الثلاثاء, مايو 12, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادب"كار ت" جمانة دعيبس.. حياةٌ أكثر حياةً!

“كار ت” جمانة دعيبس.. حياةٌ أكثر حياةً!

الايام -يوسف الشايب:كعادتها، تواصل الفنانة جمانة دعيبس، ليس فقط تحدي ذاتها إبداعياً، والتأكيد على استثنائية عروضها الأدائية، وما تقدّمه من مزج لأنماط فنيّة متعددة يحمل بصمتها الخاصة، بل على بث الدهشة والانبهار، وهو ما كان في عرضها “كار ت” (CAR T)، الذي احتضنته قاعة المسرح البلدي بدار بلدية رام الله، ضمن فعاليات مهرجان رام الله للرقص المعاصر، مساء أول من أمس.
في العرض، أزاحت راقصات الملاءات البيضاء بما يحملنه من تأويلات تلامس الموت بشكل ما، في المشهد الأخير أو ما قبله على الشاطئ، كان الرمز بالانتصار إلى الحياة، وهو ما تجلّى في حرب دعيبس البطولية ضد “السرطان” على مدار سنوات.
وتبدى الانتصار للأمل رغم مشوار الألم، جليّاً في العرض، حيث كرسي العرش الخارج من الأزرق الذي يبتلع كل شيء، وحيث هي الملكة المتوجة دون صولجان أو تيجان أو ملابس فاخرة من دور الأزياء العالمية، ليدرك المشاهد أن ثمة انتصاراً ما يدفعها لتقفز من حافة كل شيء، إلى أعماقنا.
وفي مزيج بين أدائها في الشاشة منفردة، تتأرجح بين شاطئ البحر، أو في سرير المستشفى، أو بين الأجهزة الطبية على تنوعها، وانطلاقها على الخشبة، في لوحات تجمعها بالراقصتين ربيكا قاعود ورمز صيام، قدمت دعيبس عرضاً جمعت فيه كعادتها بين أكثر من نمط فني، فكان الأداء بتشكيلاته رقصاً معاصراً، وشيئاً من المسرح الصامت، والأكروبات، وحتى السيرك، وما بين سينما أبدع في إنجازها يوسف حماد (استوديو سيرداب)، فكان فيلماً هي ورحلة شفائها الذاتية بطلتاه، بالإضافة إلى الراقصتين المجللتين بالبياض، قبل أن ينزعا عنهما كفنيهما، أو لعله كفنها المُفترض، والذي حاربت بكل شراستها في مواجهته، وانتصرت برفقة زرقة البحر والسماء على الشاشة.
لقد قُدّم على الشاشة فيلم يعكس القدرات التمثيلية لدعيبس دون أن تنطق شفتاها بأي حرف، في حين كان لعينيها بالتوازي مع بقية تكويناتها الجسدية الدور المحوري في حواريّات جوّانية.
وما قُدّم على خشبة المسرح لم يكن أقل روعة على مستوى التكوين، والحركة، والإيقاعات الجسدية المتسقة مع موسيقى “قلق” وأصوات مجد حجاج ومايا الخالدي، لتكتمل لوحة “كار ت” (CAR T)، بما يتجاوز العرض الأدائي على مستويي التقديم وتأويلات التلقي.
من الشاطئ إلى شرفة المنزل داخل الشاشة، وعلى وقع أصوات الأجهزة الطبية، كانت الانطلاقة، لتلعب الأريكة دور المسرح في الشاشة، قبل أن تنطلق الأريكة ذاتها من داخل الشاشة إلى خشبة المسرح.
وبالتنقل أحياناً والتماهي أحياناً أخرى، بين فيلم “كار ت” والعرض الأدائي “كار ت”، نرى دعيبس تتصالح مع الموت أحياناً لعلها تنجو منه، فتصفعنا بأن نستفيق من موتنا الحيّ شكلانياً، إلى حياة أكثر حياة.
جدير بالذكر أن “كار ت” أو (CAR T)، بالفصل ما بين الثلاثة أحرف الأولى والرابع الأخير، هو مصطلح طبي لعلاج مضاد لمرض السرطان بالاتكاء على ما يسمى الخلايا التائيّة، عبر تعديلها في إطار علاج مناعي، فالتاء (T) رمز للخلايا التائية، و”كار” (CAR) هي المركبات المستخدمة في هذا العلاج، أما عرض جمانة دعيبس، فكان من جهة محاكاة لتجربتها في هذه التقنية العلاجية، التي عاشتها وعايشتها على الكثير من الحواف، كحافة الموت، وحافة البحر، وحافتي الشاشة والخشبة، بل وحافة الرقص أيضاً، ومن جهة أخرى وسيلة فنيّة جعلتنا نواجه كل الخلايا القبيحة التي تلوث حيواتنا.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب