يقول خبراء الصحة وعلماء الأنثروبولوجيا: إن العلم تمكن من إطالة متوسط عمر الإنسان، من 40 سنة في بداية القرن العشرين إلى نحو 70 – 80 سنة مع بداية القرن الحادي والعشرين.. فما مدى دقة هذا الطرح؟
يبلغ متوسط عمر الشمبانزي نحو خمسين سنة، وقد يمتد به العمر إلى الستينات.. يعيش عمره في الغابة، دون رعاية صحية، ودون لقاحات ولا مضادات حيوية.. والشمبانزي هو النسخة الأقرب جينياً لبني الإنسان.. ما يعني أن الإنسان الطبيعي يعيش لما بعد الستين إن أمكن له النجاة من الحروب، وحوادث الطرق، والأمراض المعدية.. وهذه الحالة تكررت بقدر يصعب حصره، وأقصد قديماً، وقبل الثورة العلمية الأخيرة.. ولدينا العديد من الشخصيات المشهورة التي عمّرت طويلاً، لما بعد الثمانين، ولم يكن وجودهم آنذاك أعجوبة، ولم يُنظر إليهم ككائنات غريبة معمرة.
ولكن، وبالنظر إلى الإحصاءات وتحليلها بيانياً، سيكون ادعاء خبراء الصحة صحيحاً، ودقيقاً إلى حد كبير.. وما يجب التنبه إليه لفهم هذا التناقض أن تلك الإحصاءات كانت تأخذ بعين الاعتبار متوسط عمر الفرد قياساً بعدد الناس الكلي، وبما أن تلك الأزمنة كانت تفتقر لأدوات ومقومات الرعاية الصحية، وكانت تشهد الصراعات والحروب، وانتشار الأوبئة، كانت نسبة أعداد الوفيات مرتفعة جداً.. كان المحظوظون فقط من يتجاوزون كل ذلك، وتمتد بهم الآجال لما بعد الخمسين.. بل لو رجعنا لعشرة أو عشرين ألف سنة مضت سنجد أن المحظوظين فقط من يتجاوزون العشرين عاماً.. وكلما تقدم العلم خطوة، وتغيرت ظروف الحياة والبيئة المحيطة للأفضل زاد عدد المحظوظين بأعمار أطول، وهكذا.
فمثلاً، جائحة كورونا التي أتت قبل سنوات قليلة قتلت نحو عشرة ملايين إنسان حول الكوكب، فلو أنها أتت قبل قرنين من الزمان ربما لقتلت مائة مليون إنسان.
بعد الفتوحات الثورية في عالم الطب، وتشريح جسم الإنسان، واكتشاف الجراثيم والفيروسات واختراع اللقاحات والمضادات الحيوية صار بوسع الأطباء توفير فرص أكثر للناس للنجاة من الموت المبكر.. ومع تقدم الطب والصيدلة، وكل العلوم المتصلة بهما، وتوفر الخدمات الصحية والرعاية الأولية، والطب الوقائي، والوعي الصحي.. ومع تكنولوجيا العصر الحديث، التي صار بوسعها سبر أغوار الجسم حتى أعمق أعماقه، وتصويرها بدقة متناهية، لم يعد الأمر مقتصراً على الحيلولة دون الموت المبكر، أو إسكات الآلام، أو تقصير فترة المرض وعلاجه، بل وتوفير الظروف الجسدية والبيئية التي بوسعها تمديد عمر الإنسان أكثر فأكثر.
منذ عقود عديدة توصل الطب إلى فهم حقيقة أسباب الموت: بكتيريا، فيروسات، انفجار الزائدة الدودية، انسداد الشرايين، التهاب الرئتين، تورم الخلايا، الحوادث وجرائم القتل وحالات الانتحار.. إلخ؛ وهنا لا وجود للأرواح الشريرة، ولا للحسد، كلها أسباب مادية وتقنية ومعروفة، وصار بالإمكان معالجتها.. بقيت معضلة مجهولة الأسباب، وهي هرم الخلية وشيخوختها واضمحلالها تمهيداً للموت.
وحتى اللحظة الراهنة لم تتوصل الأبحاث لطريقة فعالة بوسعها حل هذه المعضلة، ولكنها على الأقل تمكنت من تحديد الجين المسؤول عن هذه المشكلة، وقد يتوصل العلم مستقبلاً لحل ما، بحيث يتم تجديد الخلايا، وجعلها شابة وحيوية لفترات أطول بكثير.. أي الحصول على إكسير الشباب، وتحقيق حلم الخلود.
واليوم، تعتبر الهندسة الوراثية أقوى وأهم المجالات في تمديد عمر الإنسان لآجال لم تكن متوقعة من قبل، فلو قلتَ لشخص عاش على هذه الأرض قبل عشرين ألف سنة أن عمر الإنسان سيتضاعف في المستقبل خمس مرات فلن يصدقك.. لكن هذا حصل وتحقق بعد مئات السنين من التقدم والتحضر والأبحاث العلمية.. فما المانع أن تتم مضاعفة متوسط عمر الفرد، من سبعين سنة إلى مائة وخمسين؟ طالما أن قطار العلم ماضٍ دون توقف.
المشكلة أن الإنسان ومنذ آلاف السنين كان مستسلماً للموت، ومتقبلاً له، وكل ما فعله أنه حاول التحايل عليه بطرق شتى: استبدل فكرة العمر الطويل بفكرة الحياة ما بعد الموت، أي خلود النفس أو الروح، أو انتقالها إلى عوالم أخرى، أو استنساخها.. فعل ذلك عن طريق السحر، وعن طريق الفن، كما قال درويش «هزمتك يا موت الفنون جميعها».
اليوم، من يتصدى لفكرة الموت هو العلم.. والذي يعدُ بأعمار تمتد مئات السنين.. أي بعد حل معضلة جينات الشيخوخة، وإيجاد دواء لكل مرض، هذا يبدو الآن خيالياً (كما كانت فكرة العيش مائة سنة خيالية في الأزمنة الغابرة).. ومن يحارب فكرة الخلود أو العيش لمئات السنين جهات كثيرة، أولها الدين الذي يفرض التسليم بالقدر، وثانيها ما يترتب على فكرة العيش الطويل من مشاكل وأسئلة عويصة.
فمثلاً أي حكومة ستدفع راتباً تقاعدياً لمائتي سنة؟ وتخيل أن مديرك في العمل مضى على تعيينه بمنصبه سبعين سنة، وما زال يحمل الأفكار القديمة.. ورئيس دولتك مضى على انتخابه مائة سنة وما زال متمسكاً بالحكم.. تخيل ارتباطك بزوجتك مائتي سنة.. وأنك لم تلتقِ بابنك المسافر منذ 150 سنة.. وقد بلغت 500 عام ولديك حمولة هائلة من الذكريات الحزينة والتجارب الفاشلة.. وأنك ستعيش آخر 300 سنة وحيداً دون صديق ولا مؤنس.
كل هذه الأسئلة وغيرها من المستحيل الإجابة عنها الآن، ذلك لأننا نسقط إجابات المستقبل على الحاضر، بكل قوانينه وعلاقاته وأنظمته ومفاهيمه وقيمه وأساليب عيشه.. مع العلم أن ذلك كله سيتغير جذرياً مرات ومرات، ولن يكون شبيهاً بما نألفه اليوم.
فكما نستغرب اليوم من طريقة عيش أسلافنا القدماء، وكيف تمكنوا من النجاة، وكيف تدبروا أمورهم بلا كهرباء ولا سيارات ولا تكنولوجيا، سنستغرب أيضاً من طريقة عيش أحفاد أحفادنا بعد زمن بعيد.. بتكنولوجيا وعلوم وتقنيات وأساليب حياة وقيم ومجتمعات مختلفة كلياً.
صحيح أن التحدي الأهم أمامنا اليوم كيف نعيش حياتنا القصيرة بكرامة وأمن وبأقل قدر من السعادة على الأقل.. دون حروب ولا حواجز ولا ظلم ولا تعديات.. لكن هذا، ومع أهميته، لا يمنع من مجرد التفكير وتخيل أشكال الحياة في القرن الثاني والعشرين، أو بعد خمسة قرون مثلاً.. مجرد تخيل.
عن صحيفة الايام





