
عمان – «القدس العربي» : ينتقل وزير الاتصال الناطق الرسمي الأردني الدكتور محمد المومني إلى صلب الأجندة المتعلقة بمصالح بلاده العليا وهو يرسل إشارات مجاملة مبرمجة سياسياً تجاه الجار السوري في خطوة لا ينقصها الذكاء حتى وإن لم تعجب بعض الجهات داخل وخارج الأردن. المومني لا يجتهد عملياً إلا عندما يتعلق الأمر باختيار العبارات لإنجاز المصالح السياسية والوطنية.
من هنا حصرياً يمكن اعتبار مداخلته الأخيرة في الموضوع السوري التي أثارت بعض الجدل تفاعلاً حيوياً ينطلق من قراءة عميقة للواقع، خالية من التخاصم العدمي مع نظام مجاور حسم الجزء الأكبر عملياً من الصراع العسكري في سوريا.
فعل المومني ذلك عندما تحدث عن استقبال إيجابي من جهة حكومة بلاده لأي موقف إيجابي يصدر بالمقابل من الجانب السوري. وفعله أيضاً عندما اوحى بأن عمّان تصطاد الإيجابيات وتبني عليها وتعيد قراءة الواقع عبر الإشارة لوجود قنوات يمكن أن تستثمر في نبش الإيجابية بدلاً من السلبية.
صحيح أن مقاربات المومني قد لا تعجب بعض زملائه أو بعض التيارات المناقضة تماماً للنظام السوري، حتى على حساب مجازفات يمكن أن تمس المصالح الأردنية. فالوزير المومني بالمقابل كان الطرف الوحيد، إذ منذ عام 2011 يؤسس لاستراتيجية إعلامية تنسجم مع موقف القيادة الأردنية في المسألة السورية حيث الدعوة دوما لمعالجة سياسية وليس عسكرية، بالتوازي مع التحذير من فوضى السلاح والحرص كما قال شخصياً لـ»القدس العربي» ومرات عدة على استراتيجية أمنية حدودية تمنع الأزمة السورية من العبور إلى المملكة.
اليوم تتغير المعطيات بسرعة عند الجار السوري الشمالي للأردن، فالجيش النظامي السوري يعود ببطء، لكن بثبات واضح إلى مناطق واسعة من الحدود مع الأردن، سبق له أن تركها أصلاً بما في ذلك معبر نصيب الرسمي الحدودي.
بعد ظهر الأربعاء تمكن السوريون مجدداً من السيطرة من دون قتال يذكر على مجموعة جديدة من المغافر ونقاط وغرف الحدود مع الأردن فيما بدأت عبر وساطة روسية وفي وقت مبكر من الشهر الماضي اتصالات تؤسس لتفاهم قد ينتهي بإعادة افتتاح وتشغيل معبر نصيب الحدودي الذي اشتغل فعلا بهدوء وصمت، على سبيل التجربة والاختبار مرات عدة الأسبوع الماضي، مع أن الخبير المتخصص بشؤون جنوب سوريا صالح ملكاوي تحدث عن معبر جديد خلافاً لنصيب.
لا يبني الأردن اليوم روايته الرسمية حول الملف السوري على أساس التسليم بعدم وجود قنوات اتصال مباشرة معلنة على الأقل مع دمشق، وما يلمح له الوزير المومني هو أن مثل هذه القنوات متاحة أحياناً، فيما كان وزير الخارجية أيمن الصفدي قد تحدث في جلسة مغلقة في الجامعة الأردنية منذ نحو أربعة أسابيع عن نشاط في التواصل مع القناة الروسية وعدم وجود قنوات اتصال مباشر بالنظام السوري.
قد لا ينطوي الأمر على رصد روايتين للحكاية نفسها بقدر ما يعكس وجود أو احتمالات وجود تيارين أو وجهتي نظر إزاء مسألة توقيت ومستوى وحجم الانفتاح على النظام السوري داخل مستويات القرار الأردنية.
في الأحوال كلها فوجود فلسفتين في السياق، أمر طبيعي لكن تفعيل قنوات أمنية غير مرئية مع أجهزة بشار الأسد في دمشق خطوة قد تساعد في فهم واستيضاح، ثم شرح تلك الإشارات التي وردت على لسان وزير «يحفظ درسه جيداً» من وزن المومني.
في الأحوال جميعها وفي ظل إشارات الحنين المشترك بين عمان ودمشق لاستئناف الاتصالات يبدو أن قصة الانفتاح على علاقات أسرع باتت مسألة وقت ليس أكثر خصوصاً أن الجيش النظامي السوري يعود بصورة مكثفة ومن دون اعتراض للحدود مع الأردن ومن دون ميليشيات إيرانية وبإقرار من موسكو الحاصلة بدورها على تفويض أمريكي إلى نقاط استحكامه القديمة بالقرب من حدود الأردن وعلى محوري السويداء ودرعا معاً.
يحصل ذلك بطبيعة الحال في إطار براغماتية أردنية قد لا تكون فعالة في نهاية المطاف، لأن باطنية النظام السوري ورقة استراتيجية يفهمها ويحتاط لها ولمفاجآتها المحتملة اللاعب الأردني، الذي لا يمكنه الرهان فقط على تصريح بثينة شعبان المنقول، والشهير حول عدم وجود نوايا للانتقام من عمّان.
النصائح التي تتلقاها عمّان من أصدقاء عرب مقربين من النظام السوري تحفز ذاكرة الأردنيين بعدم الرهان على تلك المجاملات الصادرة عن بثينة شعبان أو القصر الجمهوري السوري، ليس فقط لأن شعبان أبلغت وفداً أردنياً زارها بأن نظامها سينتقل بعد الحسم العسكري الكامل إلى مرحلة نشر ثقافة المقاومة في المنطقة.
ولكن أيضاً لأن سلسلة النصائح العميقة تحذر الأردنيين في الباطن من تلاعبات دمشق ومن ازدواجية النظام السوري واستمرار رغبته ــ برغم كل التسهيلات والتنازلات الأردنية مؤخرا ــ في تصدير أي أزمة جنوب الحدود. وهو سيناريو يفترض بأن خبرات الأردنيين تحتاط له من دون الرهان فقط على تلك الضمانات التي توفرها موسكو. ذلك هو المنطق الذي يستخدمه تقريباً في اجتماعات التقويم الداخلية أنصار التحذير من الانفتاح على النظام السوري الشغوف بطبيعته للرد والانتقام. لكن بالمقابل يرفض التيار العقلاني مثل هذه المبالغة ويتحدث عن سلسلة أدلة وقرائن على أن سوريا ستكون مشغولة بحالها خلال الـ 20 سنة المقبلة.
وعلى أن ضمانات الوجود الروسي في عمق المعادلة السورية نقطة تحول استراتيجية في المنطقة يمكن أن توفر الحماية للمصالح الأردنية، وأيضاً على أن الأردن يمرر وبتعاون امتداد الجيش النظام السوري على طـول الحـدود.
المخاوف جزء أساسي من التعاطي أردنيا مع الملف السوري، وبالأحوال كلها، وتلك القاعدة التي سبق أن أعلنها المخضرم سعد هايل السرور، لازالت قابلة للخدمة، حيث أن الأردن سيسهر ليله الطويل بالأحوال جميعها بصرف النظر عن نتائج الحسم العسكري في الأزمة السورية. ثمة من يقول: إن المصالح الاقتصادية الحيوية الناتجة عن إعادة فتح معبر نصيب تخدم سوريا والأردن معاً، وبالتالي تعزز تيار أو جناح القراءة الواقعية في دوائر القرار الأردنية.




