الأربعاء, أبريل 29, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءلماذا صادقت الدولة الفلسطينية على مواثيق دولية لم تقم بتنفيذها؟!... بقلم: المحامي...

لماذا صادقت الدولة الفلسطينية على مواثيق دولية لم تقم بتنفيذها؟!… بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

تنزيل (1)

 

* قامت دولة فلسطين منذ الإعتراف بها من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/2012 بالتصديق على مواثيق دولية كثيرة عبر تواريخ متعددة، سواء في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أو في القانون الدولي الإنساني. ولن أدخل في تعداد هذه المعاهدات الدولية وتواريخها فهي بالعشرات، وتنوء بها صفحات هذا المقال لو عددتها.

وهي خطوة جديرة بالتقدير والإحترام بكل تأكيد رغم عبئها الثقيل التي تنوء بها الجبال. وما دامت قد أخذت بهذا الخيار الراقي والحضاري، فعليها أن تتبعها بخطوات فلسطينية أخرى، وبخاصة أن هذه الإتفاقيات الدولية ستثقل الكاهل الفلسطيني بالتزامات وامتيازات شئنا أم أبينا. فهي ليست أعمالا من باب الترف الفكري، أو السفسطة الفكرية، بل تدخل في باب العلاقات الدولية التي ترتب حقوقا وواجبات. السؤال الذي يتبادر للذهن ولا نملك الفكاك منه بعد عملية المصادقة من قبل السلطة التنفيذية للدولة الفلسطينية لوحدها دون مشاركة من السلطة التشريعية، كيف ننفذ هذه المعاهدات الدولية وما الطريق لذلك؟ وما هو المركز القانوني لهذه المعاهدات الدولية؟

هل هو مركز مماثل للتشريعات المحلية المختلفة ،أم هي تسمو، عليها أم تقل عنها درجة أم ماذا؟ بكلام آخر المصادقة على أية معاهدة دولية هي خطوة تتبعها خطوات أخرى، ولا تتوقف أية دولة عند خطوة المصادقة على المعاهدة وينتهي عملها بل يجب أن تتبع المصادقة بخطوات أخرى.

كل هذه الأسئلة وغيرها بدون جواب حاسم قاطع فالقانون الأساس لعام 2003 (الدستور الفلسطيني ) وهو القانون الأسمى والأعلى والذي كان يجب أن يحل المشكلة، لم يتضمن حلا شافيا ولا بأي شكل ليجيب عن هذه الأسئلة بل لم يتطرق إليها من أساسه. فالمادة العاشرة منه التي تتحدث عن إلزام حقوق الإنسان واحترامها، لا تقدم ولا تؤخر في هذا المجال فهو لم يقدم حلا في الآلية والكيفية للتطبيق. فضلا عن أن القضاء الفلسطيني لم يتصدى لهذه المشكلة المستعصية، والقضاء الواقف (المحامون ) لم يطالب بتطبيق أي جزء أو نص في هذه المعاهدات الدولية، أو يستند إليها، في أية منازعة منظورة أمام القضاء الجالس. لذا بقي السؤال يراوح مكانه دون إجابة قاطعة، بل سيثير جلبة يصعب حلها في أي تصور يوضع لحل هذه العقبة الكأداء.

من هنا، كان على السلطة التنفيذية الفلسطينية للدولة الفلسطينية واجب التصرف في هذا الشأن بإصدار مرسوم رئاسي ليقرر مستقبل ومصير هذه المعاهدات الدولية التي تمت المصادقة عليها. وإذا احتج أحد بعدم ضرورة ذلك، فالسؤال المطروح حينئذ، لماذا تمت المصادقة على هذه المعاهدات من أساسه؟ اليس الهدف الأساسي من التصديق على أية معاهدة مهما كان موضوعها، تنفيذها في داخل ذلك الإقليم الذي صادق عليها، فالدولة التي لاترغب بتنفيذ معاهدة ما لا تصادق عليها ابتداء. فالمعاهدات عمل رضائي لللدول، ولا تكره دولة على المصادقة على معاهدة ما وإلا لفسدت تلك المعاهدة وأصابها البطلان كالعقد الفردي تماما. فالمعاهدات عمل تعاقدي لا يسري إلا على أطرافه والدول المنضوية تحت راية المعاهدة.

فجميع المعاهدات الدولية على اختلاف مواضيعها وعبر نصوصها، ترتب التزام الدول الأطراف المنضمة إليها بتقديم تقارير للجان أنشأتها المعاهدة نفسها، حول مواضيع المعاهدات المتباينة. وهذه اللجان لها حق فحص وتدقيق هذه التقارير، ولها الحق في نشرها وسؤال أية دولة ما حول موضوعها أو موضوعاتها وحتى زيارة الدولة المعنية. وهذه اللجان قد تبحث موضوع المرأة أو التعذيب او الإعدام أو الضمان الإجتماعي أو العمل أو القضاء وما إلى ذلك من ذلك من مواضيع من جميع الوجوه التي نظمتها وقننتها. وبالتالي لها فحص مدى تقيد الدولة العضو الطرف، بنصوص المعاهدة، ومدى اتساق النصوص المحلية للتشريعات المحلية بنصوص المعاهدة الدولية، أو مناقضتها لنصوصها أو تقييدها أو نفيها. لذا فالدولة الطرف في معاهدة، ليست في حل من التزاماتها الدولية بل عليها التزام بتعديل نصوصها القانونية لتتوافق مع نصوص المعاهدة الدولية.

لا جدل في أن هناك قانونا لكل هذه المعاهدات يدعى باتفاقية فينا لعام 1969 للمعاهدات الدولية، والذي يشكل ناظما لكل الإتفاقيات الدولية وكيفية تنفيذها زمانيا ومكانيا. وهي معاهدة صادقت عليها السلطة التنفيذية في الدولة الفلسطينية أيضا. لكن رغم ذلك كله تبقى الحلول من صنع الدولة نفسها وعبر سلطاتها الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولكننا نفتقد لسلطة تشريعية تعقد اجتماعات قانونية متسقة مستمرة لبحث هذا الموضوع وكيفية حلّه. بل نفتقد المرجعية القانونية وهو الدستور لحل هذا الموضوع إذ يحتاج لتعديل جوهري في نصوصه يتكفل بالحل، وكلنا نعلم إمكانية ذلك في هذه الظروف الشائكة الحالية. ومن هنا قلت في مكان آخر في هذا المقال أن الموضوع عبء ثقيل في ظل الوضع الحالي التشريعي الفلسطيني ويحتاج لدراسة متأنية وعميقة وحكيمة.

لقد تكفل فقهاء القانون الدولي العام بكيفية حل هذه المشكلة وليست بالأمر المستحيل، لكن يجب أن تتوفر أدوات الحل ابتداء، فالسلطة التنفيذية ( الرئاسة والحكومة والوزراء) على أهميتها، غير كافية لحل الإشكالية القانونية، بل يجب أن يوجد إلى جانبها السلطة التشريعية أساسا وفي دول لجنة تأسيسية أو دستورية.

في ظل هذه الظروف والإستثنائية، هل يمكن القول أن الدولة الفلسطينية، غير راغبة أو مترددة في تنفيذ هذه المعاهدات الدولية، لذلك هي صامتة، ولا تقوم بالخطوات الضرورية لتدفق الدم في شرايين المعاهدات الدولية في الإطار الداخلي للإقليم الفلسطيني. وإلا فما هو التفسير لعدم وجود آلية قانونية رسمية لتنفيذ هذه المعاهدات الدولية رغم مصادقة دولة فلسطين عليها جميعا. هل صحونا على كبر العبء والإلتزام الذي قيدنا به أنفسنا عبر التصديق على هذا العدد من المعاهدات الدولية، بل إن البعض يعدنا بالمزيد منها. هل يمكن أن نكتفي بوضع هذه المعاهدات على الرفوف الخشبية ، ونبقى قاعدين تجاهها ولا نقوم بخطوة تنفيذية إزاءها؟!

المعاهدات الدولية أعمال تشريعية دولية يجب على الدول الأطراف احترامها والتقيد بها، بمجرد المصادقة عليها، وبخاصة من الدول الذين هم أطرافها الحقيقيون. أما التحجج بذرائع داخلية وحجج محلية للتهرب من التزامات الدول، فيجب أن لا تقف حائلا لتنفيذها، وإلا رتبت مسئولية دولية وأنشأت تهديدا لاستقرار العلاقات الدولية.

دولة فلسطين دولة حديثة في المجتمع الدولي، فإن بدأت علاقاتها الدولية بخطوة عدم تنفيذ المعاهدات التي صادقت عليها، فهذا أمر ينفي حسن النية في العلاقات الدولية ويثير الشكوك في تصرفاتنا الدولية ومصداقيتها. فما دمنا قد قبلنا المعاهدات وصادقنا عليها، فلا بد أن نتصرف كالرومان حينما نكون في روما، أو حينما نكون في فناء قوم فلنحلب في إنائهم!!!

صحيفة القدس

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب