أقلام واراءزوايا

المشكلة ليست في تدمير الأسلحة الكيماوية، ولكن! … بقلم : رشيد شاهين

189353_345x230

عندما تداعت أطراف الدنيا على العراق، كان الهدف المعلن،هو إخراج القوات العراقية من الكويت، وبعد أن تحقق ذلك بالطريقة التي يعلمها الجميع، بدأت المطالب بالتدحرج، فبعد فرض الحصار الذي حصد الملايين، وصل الحال إلى ما وصل إليه من قضايا لا تتعلق بالمطلق بملف الكويت، وانتهى الأمر بغزو العراق وباحتلال أتى على الأخضر واليابس، وقوض أسس الدولة والكيان العراقي، وافتعل جرحا عميقا في الجسد العراقي يتمثل بطائفية كريهة، وصار البلد وما زال على حافة انقسام قد ينتج عنه تحويل البلد إلى بُلدان ودويلات متناحرة منقسمة.

في سوريا، ما يقال عن الأسلحة الكيماوية ليس سوى ذات الدوامة التي تم أَخْذُ العراق إليها، هذه الأسلحة التي لا نعتقد بان هنالك ضيرا في تدميرها، خاصة وانها لم تستعمل أبدا ضد عدو غاشم، أو معتد أثيم، وكل ما كان من أمرها ليس سوى استنزاف لموارد مالية واقتصادية، وحَصرُّ للعقل العلمي السوري بتطوير هذه الأسلحة التي لم تستعمل ولا نعتقد بأنها سوف تستعمل ضد الأعداء، خاصة إذا كان هؤلاء “الأعداء” يتمثلون في دولة الكيان الصهيوني، لأن استعمالها على نطاق واسع كما يعتقد الخبراء سوف يؤذي سوريا أيضا بسبب القرب الجغرافي للبلدين.

وما دام الأمر كذلك، أي ما دام الكيماوي لم يستعمل على مدى سنوات الصراع، وظل يقبع في مخازنه، وطالما أنه يعتبر استنزافا للثروة، بالإضافة إلى حصر العقل العلمي في إطاره، فانه من الأفضل ان يتم تدميره، وتوجيه العقول والأموال للعمل على مصادر للقوة أخرى، يستفيد منها الشعب السوري وأجياله القادمة.

عندما نستدعي التجربة العراقية، فذلك إنما يأتي على خلفية ما رشح وتم إعلانه من بنود للاتفاق الروسي الأمريكي فيما يتعلق بتدمير الكيماوي السوري، حيث اتُّفِقَ على ان من حق المفتشين “الذين أثبتت تجربة العراق انهم ليسوا سوى مجموعات من الجواسيس تتنقل بحرية تحت غطاء شرعي”، التحرك كيفما شاءوا والدخول أينما أرادوا، ولن يكون هنالك مواقع ذات حصانة حتى لو كانت قصورا رئاسية أو مواقع عسكرية حساسة أو إستراتيجية، أو جامعات أو معاهد بحثية….الخ, وهذا ما سيتيح لهم الوصول إلى ما لم يكن بالإمكان الوصول إليه قبل ذلك أبدا.

هذا الدخول والوصول إلى أي مكان، يعني الادعاء على أي شيء بأنه يدخل في صناعة الكيماوي، وعليه، فان من الممكن تدمير ليس فقط الصواريخ المرشحة لحمل الكيماوي، لا بل وحتى الشاحنات الثقيلة التي يمكن ان تستخدم في أي شيء، تحت عنوان الاستخدام المزدوج الذي استخدم في العراق. هذا العنوان الذي تم استخدامه حتى لمنع أقلام الرصاص إذا كان ما زال هناك من يتذكر هذا الموضوع.

