الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادبصلاح جاهين: الغزل بوصفه شعارًا يُؤسّس لسلطة الإثارة/الثورة ..نصر جميل شعث

صلاح جاهين: الغزل بوصفه شعارًا يُؤسّس لسلطة الإثارة/الثورة ..نصر جميل شعث


الشاعر المصريّ العاميّ الأهمّ والأشهر الراحل صلاح جاهين جمع في رباعياته بين قصائد الطبيعة والأحياء الشعبية والمدينة. إذ تنمّ رباعياته عن فلسفة صادرة عن خلاصات تجارب في مدينةٍ يسُودُها الضجيجُ والصخبُ والتفاوتُ والتناقضُ في مستويات وتفاصيل التجربة المعاشة..؛ وعلى تخومها وفي قلبها تفاصيل الأحياء الشعبية التي لا تنفك تثرثر بفهارس مطاليبها وأوجاعها. لنقرأ هذه الرباعية، كمثالٍ يَتصادى مع رباعياتٍ كثيرة لجاهين: “زِحام وأبـواق سيارات مُزعجة/ للي يطول له رصيف.. يبقى نجا/ لو كنت جنبي حبيبي أنا/ مش كنت أشوف إنّ الحياة مبهجة/ عجبي!!”.
ولكن ما سنسلط الضوء عليه، في هذه المقالة، هو “لجوء” صلاح جاهين إلى الطبيعة وتوظيف كائناتها في بنية مُغرية ومثيرة وحميمة؛ حتى لتكاد تكون رومانتيكية. وذلك خدمةً لغرضٍ أو هدفٍ ثقافيّ واجتماعيّ في رائيها أو موظّفها. إذًا، وفي هذا الإطار، نستشهد بهاتين الرباعيتين، وندعمهما بقراءةٍ؛ لعلّ قارئًا يراها قدرةً على التأويل المقبول.
فلنقرأ هذه الرباعية الأولى:
كان فيْ قمرْ كـأنه فـرخ حمامْ
على صغره دقّ شْعاعْ شقّ الغمام
أنا كنت حاضر قلت لـه ينصرك
إشْحال لمّا حـَتبقى بـدر التمامْ
عجبي!!
وأما الرباعية الثانية، فتقول:
الـنهد زي الفهد نـَطَ انـدلــعْ
قلبي انهبش بين الضلوع وانخلعْ
ياللي نهيـت البنت عَـن فعلـها
قـول للطبيعة كمان تبطّـل دَلعْ
عجبي!!
في مقدورنا، إذًا، أن نرى كيف تفضي التشابيه الجميلة، في هاتين الرباعيتين، إلى تداخل أهواء الشاعر التي تثير، في آن واحد، تساؤلاتٍ عمّا إذا كان ثمة إخلاصٌ فطريّ عفويّ، من جاهين، باتجاهه للطبيعة والتغنّي بجمالها لذاتها في ذاتها، أم تحت إهاب ذلك توجد مُحرّكاتٌ أو مُحرّضاتٌ ظرفية؛ ما انفكت تدعوه لتجنيد مفردات الطبيعة، والعمل على تقوية الغزل والمرح الذين يظهران في الرباعية الأولى مرتبطين بالجدّ والأمل.
إننا أمام “فرخ حمام” على الرغم من صغره إلا أنه كان مُحرِّضًا على خلق صورة جمالية لافتة، ولم يكن أمام (الأنا) المُشاهِدة والمشاركة في تلقّى هذا الخلق، إلا التشجيع والنصرة. فما إن يتخيّل السامعُ صوتَ هذه (الأنا) يجد الصوتَ مُجلّلًا بإيقاعات الدعم والحماس والمراهنة على الاستمرار في النضج والتكملة.
لكن الأهمّ، من هذا التذوّق السماعي، هو أنّنا نرى الطبيعة بوصفها موضوعًا ظاهرًا في هذه الرباعية؛ فاعلةً ومتحوّلة، ذاتيًّا، مثلما تقول لنا الصورة الشعرية في الرباعية الأولى، والتي تقف على النقيض من الصورة الكاريكاتورية لدى برجسون صاحب فلسفة الضحك. فالكاريكاتور يقوم على التشويه باعتباره نوعًا من التصلّب يُصيب الشكل، ويَرجع إلى تَصلّبِ حركةٍ فقدَتْ مرونتها، إلى حدّ أن تحوّلت إلى تجعيدةٍ تجمّدت وسكنت سكونًا لانهائيًّا؛ فكأنما “الطبيعة” قد تَصلّبت، في يدٍ، بالمطلق!
إذًا، تدافعُ كلّ من الرباعيتين عن المدلول الإنساني الاجتماعي بأسلوب تقديم الطبيعة على الإنسان، وجعلها تعبّر عن معانٍ تمسّه في الصميم. فالجوهرُ الفنيّ، هنا، هو في تحويل الطفل برفعه- بوصفه معادلًا طبيعيًّا ناميًا- في الحرية بحالات نموّها وتحوّلها المستمرّ نحو اكتمالها. وقد تَجسّد ذلك كلّه في “قمرٍ” كأنه “فرخ حمام دقّ شعاعًا..”، والشعاعُ، بدوره، قد “شقّ الغمام”.
وهكذا سيُوظّف صلاح جاهين الطبيعة بحالاتها النامية والمتحولة الوثيقة بالبعد الثالث للزمن(المستقبل)؛ مازجًا هوى التغزّل بتأمّل ثوريّ واجتماعيّ عميق، في قمرٍ كان على الأرض هو الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر، الذي عاصرَه جاهين ونصرَه بالدعاء: “أنا كنت حاضر قلت له ينصرك”.
لكن ينادي الشاعر جاهين، في واقع هذه الرباعية، بعدم الفصل، في الحياة، بين الغزل والأمل، أو الحبّ والثورة. عند هذا التوظيف والمزج سنميل إلى كشف رموز الغزل بتسمية “فرخ الحمام” بالأنثى. ولم نسأل عن جنسه في البداية. وسوف تُؤسّس هذه الاحتمالية المُؤوّلة والمُعلنة، في التو، الصراعَ على مستقبل يؤول “حَمامةً” ستنقسم، بوصفها علامة تفكيكية، على نفسها: حرب/ سلام. من جهةٍ مقابلة ومعقّدة: عند الميل إلى ترجيج أنّ الفرخَ هذا هو “ذكَرُ حمام”؛ سوف نستحضر عملية التسافد بين الرجل الشجاع القويّ والحرب، كما فعل الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي (صنع السلام! الذي قتله)، كما يقال، على أسس الشجاعة والقوة وحسابات السياسيّة الإقليميّة، واستطاع، في ظلّ هذا التحوّل السياسي، تفريغ “الأنا الناصرية” من جذوتها في صدور الحالمين.
أو أنْ نجد أنفسَنا أمام معادلة الشجاع والهزيل، وهي المعادلة التي ستفضي إلى نتائج تتمخّض، وما تزال، عن علاقات الأمن والتهديد؛ تلك المبنية مع “الحمامة” السياسيّة، على مبدأ الركاكة والحماقة والاصطياد. هنا،

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب