية في النقب، إلى تصعيد العدوان العسكري ضد سوريا والمقاومة الوطنية اللبنانية لدرجة وضْع الجبهة الشمالية، ومعها المنطقة بأسرها، على حافة انفجار شامل، إلى تصعيد الاشتباك الدبلوماسي مع دول الاتحاد الأوروبي، والسويد وفرنسا بالذات، لدرجة اتهامها بنسيان “المحرقة”، ودعوة مواطنيها اليهود إلى الهجرة إلى إسرائيل، ذلك لمجرد أن برلمانات هذه الدول أعلنت اعترافها، (الرمزي غير الملزم لحكوماتها)، بالدولة الفلسطينية، ولمجرد تصويت فرنسا بنعم وبريطانيا بالامتناع، لمصلحة عرض مشروع القرار العربي/الفلسطيني بعد تعديله على مجلس الأمن للتصويت عليه، إلى تجديد إعلان أن أي اتفاق دولي مع إيران حول برنامجها النووي (غير مقبول على إسرائيل)، وصولاً إلى إهانة رئيس الولايات المتحدة ووزير خارجيتها من خلال عدم التنسيق معهما في شأن زيارته لواشنطن لإلقاء خطاب أمام “الكونغرس” بدعوة من رئيسه “الجمهوري”.
بالمقابل يعمل منافسو نتنياهو في الانتخابات على إظهار أن دوافعه محض شخصية، بينما الحقيقة أنها، وإن انطوت على قدر من ذلك، إلا أنها، أساساً، دوافع رئيس حزب يقود معسكراً سائداً برؤية أيديولوجية سياسية، جوهرها: العدوان والتوسع وإدارة الظهر للعالم بأسره بهدف الحفاظ على، وللدقة استعادة، هيبة إسرائيل “الدولة القلعة” المفروضة على المنطقة، بل وعلى العالم كدولة احتلال “فوق كل قانون”، تتابع بلا توقف، وبتسارع غير مسبوق، تنفيذ مخططات المشروع الاسرائيلي وتحقيق المزيد من أهدافه وأحلامه وطموحاته .
ينطوي اختزال قادة المعسكر الصهيوني المنافس للمعسكر الذي يقوده نتنياهو دوافع الأخير في البعد الشخصي، على إخفاء حقيقة أن هؤلاء لا يتبنون رؤية بديلة لرؤيته فيما يتعلق بمجمل الصراع، وجوهره القضية الفلسطينية، خصوصاً.
إذ بالاحتكام إلى برامج الأحزاب الاسرائيلية المتنافسة، وليس إلى المُتخيَّل عنها، نجد أنها جميعاً، رغم تباين التعبير والشكل، تتشبث بالهدف الأساس: (إسرائيل دولة للشعب اليهودي)، بما لا يترك متسعاً ل”حل وسط” للصراع . ما يعني أن نتنياهو هذا إن هو إلا التعبير الأشد فجاجة عن الهدف الاسرائيلي الأساس، وعن حلم انتزاع الاعتراف به .
تظهير الحقائق أعلاه لا يستهدف نفْيَ الشخصي في دوافع نتنياهو وغيره من قادة إسرائيل، إنما التحذير من تضخيمه لدرجة تصوير أن أمر خسارة نتنياهو للانتخابات وفوز منافسيه فيها يعادل إحداث تغيير نوعي في السياسة الاسرائيلية التوسعية . وهذا هو الوهم بعينه الذي شاءت الولايات المتحدة بيعه للقيادة الفلسطينية عندما طلبت منها إرجاء خطوات تدويل القضية الفلسطينية إلى ما بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، بما يوحي بأن من شأن “خطواتها الأحادية الاستفزازية”، حسب التوصيف الأمريكي، أن يعزز فرص فوز نتنياهو بل هو الوهم ذاته الذي نشأ بعد عودة حزب العمل عام 1992 بقيادة رابين-بيريس، آنذاك، إلى السلطة، وبشَّر بلا أساس واقعي أو منطقي بتخطي عقبات تعنت حزب الليكود، وفتح الطريق واسعاً أمام إجراء مفاوضات جدية تسفر عن تحقيق الحد الأدنى من الحقوق العربية والفلسطينية . وهو ما أدى إلى خلط حقائق خلافات الأحزاب الاسرائيلية وحدودها الفعلية بالمُتخيَّل عنها، حتى صار، (الخلط)، بضاعة سياسية رائجة في كل محطات الانتخابات الإسرائيلية التالية، ومنها القادمة، ما يستدعي التحذير من هذا الخلط، ارتباطاً بالحقائق الأساسية التالية:
1: لا نتنياهو الشخص، ولا نتنياهو الحزب، (الليكود)، هو فقط الذي أفشل نحو 25 عاماً من مفاوضات “مدريد- أوسلو”، وأوصلها إلى طريق مسدود، بل إن حزب العمل المنافس الأساسي لحزب نتنياهو في الانتخابات القادمة، هو الذي حول جوهر استراتيجية الليكود التفاوضية: “سنفاوض الفلسطينيين لمدة عشرين عاماً”، إلى واقع، ذلك رغم، بل بفضل، موافقته بقيادة رابين -بيريس في العام 1993 على إبرام “اتفاق أوسلو” مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى تحديد سقف زمني من خمس سنوات للتوصل إلى “اتفاق نهائي”، لكنه انتهى في أيار 1999 إلى صفر نتائج فيما يتعلق ب”قضايا الوضع النهائي”: اللاجئين والقدس والحدود والمستوطنات والمياه، أي جوهر الصراع والقضية . بل وانتهى بعده نحو 16 عاماً من التمديد الواقعي للمفاوضات إلى النتيجة ذاتها .
2: لئن كان حزب الليكود منذ توليه السلطة في العام 1977 هو الذي نفذ مخطط “دوبلس” الاستيطاني لتمزيق أراضي الضفة “عرْضياً”، فإن حزب العمل هو الذي نفذ منذ العام 1967 حتى خسارته انتخابات العام 1977 مخطط “آلون” الاستيطاني “الطولي” في أراضي الضفة وقطاع غزة . هذا ناهيك عن أن الحزبين نفذا مصادرة أراضي “القدس الشرقية” وتوسيع حدودها على حساب أراضي الضفة وضمها وتوحيدها مع “القدس الغربية”، لنصبح أمام “القدس العظمى” الممتدة من مستوطنة “عتصيون” جنوب مدينة بيت لحم إلى مستوطنة “جفعات زئيف” شمال مدينة رام الله .
3: لئن كان حزب “المعراخ” بقيادة بن غوريون، (حزب العمل لاحقاً)، قد قبل قرار تقسيم فلسطين في العام 1947 كقرار رفضه حزب حيروت بقيادة بيغن آنذاك، (حزب الليكود لاحقاً)، فإن ذلك القبول لم يكن سوى قبولاً تكتيكيا لنيل الاعتراف الدولي بإسرائيل “دولة” في الأمم المتحدة، وتوطئة لاحتلال ما تبقى من مساحة فلسطين “الانتدابية”، فضلاً عن الجولان السوري وسيناء المصرية، في حرب العام1967 بقيادة حزب العمل، تنفيذاً لما أراده “حزب حيروت”، ولم يكن ممكناً، في العام 1947 . أي إسرائيل “الكبرى” و”اليهودية” و”القلعة” التي لا مجال ل”التسوية”، فما بالك ب”السلام”، معها بتغيُّر أسماء أحزابها وشخوصها الحاكمة، إنما بتفكيك نظامها التوسعي المتطرف.