وتحت ذريعة تدمير الأسلحة الكيماوية، “التحقق الصارم من هذا التدمير” كما ورد بالاتفاق، قد يأتي الدور على العلماء الذين صرفت عليهم ملايين الدولارات لتأهيلهم، وقد يصل الحال إلى المطالبة بإخراجهم “وشحنهم” إلى دول أخرى، حتى لا يشكلوا الأدوات التي تستطيع من خلالهم سوريا إعادة إنتاج الكيماوي أو سواه.

وضمن هذا السياق قد يتم الطلب من سوريا ان تلعب دور “المخبر” الذي لا بد له من “الإبلاغ” عن كل من تعاون في هذا الإطار، سواء كان هؤلاء دولا أو شركات، أحزابا أو بنوكا أو مؤسسات.

موافقة سوريا على ان تكون جزءا من اتفاقية الأسلحة الكيماوية، لن يغير من الأمر شيئا، حيث سيبقى الهدف الأمريكي الصهيوني هو ذاته “تجريد سوريا من كل مقوماتها العسكرية”، التي يمكن ان تشكل خطرا على دولة الاغتصاب، حيث لن يكون مستغربا ان تتم المطالبة بتدمير كل الصواريخ التي تصل “مدياتها” إلى العمق الصهيوني، بحجة إمكانية حمل المواد الكيماوية، كما ان الإشارات الموجودة في الاتفاقية “حول المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة” ستكون سيفا مشرعا على رقبة سوريا، ما سيجعلها مطواعة خانعة لكل ما قد يُطلب منها.

ما جاء في الاتفاقية حول “الدورية والانتظام فيما يتعلق بالتيقن من تنفيذ سوريا للاتفاق” يعني ان سوريا ستبقى ساحة مشرعة ومستباحة لكل من هب ودب ممن يقال عنهم مفتشين أو مراقبين دوليين، “وفي حال عدم التزام سوريا وامتثالها ينبغي فرض ما يتوجب وفقا للفصل السابع”، كما ان ما ورد “من تدمير المرافق المتعلقة بإنتاجها وتطويرها” يشمل فيما يشمل العلماء الذين تمت الإشارة إليهم، وكل ما يتعلق بما يمكن ان يكون ذا صلة بهذه الأسلحة.

ما ورد حول “إلزام سوريا التعاون بشكل كامل” يعني ان بإمكان أي من المفتشين الادعاء ان سوريا لا تتعاون، حيث كان مثل هذا “التعاون الكامل” محل شك في كل مراحل التجربة العراقية، وهذا كان من الأسباب التي جعلت من العراق ساحة مفتوحة للاعتداءات والعدوان تحت حجة عدم التعاون.

ان “تدمير معدات الإنتاج، والأسلحة التي يمكن ان يعبأ بها الكيماوي من صواريخ وقنابل وألغام”، كل هذا يعني ما ذهبنا إليه من إمكانية تدمير ما لا يخطر بالبال، تحت ذريعة إمكانية الاستعمال في الأسلحة الكيماوية، وفي هذا الإطار وللتذكير فقط، يمكن الحديث عن منع أهالي قطاع غزة التزود بمواد البناء تحت ذريعة إمكانية استخدامها في القدرات العسكرية لحركة حماس.

لسنا “بَكّائين” على الأسلحة الكيماوية التي لم تستخدم ضد أي من أعداء الأمة، بقدر ما نراه من إعادة لتجربة معمر القذافي الذي سارع إلى تسليم وشحن “بأموال ليبية” كل ما لديه من قدرات إلى أميركا بعد احتلال العراق، ما نبكي عليه هو ما ينتظر سوريا من إضعاف وتدمير ممنهج لقدراتها التي كانت يمكن ان تشكل ذخرا للأمة ومصدر قوة وعز لسوريا، لو أن أطراف النزاع هناك، ارتقت إلى ما تدعيه من مسؤولية وحرص على الوطن والشعب والدم الذي ما زال يسيل من خلال الأيدي الآثمة التي تُطَبِّق بوعي أو بدونه أجندات أعداء الأمة.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى