لا يبدو ما يحدث في مصر ذا أثر واضح ومباشر على الأردن؛ أو لنقل إن تأثيره ليس حتميا وتلقائيا. ولكنه يحمل مؤشرات ودروسا كثيرة للحالة السياسية الأردنية، وللإخوان المسلمين؛ يمكن استيعابها وقراءة المستقبل على ضوئها. وهي أحداث تعيدنا إلى السؤال الذي طُرح ويطرح منذ “الربيع العربي”: ما المتفق، وما المختلف بين مصر والأردن؟
ثمة اختلافات واضحة وكبيرة بين الحالتين المصرية والأردنية؛ على مستوى الدولة والنظام السياسي والجماعة نفسها، ما يجعل المقارنة غير ممكنة أو قابلة للبحث. ولكن ذلك لا يقلل من جدوى وأهمية السؤال عن مستقبل الإخوان المسلمين في الأردن؛ ومواقعهم المقبلة في الدولة والمجتمع وفي الحياة السياسية والعامة، ومدى تأثرها بما يجري في مصر.
يمكن تحويل السؤال عن تداعيات ما يجري في مصر إلى مجموعة أسئلة أردنية: هل سينمو الإحساس القائم ابتداء لدى الإخوان الأردنيين بأنهم مستهدفون، وأنهم معرضون للتهميش والاقتلاع والمحاصرة؟ هل سيتعزز الفكر الانفصالي للإخوان المسلمين، ويتغلب التيار والاتجاه الذي يرى نفسه القلة المؤمنة في مواجهة الجاهلية والحرب على الإسلام؟! هل سيشكل الإخوان المسلمون فكرهم وبرامجهم ومواقفهم على أساس فكرة الصراع المصيري أو الصفري المتبادل؟ هل سيكون بمقدور الإخوان المسلمين والتيارات السياسية والفكرية الأخرى العمل والتعاون والائتلاف وحتى التعايش؛ وبخاصة من القوميين واليساريين الذين أظهروا تأييدا عاطفيا جارفا للقضاء على الإخوان بأي شكل وأي وسيلة، والاستعداد لتأييد الانقلاب العسكري ورفض الديمقراطية لأجل محاربة الإخوان المسلمين؟ هل الثقافة السياسية والمجتمعية السائدة تشجع على تنظيم وإقامة حياة سياسية قائمة على التنافس والتعايش في آن معا؟ هل يشكل الإخوان المسلمون عقبة أمام التنمية السياسية؟ هل يراجع الإخوان المسلمون أفكارهم ورؤيتهم لأنفسهم وللدولة والمجتمع؟ هل يصلح الفكر السياسي الإسلامي في حالته القائمة والملهمة للإخوان المسلمين، لإقامة حياة سياسية ديمقراطية، وبناء إجماع وطني وتقدم اقتصادي وتعزيز الحريات؟ هل ستتغير الثقافة السياسية لدى “الإخوان” والمجتمع باتجاه وضع جديد لعلاقة الدين بالدولة ودوره في الحياة السياسية؟ هل سينشئ الإخوان المسلمون استراتيجيات وتكتيكات جديدة للعمل السياسي والمشاركة العامة، وبناء وتنظيم العلاقة مع الدولة والمجتمع؟
يؤشر التفاعل المجتمعي والإعلامي مع الأحداث في مصر، وسورية من قبل ذلك، على أن المجتمع الأردني مرشح للانقسام الاجتماعي العميق، وأن الصراع والخلاف مع الإسلام السياسي والاتجاهات الدينية بعامة سوف يتحول إلى صراع وانقسام علماني-ديني، يمتد إلى أسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي والفردي؛ وأنه خلاف سوف يؤدي إلى أنماط جديدة من تحدي الجماعات الإسلامية، بإظهار السلوك الاجتماعي والشخصي المخالف في الثقافة واللباس والسلوك والحياة الفردية والاجتماعية، وتنامي نزعة علمانية تعبر عن رفضها للإسلام السياسي بتحدي أنماط السلوك والتعاليم والثقافة الاجتماعية المستمدة من الدين. وسوف يؤدي ذلك إلى انقسام اجتماعي وثقافي، واختلاف يؤدي إلى تمايز في السكن والإقامة والمدارس والتعليم. وفي المقابل، تنمو اتجاهات التحدي والتعبير عن الهوية والذات بمزيد من التمسك والسلوك المحافظ في اللباس والطقوس والشعائر والسلوك بعامة!
ويصاحب هذا الانقسام الاجتماعي والثقافي المتشكل أو الآخذ في التشكل، الشعور التاريخي العميق والمتراكم لدى الإخوان المسلمين بالاستهداف والمظلومية، وأنهم يخوضون حرب الدفاع عن الإسلام، وأن كل ما يفعله الآخر ويتخذه من أقوال وتمظهرات إنما يجري في سياق الحرب على الإسلام، وأنهم يُحارَبون لأنهم مسلمون، أو كما يقول شاعرهم:
إلهي إني قد غدوت هنا سجينا لأني أنشد الإسلام دينا
وأنهم (الإخوان) مثل حالة “أتقتلون رجلا يقول ربي الله”. وبالطبع، فإن هناك جماعات صغيرة غير الإخوان المسلمين تتشكل اليوم حول هذه المشاعر والأفكار؛ ترى نفسها مهددة وتنشئ أفكارا ومقولات اتهامية لا تسمح للحوار وحتى للاستماع!
وإذا أضيف إلى هذه الانقسامات والتشكلات حالات اجتماعية واسعة، قائمة على الشعور بالانفصال والإقصاء وعدم المساواة، فإننا في مواجهة حالة صلبة ومتماسكة من عدم الاندماج والعجز عن التعايش والفهم المتبادل والاستماع. ويكاد يكون التفاعل والانقسام حول ما يجري في سورية ومصر مناورة حية أو صورة تقديرية للاستعداد الكبير للاستعداء والنزاع والرفض المتبادل. وبالطبع، فإنها حالة لا يمكن أن تشجع على نشوء تنافس انتخابي، ولا قيام حكومات برلمانية، ولا وجود أحزاب وحياة سياسية حقيقية، ويجب ألا نلوم “الإخوان” وحدهم!.
الغد الاردنية .





