تقرير – عهود الخفش خاص نضال الشعب / يقيم المواطن هايل بشارات “80 عاما” مع 17 عائلة فلسطينية أخرى منذ أكثر من خمسين عاماً، في منطقة “حمصة بصيلة” بالأغوار الشمالية، يرفضون مغادرتها كما ترفض هي أن تغادر تفاصيل حياتهم اليومية في مواجهة محتل يخطط لسرقتها وتهجيرهم، ومستوطن غريب جاء يقلب استقرارهم إلى معاناة مستمرة.
تقع الأغوار في الجزء الشرقي من الضفة الغربية، وتمتد من بيسان جنوباً حتى صفد شمالاً، ومن عين جدي حتى النقب جنوباً، ومن منتصف نهر الأردن حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غرباً.
وتكمن أهمية المنطقة أيضا، في كونها تشكل “سلة الغذاء” للفلسطينيين، حيث تشكل 50% من إجمالي المساحات الزراعية في الضفة، وتنتج 60% من إجمالي الخضروات، كما أنها تتربع على أهم حوض مائي في فلسطين. يعيش فيها نحو 53 ألف فلسطيني، بما في ذلك مدينة أريحا، وتحتوي على 169 بئراً، حُفر 60% منها في العهد الأردني، وسيطرت إسرائيل على معظمها.
ويسيطر الاحتلال الإسرائيل فعلياً على 90% من مساحة الأغوار، التي تشكل حدود الدولة الفلسطينية الشرقية، حيث أقامت عشرات المستعمرات والبؤر الاستيطانية بين 27 قرية فلسطينية في الأغوار تتعرض لأنماط التهجير منذ احتلالها عام 1967، وحتى عام 2024، أقيمت على أراضي الأغوار 36 مستوطنة إسرائيلية، غالبيتها زراعية، ويسكنها 16,500 مستوطن، كما أنشأ الاحتلال 29 بؤرة استيطانية جديدة.
ويؤكد بشارات مثل 53 ألف فلسطيني يقيمون في المنطقة، أن الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه حوّلوا حياتهم إلى كابوس دائم. ويقول: “نعيش حياة صعبة، يحفها الخوف ليل نهار، تعرض العديد للاعتقال والاحتجاز عدة مرات كوسيلة ضغط لإجبارنا على الرحيل، وصادروا معداتنا الزراعية، وفُرضت علينا غرامات مالية باهظة، ورغم ذلك لا زلنا صامدين”.
ويضيف بصوت يملؤه القهر: “يمنعنا الاحتلال من البناء، وتم هدم منشآتنا ومنازلنا أكثر من ست مرات، وتسلمنا عشرات إخطارات الهدم والإزالة لمنشآتنا البسيطة، رغم أن معظم المساكن التي يقيمون فيها تم بنائها قبل عام 1967.
وبحسب بشارات والأهالي، تحرم سلطات الاحتلال نحو 200 فرد اغلبهم نساء واطفال في التجمع من أبسط مقومات الحياة، بما في ذلك المياه، في إطار مخطط لتهجيرهم والسيطرة على أراضيهم. وتعتمد العائلات هناك بشكل أساسي على تربية المواشي كمصدر رزق وحيد، رغم كل المعيقات.
ويشن المستوطنون، اعتداءات شبه يومية، ويقولون: “يضيقون علينا في المراعي، ويهاجموننا باستمرار. تعرضنا لسرقة أغنام وقتل بعضها، وسُرقت منشآت زراعية وسكنية. علاوة على ذلك الاعتداء علينا جسديا”.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، هَجَّر الاحتلال ما يزيد على 55 ألفاً من سكان الأغوار منذ عام 1967، بما في ذلك تجمعات سكانية كاملة بحجة الإقامة في مناطق عسكرية، مثل أهالي خربة الحديدية في الأغوار الشمالية.
ويرى رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، ان هذه الظروف مجتمعة جعلت من منطقة الأغوار الفلسطينية الاكثر ضعفاً وليونة في التعرض لاعتداءات المستعمرين، وفي انكشاف التجمعات البدوية أمام التغيرات والتحولات التي طرأت ولا زالت تطرأ بفعل ‘إجراءات الاحتلال، خصوصا بعد وأثناء الحرب في أكتوبر 2023، بالإضافة إلى تحول المنطقة برمتها إلى مسرح لاستهداف واسع من ميليشيات المستعمرين الذين استهدفوا التجمعات البدوية متسترين بستار الحرب وقوانين الطوارئ التي فرضتها دولة الاحتلال بعد السابع من أكتوبر. وتشير إحصاءات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن 29 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، تعرضت للتهجير بفعل اعتداءات المستعمرين بعد السابع من أكتوبر، 11 منها تقع في الأغوار الشمالية والوسطى.
وتستخدم سلطات الاحتلال أساليب تم فرضها في مسافر يطا، إذ تم إغلاق مساحات شاسعة من أراضي الأغوار باعتبارها مناطق تدريب عسكري وكانت مناطق الأغوار صاحبة حصة الأسد في حجم الأوامر العسكرية التي تغلق الأراضي بحجة التدريبات العسكرية، ولعل أهمها سلسلة الأوامر العسكرية 900 و901 و902 و903 و904 و905 و906 و907 التي قضت بإغلاق الشريط الحدودي مع الأردن وفق المرسوم رقم 151، والذي بموجبه تم إغلاق ما مساحته 237 ألف دونم من الأراضي على طول الحدود مع الأردن أو المحيطة بشارع رقم 90.
وتتضمن الاعتداءات عمليات هدم ممنهجة تطال البناء الفلسطيني، إذ تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات إلى قيام دولة الاحتلال، على مدار الأعوام الستة الماضية، بهدم ما يزيد على 1000 منشأة، ما بين منازل وخيم سكن وبركسات وحظائر أغنام ووحدات صحية متنقلة وخلايا شمسية في مناطق الأغوار الممتدة بين محافظتي أريحا وطوباس. وعند الحديث عن عمليات الهدم لا يمكن إغفال الحديث عن المتلازمة التخطيطية لهذه العملية، وهي إخطارات وقف العمل (البناء)، فلا يكاد يوجد أي منشأة فلسطينية إلاّ وقام الاحتلال بتوجيه إخطارات إليها تمهيداً لهدمها، كما يقوم الاحتلال بتوجيه إخطارات للعائلات التي تسكن في التجمعات الفلسطينية الواقعة في مناطق الأغوار من أجل إخلاء مساكنهم بحجة التدريبات، ويتبع ذلك حرق وتدمير الأراضي والمحاصيل الزراعية في أثناء التدريبات.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الى انه في العام 2024 وصلت عمليات الهدم التي استهدفت مناطق في الأغوار ما مجموعه 84 عملية أدت إلى هدم 256 منشأة، ما بين منازل مسكونة وغير مسكونة ومنشآت زراعية ومعيشية وغيرها.
ويضيف رئيس الهيئة إلى هذا، الإجراءات المباشرة على الأرض التي تتمثل في مصادرة الجرارات الزراعية والسيارات الخاصة والجرافات التي تعمل في المناطق المصنفة “ج”، وأيضاً مصادرة المساعدات والسيارات التي تحمل تلك المساعدات إلى العائلات كي تتمكن من إعادة بناء مساكنها وحظائر أغنامها التي يقوم الاحتلال بهدمها، وتشمل المصادرات المساعدات المقدمة من الاتحاد الأوروبي. كما يتم تدمير المشاريع التنموية، ومنع تنفيذ المشاريع الجديدة، وهدم المنشآت السكنية، إذ يمعن الاحتلال في تدمير المشاريع المقدمة من المؤسسات المانحة ومن الحكومة الفلسطينية، بما في ذلك إيصال خطوط المياه للتجمعات السكنية التي تقع ضمن المناطق المصنفة “ج”، وتأهيل الطرق، وترميم الآبار، وإقامة خزانات المياه والخيم والبركسات.
وقال شعبان، تستمر اعتداءات المستعمرين على الرعاة، بحماية جيش الاحتلال وشرطته، ويتم اعتقالهم، ومنعهم من التوجه إلى المراعي، وتوجيه التهم إليهم، وفرض غرامات مالية عليهم لإخلاء سبيلهم. ولعل اللافت في التحولات الأخيرة على صعيد حصول المستعمرين على تفويض بفرض العقوبات، مبادرة مجلس المستوطنات بفرض عقوبات وغرامات باهظة على الرعاة الفلسطينيين بحجة دخول أغنامهم إلى مناطق بعينها.
وفي سياق خطة الضم للأغوار ومناطق شمال البحر الميت، يظهر الطريق السريع 80 (طريق ألون) باعتباره منطقة حدود ضم. وتقدَّر مساحة المنطقة المستهدفة بالضم بنحو 1306 كيلومتر مربع، بحسب الخريطة التي عرضتها حكومة الاحتلال، أي ما يعادل 23% من مساحة الضفة الغربية، منها 1236 كيلومتراً مربعاً تقع ضمن المنطقة المسماة “ج”، التي تقوم عليها 33 مستعمرة و19 بؤرة استيطانية يسكنها 16,000 مستوطن وفق الإحصاء المركزي الإسرائيلي لعام 2022. أمّا الفلسطينيون في الأراضي التي ستتم محاصرتها في منطقتي “أ” و”ب”، المخطط لها أن تبقى تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مع طرق الوصول إليها، فتضم 16 تجمعاً، ويسكنها 48,500 مواطن فلسطيني.
وإزاء كل ما يحدث سواء في الأغوار الفلسطينية أو في أي بقعة جغرافية أخرى فإن الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال ويقاومه منذ اللحظة الأولى ويرفضه ولا يمكن أن يتصالح معه وسيواصل رفضه ومقاومته لكل ذلك كما رفضه منذ اللحظة الأولى من الاحتلال، سواءً على المستوى الشعبي أو على المستوى المؤسساتي الرسمي، ومن ضمنها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان صحيح أن الهجمة خطيرة وغير مسبوقة وهو ما يضيف على الفلسطينيين مطالب جديدة بالارتقاء بالأدوات لمستوى الحدث.
هذا يعني الحاجة للانضواء تحت استراتيجية وطنية بالدرجة الأولى تشمل بداخلها كافة مكونات مواجهات هذ الاحتلال، ومن ضمنها دعم صمود المواطنين وهو برنامج استراتيجي للهيئة يجري العمل فيه بشكل متواصل ومكثف، إضافة إلى ذلك العمل على تكثيف أدوات المقاومة الشعبية من خلال لجان الحماية وتطوير أدوات المتابعة القانونية، بالنظر إلى أن المتابعة القانونية التي تقوم بها الهيئة واحدة من أذرع حماية الأرض والبناء الفلسطيني بشكل كبير، فهذه الأدوات كلها الشعب الفلسطيني يستخدمها مؤسساتيًا وفرديًا.
بشارات، مثل سائر المواطنين أبناء المنطقة يتوقف بمرارة امام الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب، والذي سببه الاحتلال بمنعهم من المراعي الضرورية للبقاء على الثروة الحيوانية عماد الحياة ومصدر الرزق الاساس من ناحية، وارتفاع أسعار الاعلاف والتي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا ويختتم قائلاً: “الحياة هنا أصبحت عذاباً متواصلاً. القوانين الإسرائيلية لا تُطبق إلا على الفلسطينيين، وهي جائرة وظالمة. الهدف واضح: تهجيرنا وسرقة الأغوار، لكننا لن نرحل. باقون هنا، وصامدون، مطالبا المؤسسات الحقوقية وذات العلاقة الوقوف عند مسؤولياتها.
وثل سائر المهتمون يرى ان المطلوب اليوم هو تطوير هذه الأدوات وتكثيف الجهود لها من أجل مجابهة ما يحدث لأنه خطير على الوجود الفلسطيني، حيث الجغرافيا الفلسطينية مّهددة وبالتالي فإن عملية الدفاع عن هذه الجغرافيا وهذه الهجمة غير المسبوقة، تتطلب استراتيجية وطنية ومُطالبة لدول العالم بالتدخل الدولي الذي يضمن حماية دولية للشعب الفلسطيني، وذلك لأن ما يفعله الاحتلال اليوم هو عبارة عن بلطجة وانفلات يستدعي تدخلًا دوليًا من أجل فرض حماية دولية للشعب الفلسطيني.





