الرئيسيةزواياثقافة وادب"جريمة في رام الله" .. اختلاف حول الرواية وشبه اجماع ضد قرار...

“جريمة في رام الله” .. اختلاف حول الرواية وشبه اجماع ضد قرار المنع

الايام -كتب يوسف الشايب:الجريمة في رام الله منع رواية جريمة في رام الله .. أنتم تصادرون الكتب وهم يصادرون أرضكم .. يا عيب الشوم” .. بهذه العبارة علق الروائي اللبناني إلياس خوري، في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، على قرار النائب العام بـ”ضبط” رواية “جريمة في رام الله” لكاتبها عبّاد يحيى، واستدعاء مؤلفها وناشرها وموزعها، ومن ثم قيام أفراد الأمن بتنفيذ القرار، الذي ترتب عليه مصادرة الرواية من المكتبات ودور النشر في الضفة الغربية، واحتجاز الناشر فؤاد عكليك المفوض بنشرها في طبعة خاصة بفلسطين، هي الصادرة بالأساس عن دار المتوسط في إيطاليا، فيما تمت مصادرتها، وفي بعض الحالات إحراقها في غزة، حيث اعتبرت وزارة الثقافة التابعة لحركة حماس أنها “تخدم أعداء الوطن”، على عكس دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير التي طالبت النائب العام بالعودة عن قراره، وشددت على حرية التعبير.
وهنا تساءل الكاتب والصحفي معن البياري في صفحته على “فيسبوك”: حضرت في قضية رواية عباد يحيى “جريمة في رام الله”، مناسبة لنعرف أن هناك كياناً اسمه “دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية” .. فعلا، هل ما زالت هذه الدائرة قائمة، من يديرها، ماذا تصنع وتفعل؟ .. وهناك وزارة ثقافة تابعة لحركة حماس.. هل هناك هذه الوزارة حقاً، مَن وزيرها، ماذا تفعل وتصنع؟ .. أصدرت هذه الوزارة بياناً ضد الرواية وأصدرت تلك الدائرة بياناً ضد مصادرة الرواية.

هوس القراءة والنقد
ومن باب أن “كل ممنوع مرغوب”، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن الرواية المصادرة بداية، وتضاعف سعرها عدة مرات، في حين لجأ أصحاب الفضول في قراءتها إلى مكتبات في القدس والمناطق المصنفة “ج” وداخل الخط الأخضر، للحصول على نسخة أو أكثر منها، وهي المناطق التي تقع خارج السيطرة الأمنية الفلسطينية وفق اتفاقات أوسلو، وكأن التعامل هنا يجري مع ممنوعات، بل هي، أي الرواية، وفق القرار، باتت “ممنوعات”، وإن لم يرد نص يمنع تداولها بين الأفراد، أو يجرم من يتم ضبطها في منزله، أو بين يديه، في حين بدأت تتنشر على بعض المواقع الإلكترونية ككتاب إلكتروني مدفوع الثمن، بل وتم نسخها إلكترونياً بنسخة قابلة للتداول بـ”كبسة زر”، ما يجعل من الاستحالة بمكان منع انتشارها بين الراغبين بقراءتها .. وإن كان الحديث يجري عن الأطفال واليافعين، فربما هم الأكثر استخداماً للشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، أي أنهم باتوا الأكثر قدرةً على اصطيادها.
وعلمت “أيام الثقافة”، أن كامل عدد نسخ الرواية نفدت من ركن دار المتوسط في معرض القاهرة الدولي للكتاب، عقب صدور قرار النائب العام، وهي الرواية التي لم تكن قد باعت ما يزيد على أصابع اليد الواحدة وبأقصى حال أصابع يدين اثنتين بالمكتبات الفلسطينية، في حين تم شحن نُسخ مضاعفة لمعرض الدار البيضاء للكتاب في المملكة المغربية من الرواية التي “ضبطت” في الضفة الغربية، حيث بات قرار المصادرة مثار اهتمام مؤسسات اعلامية وحقوقية في فلسطين وخارجها.
وفي هذا الإطار علق الفنان خالد عليان على صفحته في “فيسبوك”، قائلاً بالعامية نحولها للفصحى: شكراً لـ “النائب العام للنشر والتوزيع” الذي عمل على تأسيس حركة نقدية في فلسطين، أتمنى لو يتم منع عروض لأفلام ومسرحيات أو حتى عروض راقصة.
اختلافات حول الرواية
ورأى البعض، رغم رفضهم للمنع، ضعفا في الرواية من حيث البنية والموضوع، في حين وجدها آخرون عكس ذلك .. وقال الكاتب حسن خضر في صفحته على “فيسبوك”: انتهيت من قراءة “جريمة في رام الله” .. النص ليس رواية، ولا يساوي ثلاثة شواكل في سوق الأدب. هناك مشاكل بنيوية عويصة، وتحيزات مسبقة استدعت قدراً كبيراً من الافتعال، وراء الشطحات الجنسية ثمة نزعة محافظة وكراهية عضوية للمدينة نفسها.. الحكاية الأزلية الخوف من المدينة، وميلودراما الخصيتين، ورثاء زمن طهارة أول كاذب ومفتعل. ومع ذلك لستُ مع قرار المصادرة والمنع.
وخالفه الروائي ربعي المدهون الرأي بالقول: هي رواية جريئة، ذكية، عميقة، مشوقة، تكسر التابوهات والنمطية المحافظة، بناؤها الفني جيد ومتماسك، لكنها لا تخلو من إطالات لا ضرورة فنية لها، ومن سقطة ونصف لا يمكن الدفاع عنهما على الإطلاق.
وكتب الشاعر خالد جمعة على صفحته في “فيسبوك” أيضاً: الفن أسلوب، ليس فقط ما تقوله، لكن كيف تقوله، وذلك بعد أن قدم رأياً في الرواية جاء فيه: لن أتحدث هذه المرة عن منع الرواية، فقد أعلنت موقفي بأنني ضد المنع منذ البداية، وما زلت كذلك، ولكنني انتهيت من قراءة الرواية، وكان هذا ضرورياً بالطبع من أجل تكوين رأي فني حولها، لأنني كنت قد اطلعت من قبل على مجموعة من الاقتباسات التي اعتقدت أنها منزوعة من سياقاتها، ولذلك فإن لدي مجموعة من الملاحظات على الرواية: أخطرها تسخيف العامل الوطني، لغير ضرورة روائية.
وختم: لغة الرواية كانت عادية وبالكاد تلمح صورة هنا أو هناك من خلال البناء اللغوي… لا توجد شخصية واحدة في الرواية إيجابية بالمعنى الأخلاقي أو الوطني … الرواية تتمتع مع ذلك بجرأة عالية، ولكن هل تكفي الجرأة وحدها؟… لكني أكرر أنني ما زلت ضد المنع، رغم كل ما ذكرت.
أما الكاتب أمير داود فكتب: لعلّ المتابع للأحداث المتسارعة التي أحاطت بقرار النائب العام الفلسطيني الذي يقضي بسحب رواية “جريمة في رام الله” للروائي الفلسطيني عباد يحيى من الأسواق واستدعاء كاتبها وناشرها سيقع في حيرة السؤال النهائي: ما الذي يريده النائب العام بالضبط؟ أو ما هو الشكل النهائي من الثقافة الذي يريد؟
وتابع داود: لا إجابات واضحة تقدّمها الجهات التي اتخذت قرار السحب حول ما حدث، إذ إن الدخول في دوامات التحرّي قانونياً “حول نصوص ومصطلحات مخلّة بالحياء والأخلاق والآداب العامة”، داخل الرواية، ثم الإصرار “أن هذا القرار لا يتنافى مع حرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون” بحسب ما ورد في بيان النائب العام، لا يكتفي فقط بعدم تقديم إجابة واضحة وشافية للمتابعين المصدومين حيال السقطة الخطيرة في هذا السياق، بل يزيد الأمر غموضاً حول مستقبل الكتابة والثقافة والحريات العامة في هذا الجزء من فلسطين المحتلة.
وأكد: لا تتوقّف حدود غرابة القرار عند سحب الرواية من الأسواق واستدعاء كاتبها وناشرها وموزعها، أمام غرابة من يعتقد، والآن تحديداً، في عصر السرعة والموجات الرقمية المتلاحقة، أنه يستطيع أن يمنع كتاباً من القراءة، وأن يمارس على القرّاء والمكتبات والكتّاب على حد سواء سطوة الملاحقة والمحاكمة والمنع!
وختم: لكن رواية “جريمة في رام الله”، وهي التي تذهب في معالجتها لبعض التشابكات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني من دون مواربة، وتستعرض جملة من التجارب الإنسانية من غير قشور ومجاملات، في حبكة روائية، لا يدّعي صاحبها أنه الأسبق إليها؛ تجربةً وكتابةً وشكلاً، قد أُخرجت عن سياقها، باقتباس هنا، وبتجريد لمضمون هناك، حتى وصل الأمر إلى المساس بشخص كاتبها بالتشهير حيناً والتهديد حيناً آخر، ما يدفعنا إلى التساؤل مرة أخرى: هل هذه هي الحريات العامة التي نسعى إليها وإلى صونها ومن الذي يمارس الأفغنة اليوم في المجتمع الفلسطيني وفي حياته الثقافية الجريحة؟
ماذا لو تركت الرواية؟
وبعيداً عن الآراء المتعصبة والغاضبة والتي وصل الحد فيها للتهديد، هناك من تساءل، وهم عديدون: ماذا لو تركت الرواية دون قرار بالمنع، ولم يصدر قرار النائب العام بحقها .. ومن بينهم أستاذ اللغة العربية والكاتب والناقد د. عادل الأسطة، بقوله على صفحته في “فيسبوك”: ترى لو تركت الرواية في المكتبات دون منع، كم نسخة كانت ستبيع؟ وكم قارئا كان سيسعى إليها؟
وأضاف: اليوم أنفقت ساعتين أتحدث ومعارف لي عن الرواية. أحد المصغين قال لي: لو كان النقاش سيكون على هذه الشاكلة لما اعترضت على الرواية. لم أدافع عن الرواية ولكني لم اغمط الروائي حقه. أنا شخصيا ضد التعرض له بسوء واذى وضد إيقافه ومع عودته من قطر إلى رام الله، وآمل ألا يحدث معه ما حدث مع نجيب محفوظ وسلمان رشدي.
وأضاف الأسطة: الرواية بنت مرحلتها إلى حد ما. هذا ما ألنا -صرنا-إليه. وإن كانت رام الله أكثر المدن التي اشتبكت مع الإسرائيليين في الأعوام الأخيرة.. السؤال هو :كم من شهيد شيعت رام الله؟ وكم من جريح أيضاً من المدينة في اشتباكات أبنائها مع قوات الاحتلال؟ وماذا عن فقراء المدينة وعمالها وتوحش رأس المال فيها؟ وماذا عن الثقافة فيها؟ عن متحف محمود درويش ومسارح المدينة/ مسرحها؟ ماذا عن ترييف جامعة بيرزيت؟ و…
وشدد: لن ينسى المرء اشتباكات شباب رام الله مع قوات الاحتلال، ولن ينسى مطلقاً منظر الشاب الذي حاول جيب عسكري إسرائيلي دهسه فتصرف بذكاء خارق ولم يصب بأذى. هذه وجوه أُخرى لرام الله.. ومع كل الأسئلة التي تثار فإن المرء يأمل أن تنتهي المشكلة بهدوء ودون ضجيج.
من جهته قال الفنان التشكيلي خالد حوراني على صفحته في “فيسبوك”، ونختصر منه: شكراً للنائب العام !!الذي جعل بقراره الخاطئ من رواية صفيقه أمراً مثيراً ينبري الناس للدفاع عنها وعن حرية التعبير.. شكراً للنائب العام الذي جعل من رواية مريضة تعاني من كل شيء وتفتقر للحس الانساني السليم، حديثاً للساعة وموضوعاً للتداول والانتشار …
واللافت، وهو ما أحببت أن أنهي به تقريري هذا، الذي لا يلم كل أو شيئاً يسيراً مما كتب حول الرواية، أن هناك خلطاً ما بين الرافضين للمنع، وما بين موقفهم أنفسهم من الرواية، فيمكن أن يكون الرافض للمنع مهاجماً شرساً أو أقل شراسة للرواية لاعتبارات فنية أو غيرها، ووفق رؤى نقدية أو دونها، ولكن رفض قرار النائب العام بضبطها، يأتي خوفاً من تأسيس نهج خطير لدى شعب يسعى للتحرر من الاحتلال، وسياسة قائمة على مزيد من الانضمام للمعاهدات الدولية التي تؤكد على الحريات الأساسية، ونضال مستمر بشتى الوسائل نحو دولة علمانية .. فالقرار، قد يعتبر، إذا ما كانت هناك مقاربة بين ما قاله لي الشاعر الكبير الحاضر الغائب محمود درويش ذات يوم، ونشر على صدر جريدة “الأيام”، حول منع بلدية قلقيلية قبل أكثر من عشر سنوات، وكانت تحت سيطرة حركة حماس، لحفل يحييه براعم فرقة الدهيشة للفنون الشعبية بدعوى حرمة الاختلاط، حيث وصف درويش الأمر بأنه “بوادر طالبانية”، إذا ما قورن بما يحدث اليوم .. ونتمنى أن يتم التراجع عن القرار، كي لا يكون كذلك

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب