الأربعاء, أبريل 29, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارهل يتفكك "داعش"؟ ما تقترحه العمليات الإعلامية للتنظيم

هل يتفكك “داعش”؟ ما تقترحه العمليات الإعلامية للتنظيم


مع مواجهة ما يدعى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” انتكاسات في العراق وسورية، يعتقد معظم المراقبين أن المجموعة آخذة في الانهيار. وفي الحقيقة، في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني (يناير) فقط، أعلن رئيس الوزراء العراقي منطقة شرق الموصل “محررة بالكامل” من سيطرة المجموعة. ومن الواضح أن قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والمكلف بمكافحة “داعش”، والذي دخل منذ بعض الوقت في السنة الثالثة من حملته العسكرية المستمرة، أحرز تقدماً. ونتيجة للجهود المبذولة في العراق وسورية في العام 2016 وحده، قُتل العديد من كبار قادة المجموعة أو أُسِروا، وتلقت سبل تمويلها ضربة كبيرة، كما أنها تنزف الأراضي باستمرار. ومن المؤكد أن “داعش” سيزداد تفككاً على مدى السنوات القليلة المقبلة.
كما هو حاله، من المرجح أن يسير التنظيم في واحد من طريقين. ووفق الاحتمال الأول، يمكن أن ينتهي المطاف بتفككه وهو يمنح المزيد من الوزن لمركز جاذبيته، حتى بينما يصبح أضعف بشكل عام. وكبديل عن ذلك، يمكن أن يحذو “داعش” حذو تنظيم القاعدة في الألفية الجديدة، وأن يتفكك بطريقة تقلل من تأثير مركزه في العراق وسورية، بينما تمنح زخماً لعملياته المحلية في أماكن مثل أفغانستان، وليبيا، وشبه جزيرة سيناء، واليمن.
ينظر بعض المحللين، مثل كلينت واتس، إلى تفكك “داعش” على أنه كسب محتمل لجهود مكافحة الإرهاب، خاصة إذا أدى إلى ما يدعى “التنافس الإرهابي المدمر”، وهي دينامية تقوم ضمنياً بتخريب أيديولوجية التنظيم عن طريق دفع المنظمات التابعة نحو الإقليمية، وتؤدي إلى تعفن النواة المركزية.
وينظر آخرون، مثل كولن كلارك وتشاد سيرينا، إلى هذه الدينامية على أنها أكثر إشكالية، واحدة يمكن أن تؤدي إلى ظهور جماعات أصغر حجماً، والتي يحتمل أن تكون أكثر تطرفاً -بحيث تجعل الحرب الطويلة مُسبقاً أكثر طولاً.
في هذه الحالة، قد يكون تأمل مثال تنظيم القاعدة مفيداً. ففي الفترة التي سبقت 11/9، كان تنظيم القاعدة كياناً إرهابياً هرمياً ومتماسكاً نسبياً. لكن التنظيم تحول بالتدريج، في السنوات الخمس التي أعقبت تعهد الولايات المتحدة بتدمير المجموعة، إلى هيدرا قاتلة، لها مجسات تمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. وتفرق متشددو القاعدة في نهاية المطاف في كل أنحاء العالم؛ حيث أسس البعض مجموعات تابعة وصاحبة امتياز، بطريقة تنطوي على الكثير من المخاطر اللوجستية والقانونية. ومن المؤكد أن المركز، في أفغانستان والباكستان، تُرك ضعيفاً نسبياً. ولكن، وبدلاً من التعامل الآن مع كيان متآلف واحد، ترتب على وكالات مكافحة الإرهاب الأميركية أن تحسب حساباً للجماعات التابعة في إندونيسيا، والعراق، ومالي، واليمن وغيرها من الأماكن. وبالإضافة إلى ذلك، ومن منظور قانوني، تعقدت مسألة “التفويض باستخدام القوة العسكرية” بعد انقسام تنظيم القاعدة إلى مجموعات مختلفة، بعضها يرتبط بالمركز ارتباطاً وثيقاً وبعضها لا يصله به سوى مجرد خيط رفيع.
غني عن القول إن الأمر سيتطلب وقتاً قبل أن يصبح مسار “داعش” المستقبلي واضحاً. ولكن، ومهما كان ما سيذهب إليه، فإن بوسعنا أن نكون على ثقة من أن المجموعة لا تريد الإفصاح عن هذا المسار في إعلامها.
مقياس الإعلام
للحصول على فكرة عن كيفية تأثير الانشقاق على “داعش”، قمنا بتحليل إنتاج إعلام المجموعة -الدعاية التي تنشرها- بمرور الوقت. ويمكن أن يعرض تحليل للإنتاجية، والمنشأ، والنوعية، دلائل على الكيفية التي تتحول بها سرديات المجموعة، ومدى تماسك علامتها التجارية، وبالتالي مدى السهولة التي تستطيع بها المجموعة التواصل مع جمهورها. وقد وجدنا في هذا المسعى أن ثمة القليل من حركات التمرد التي عرضت فرصاً أفضل للبحث. فبعد كل شيء، كان “داعش” يغرق شبكة الإنترنت بالدعاية على مدى سنوات.
على الرغم من أن إنتاج الإعلام عموماً يشهد انحساراً، كما تُظهر دراسة حديثة أجراها مركز مكافحة الإرهاب في كلية وست بوينت، فإن قضية الإنتاجية الإجمالية تظل أقل أهمية في هذا السياق من مسألة المكان الذي يتم فيه إنتاج هذه الرسائل. وبإبقاء هذه الفكرة ماثلة في الذهن، وبالاعتماد على الأرشيف الشامل لدعاية “داعش”، والذي تم جمعه على مدى الأشهر الستة الماضية، قمنا بدراسة منهجية لكل واحد من 57 إنتاجاً أصدرتها المنظمة، لتقييم مستويات الهمود، ملاحظين متى قامت كل وحدة معينة بإطلاق آخر مادة إعلامية وماذا كان ذلك الإنتاج. وقد برز اتجاه لا لُبس فيه: إن علامة “داعش” التجارية تتقلص. وفي الحقيقة، ضاق النطاق الجغرافي لإعلام “داعش” في الأشهر الأخيرة، وكانت مستويات الهمود أعلى ما يكون في الهوامش. وفي أوج قوة التنظيم في العام 2015، كان ما لا يقل عن 40 “مكتباً” فردياً للدعاية تقوم بإنتاج الدعاية. وبحلول أواسط كانون الثاني (يناير) 2017، كان 19 منفذاً إعلامياً فقط ما تزال نشطة. وهذه الأيام، أصبحت العلامة التجارية للخلافة ترتبط بشكل كامل تقريباً بالعراق وسورية، ويبدو أن المنظمات الإقليمية التابعة تصبح أكثر نأياً وانفصالاً عن المركز باطراد.
على الرغم من أن تحليلنا للإعلام يُظهر أن الفروع التابعة في الخارج ما تزال مهمة لتنظيم “داعش”، فإنه مما لا جدال فيه أن المجموعة المركزية لم تعد تُبلغ عن نشاط البؤر الأمامية كما اعتادت أن تفعل في السابق. ومن المؤكد أن وكالة “آماق” الإخبارية، وهي منفذ إعلامي رسمي لـ”داعش”، أصبحت على بعض من محتوى وسائل الإعلام الدولية، لكن هناك شيئاً لا يمكن تفويته: لقد أصبح الفاعلون في سورية والعراق، الذين يبلغون عن أعمالهم وتصرفاتهم وحدها، يتحملون العبء الأكبر في عملية رسم العلامة التجارية الطوباية للمجموعة بقدر أكبر بكثير مما كانوا يفعلون من قبل.
في أوج قوة الخلافة المعلنة ذاتياً في العامين 2014 و2015، كانت المجموعة أفضل بكثير في تسويق نفسها باعتبارها حركة تمرد فوق-دولة. ومن غرب أفريقيا إلى جنوب آسيا، لم يقتصر الأمر على تبني الجماعات التابعة مشروعها الإرهابي فحسب؛ وإنما اندغمت أيضاً في جهودها للحكم. وبدرجات متفاوتة من التطور والتعقيد، تم زرع الهياكل الدعائية القانونية والقضائية والتربوية التي تم وضعها في سورية، في أماكن أخرى في الخارج. ومن خلال إعلامه الرسمي، جمع “داعش” الدعم من كل أنحاء العالم لسرده غير الواقعي -اليوتوبيا السلفية الجهادية- وقدم صورة شاملة ومتسقة لما يفترض أن تكون عليه الحياة. ومع ذلك، وبينما تراجع إنتاجه الإعلامي في الخارج وتم إيقاف المجندين المحتملين عن المغادرة، انهار معدل تجنيد “داعش” الدولي بوضوح.
على الرغم من المفاهيم والتصورات السائدة، لم تكن الدعاية قطعاً مجرد وسيلة جذب للمجندين الدوليين -لقد استخدمها “داعش” أيضاً لفرض الخضوع على السكان المحليين في المناطق التي ادعى أنه يحكمها. وفي الحقيقة، وبغض النظر عن مدى الضعف الذي كان عليه وجوده في منطقة معينة، فقد استطاع دائماً استخدام الدعاية لتصوير خلايا التمرد المنتشرة على أنها مجتمعات مزدهرة ولتضخيم هالته الأيديولوجية، مقدماً نفسه بذلك على أنه منظمة أكثر نجاحاً ومرونة بكثير مما كان عليه حقاً في أي وقت من الأوقات. وعلى سبيل المثال، عندما تم كسر حصاره لمدينة كوباني في العام 2015، عمد التنظيم إلى صرف أنظار المؤمنين الحقيقيين به عن سورية، وقام بتوجيها نحو ليبيا من أجل تزويدهم بالزخم الذي كانوا في حاجة ماسة إليه. ولم تكن تهم حقيقة أن ليبيا، التي خسرها “داعش” حالياً، لم تكن أبداً ذلك الملاذ الآمن الذي تم تصويرها عليه –من خلال الدعاية، تم خداع أنصار “داعش” إلى الاعتقاد بأنها كانت معقلاً حصيناً لا يمكن انتهاك حرمته.
حتى يكون كل هذا ناجحاً، كانت الاتصالات والإعلام المنتظم في الخارج حاسمين. ومن أجل تحقيق الانسجام في العلامة التجارية وإبقاء الرسالة موحدة، توجب أن تكون هناك تبادلات واتصالات يومية بين المنظمات التابعة والمركز. ولا يمكن أن تكون الدعاية عفوية -يجب أن يصمد السرد دائماً، وهو شيء يتطلب المركزية. ومن خلال إدامة مثل هذه الاتصالات الثابتة في أواخر العام 2014 والعام 2015، تمكن “داعش” من قصف المشاهدين بسرده العالمي المتكرر بشكل مذهل. لكن الأشياء اختلفت الآن مع ذلك. وفي الحقيقة، أصبح من غير المألوف في الوقت الراهن أن يصادف المرء دعاية قادمة من واحدة من المنظمات التابعة في ليبيا مثلاً، أو اليمن أو جنوب آسيا. وليس هناك طريقان في ذلك -إن العلامة التجارية تذهب إلى المحلية، وتحتل سورية والعراق الآن رأس القائمة.
يمكن أن تكون لانعطافة الخلافة الظاهرة الآن نحو الداخل الكثير من الصلة بقدرة المركز المتضائلة على العناية بالرسالة وإدامتها. ومثلما تحسب أي منظمة شمولية، فإنها ليست هناك أي دعاية أفضل من بعض الدعاية التي تكون مفترقة عن الرسالة. ومع ذلك، لا يعني أي من هذا أن “داعش” يتبخر -إن طبيعة التهديد تتغير فقط. لم يختفِ المعجبون وراء البحار، ولا تخلوا عن السلفية الجهادية. لكن نواة “داعش” أصبحت الآن تركز ببساطة على البقاء والنجاة أكثر مما تركز على التوسع.
بينما يصبح “داعش” أقل تماسكاً على الصعيد الدولي، يبدو أنه يتماسك أكثر في مناطق المركز، بالتحديد في العراق وسورية. وفي أغلبيته الساحقة، وسواء كان ذلك بتوجه حربي أو طوباوي، يعتمد الإنتاج الإعلامي يعتمد على هاتين الدولتين. وبذلك، ما تزال مناطق التنظيم قائمة، وإذا ما استمرت الأمور على مسارها الحالي، فإن الجماعات التابعة يمكن أن تذهب إلى التنافس على راية الخلافة “الحقيقية”. ومهما يكن واقع الحال، وسواء كان ذلك بالحظ أو بالحكم الرشيد، فقد اختار “داعش” قبل سنوات نموذجاً مختلفاً عن نموذج تنظيم القاعدة، واحداً من شأنه أن يسمح للمجموعة بأن تنقسم وتظل مع ذلك على قيد الحياة. وبذلك، وعلى المستوى الأيديولوجي على الأقل، فإن مركز ثقل الخلافة قادر على التحوُّل من دون الكثير من التكاليف.
التهديد الذي يشكله الانقسام
مهما يحدث، وبينما يحاول مركز “داعش” الحفاظ على هيمنته الأيديولوجية، يبدو من المعقول استنتاج أن التنظيم سوف يحاول إعادة إرسال متشدديه إلى بلدانهم الأصلية لشن هجمات هناك. وسوف يساعد القيام بذلك في رفع معنويات المجموعة ومحاولة تضخيم قدرتها المتضائلة. وكما وجد باحث الشؤون الجهادية، توماس هيغهامر، فإن المقاتلين الأجانب الذين يعودون إلى الوطن لشن الهجمات يظلون ناشطين أكثر فعالية بكثير من العناصر غير المخضرمة التي لم تشترك في القتال. وقد أصبحت الحكومات الغربية، وأجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات متمددة بإفراط مسبقاً وتفتقر إلى الموارد ومثقلة بكومة من القضايا الأخرى، بما فيها الافتقار إلى تقاسم المعلومات والتعاون -وبذلك يكون التحدي مهيأ لأن يصبح أكثر صعوبة.
بالإضافة إلى ذلك، تشرع المنظمات التابعة لتنظيم “داعش” في الخارج فعلاً بالتنافس على النفوذ الأيديولوجي، ويرجح أن يبدأ “المخططون الافتراضيون”، الذين يعتقد أنهم يقومون بتنسيق الهجمات على الإنترنت مع الأنصار عبر كل أنحاء الكوكب، بالعمل من خارج منطقة المركز في العراق وسورية. وفي رسالة صوتية من شهر أيار (مايو) 2016، ألمح رجل التنظيم الثاني المتوفى الآن، أبو محمد العدناني، إلى عودة المجموعة إلى تمرد حرب العصابات بينما تستمر في خسارة الأرض. وعلى الرغم من أن هذا يبدو أمراً غير متوقع بالنسبة لـ”داعش”، فإن وجود المزيد من المخططين الافتراضيين الموزعين سوف يساعد فعلياً في تخفيف الضربة عن مركز القيادة والسيطرة المتدهور، والتي ستنجم عن انهياره الإقليمي في العراق وسورية.
يمكن أن يكون للمجموعات المنشقة أهداف وإجراءات تشغيل مختلفة عن تلك التي كانت للمنظمة الأم، وسوف يحتاج العالم إلى تعديل استراتيجياته لمكافحة الإرهاب للتعامل مع تلك الاختلافات. ويجب أن يكون انقسام “داعش” محل ترحيب، باعتباره أنه يشكل في نهاية المطاف نتيجة مصاحبة لنجاح جهود مكافحة الإرهاب. وبينما يستمر التنظيم في التحلل، يجب على التحالف الذي يحارب “داعش” الاستمرار في انتهاج استراتيجية متعددة الجوانب. فمن ناحية، يجب أن تكون الخلايا المنشقة مستهدفة بقوة من خلال أسر وقتل الناشطين لمنع المزيد من التفشي. ومن ناحية أخرى، لا تمكن متابعة هذا النهج وحده في معزل؛ وبدلاً من ذلك، يجب أن يقترن بجهود لتعزيز الحكم الرشيد وخفض منسوب الفساد في الدول الضعيفة، في حين يجري بناء قدرات قوات الأمن الشريكة في معظم الدول البلدان الأكثر تضرراً.

تشارلي وينتر؛ وكولن كلارك – (فورين أفيرز)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب