غزة – “وكالة سند”: تعيش النساء في غزة كابوساً يومياً بسبب الحرب، حيث تُسلب منهن خصوصيتهن وأحلامهن، وكل قذيفة تسقط تعيد ذكريات مؤلمة وتسرق الأمان من بيوتهن.
وفي ظل الغارات العنيفة، تتلاشى مشاعر الأمان، ويُجبرن على التكيف مع واقع مؤلم يلاحقهن في كل مكان. يجدن أنفسهن في شوارع مليئة بالأنقاض، يفتقدن لحظات السعادة البسيطة، ويكافحن لحماية أسرهن وأطفالهن، كل ذلك بينما يحملن آلام الفقد والخوف في قلوبهن.
وتشير التقديرات إلى استشهاد أكثر من 10,000 امرأة، من بينهن 6,000 أم تركن 19,000 طفل، بينما تواجه الناجيات ظروفاً قاسية من التشريد وزيادة خطر المجاعة، وفق تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في أيلول الماضي.
وأشار التقرير إلى أن 162,000 امرأة معرضات لخطر الإصابة بأمراض غير معدية، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، ما ينذر بعواقب صحية خطيرة بسبب انقطاع خدمات الرعاية الصحية.
تسير منى الأميطل، إحدى الصحافيات اللواتي شهدن الدمار، في شوارع غزة المليئة بالأنقاض، محملةً بعبء التجارب المؤلمة التي عايشتها. حين تذكرت لحظة النزوح، أُغشي عليها إحساس الفقد، إذ أجبرت على ترك منزلها، ذاكرة الطفولة، حيث كانت تلعب وتضحك.
أسرتها لم تكن فقط بحاجة للنجاة، بل كانت بحاجة لاستعادة الأمل وسط الفوضى، حيث عانت منى من فقدان المساحة الشخصية، لكن ذلك لم يمنعها من الوقوف مجدداً، وكأن رياح الحرب كانت تلاحقها، ولكنها ربطت نفسها بجذور الأرض، تشبثت بأمل العودة.
وحول تجربة العيش تحت وطأة الحرب، وأكثر اللحظات التي شعرت فيها بشراسة النزاع وتأثيره عليها كامرأة، قالت إن “هذه التجربة تعتبر من أقسى التجارب الحياتية التي يتعرض لها الإنسان. في بداية الحرب، رفضت وعائلتي النزوح للجنوب، ومع اشتداد القصف، تجلت شراسة الحرب في اللحظات التي نزحت فيها من بيتي في جباليا تحت القذائف التي كانت تنهمر علينا”.
وأضافت “استهدفت قوات الاحتلال البيت المجاور لنا، وطارت الشبابيك ونحن بالداخل. قررنا الخروج للاحتماء بمدرسة قريبة، ورفض الناس استقبالنا بداعي أنه لا مكان لديهم، ما دفعنا للافتراش تحت السبورة في أحد الصفوف، دون أغطية أو فراش، في عز برد كانون الأول، وشعرت حينها بضيق الدنيا علينا”.
وتابعت “عندما وصلت دبابات الاحتلال صباح اليوم التالي، أرغمتنا على النزوح من المكان، وأخذت كل الرجال. نزحنا داخل المدينة نحو الجامعة الإسلامية، حيث لم يكن لدينا حمّام ولا طعام، وكنا نعاني من المجاعة. بقينا في مبنى مقصوف لمدة تقارب الأسبوع، وعند عودتنا للمنزل، كانت الدبابات في نهاية الشارع. ركضنا واحداً تلو الآخر حتى دخلنا بوابة عمارة خالتي، حيث لم يكن لدينا مجال للعودة لبيتنا في جباليا. في تجربة النزوح تلك، شعرت بانتهاك الخصوصية جداً”.
وقالت “أعتقد أن التأثير النفسي على النساء مضاعف، فالأعباء على الأمهات أعنف. عدت للعمل مؤخراً، تقريباً بعد اجتياح جباليا الأخير، ولكن بوتيرة غير منتظمة لإنتاج القصص الصحافية والتقارير، زاد العبء النفسي علي وأنا أحاور الفاقدين وأمهات اللواتي فقدن أطفالهن. ساءت حالتي النفسية مع كل تقرير أكتبه عن شهيد، حتى أنني أكتب أي قصة بإجبار نفسي على العمل. كنت أظن أن العمل سيشغل وقتي، لكن ذلك زاد الطين بلة، وأبكي مع كل صورة طفل تحكي أمه عنه”.
وأضافت “لم أفقد الكثير من خصوصيتي. عندما نزحت، ذهبت لبيت خالتي الذي أظل فيه لفترات طويلة حتى دون حرب. لذلك، لم أفقد خصوصيتي إلا في فترة النزوح القصيرة، حيث نتعايش مع فقدان الخصوصية الذي فرض علينا عنوة”.
وأكدت: “لم أتلق أي دعم نفسي أو اجتماعي يساعدني على التعامل مع آثار فقدان الخصوصية، لكنني في بيئة الحرب أحاول الحفاظ على شعوري الداخلي بالقوة والكرامة. عندما نزلت في المدرسة والجامعة، دخلت في حالة اكتئاب، لكنني تمسكت بقوتي رغم سوء حالتي النفسية”.
وتابعت: “كنت أخرج كثيراً من الغرفة التي نزحت إليها، أتوجه لسوق الثلاثيني أو باحات الجامعة لأجد قليلاً من الهدوء والخصوصية. أكثر ما كان يزعجني هو عدم توفر الخصوصية في الحمامات، ما جعلني أشعر بانتهاك كرامتي وخصوصيتي”.
وأشارت “كنتُ أتعامل مع التوتر اليومي الناتج عن الضغوط الحياتية بمحاولة السيطرة على انفعالاتي. أعيش الحالة بالكامل، لكن التوتر لا يختفي بسهولة، يبقى الخوف من المجهول دائماً”.
لا يختلف حال ربا العجرمي كثيراً عن منى، فكلاهما يعيش المعاناة ذاتها تحت وطأة الحرب. تصف الصحافية العجرمي الحياة في قطاع غزة بأنها تختلف تماماً عن أي مكان آخر، مؤكدة أن ما يجري ليس حرباً عادية، بل إبادة جماعية تفرض حياة لا إنسانية.
وأوضحت أن الاحتلال يتعمد خنق الفلسطينيين وتضييق سبل العيش في غزة بكافة الوسائل الممكنة، في تجاهل للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان التي تضمن حماية المدنيين.
وبينت أن عمليات النزوح القسري تزيد من معاناة الناس، إذ يتم إجبارهم على الانتقال إلى أماكن لا يملكون فيها أي سيطرة، ما يجعل الخصوصية منعدمة.
وقالت: “هذا الوضع يؤدي إلى فقدان الخصوصية للجميع، حيث تشترك العائلات في الحمامات والمرافق العامة، ويضطر أكثر من 10 إلى 20 فرداً للنوم في غرفة واحدة أو خيمة واحدة بسبب عدم وجود مأوى آخر”.
وأكدت أن النساء يعانين بشكل خاص من هذا الوضع، إذ تفرض عليهن العادات والتقاليد ضرورة الالتزام بملابس معينة، ما يقيّد حركتهن.





