التحدي والاستجابة:هل تستطيع أوروبا تحقيق الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن؟ .. بقلم :د. أيمن سمير

يشهد التاريخ أن الأمم القوية تستطيع تحويل التحديات إلى فرص، واليوم تنظر أوروبا في أعماق ذاتها لتبحث عن الخيار الأفضل للتعاطي مع التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية التي فرضتها عليها عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ووجد الأوروبيون في فلسفة وحكمة المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي، التي عنوانها “التحدي والاستجابة”، طريقاً للتعامل مع ترامب، فالمؤشرات كلها تؤكد أن أوروبا عازمة على الاستجابة للتحديات التي تفرضها عليها الإدارة الأمريكية الحالية، وتقتضي هذه الاستجابة من الأوروبيين اتخاذ خطوات جريئة وغير مسبوقة للرد على قرارات واشنطن.

وأصبحت القارة العجوز، التي عاشت نحو 70 عاماً في كنف المظلة الأمنية والاقتصادية الأمريكية، تبحث عن نموذجها الخاص في السياسية والاقتصاد والعلاقات مع الآخرين، بما يضمن لها عصراً جديداً من السيادة الأوروبية، والاستقلال الاستراتيجي، والأمن الاقتصادي. والهدف أن تكون أوروبا قادرة، دون ضغوط، على اختيار شركائها، وتحديد مصيرها بدلاً من أن تكون “مجرد شاهد” على التطورات الدراماتيكية التي يحاول البيت الأبيض أن يكون هو مصدرها الوحيد. ويفرض هذا على الأوروبيين وضع القواعد وليس تلقيها من الخارج، ولن يتحقق ذلك دون العمل على مجموعة من المسارات الإجبارية في بناء الشراكات، وتعزيز القدرات التنافسية، واعتماد نهج عنوانه الكبير هو “الإبداع والإيمان بالذات”، فالاتحاد الأوروبي الذي يتشكل من 27 دولة، ويضم نحو 500 مليون مستهلك يعيشون فيما يزيد على 4 ملايين كيلومتر، قادر من وجهة نظر الأوروبيين على اكتشاف ذاته من جديد دون الاعتماد عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على واشنطن. فهل تستطيع أوروبا الاستقلال عن الولايات المتحدة دفاعياً واقتصادياً وجيوسياسياً؟

مسارات تعجيزية:

ترى أوروبا أن سياسة ترامب القائمة على مبدأ “أمريكا أولاً”، لم تعد تستند إلى القيم المشتركة، والنظام القائم على القواعد، والتي تشاركت فيها أوروبا والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويرجع الخلاف الأوروبي الأمريكي إلى أربعة أسباب رئيسية هي كالتالي:

1- نهاية زمن الدفاع المشترك: تؤكد القرارات والسياسات الأمريكية بشكل واضح وصريح أن الرئيس ترامب تخلى عملياً عن مبدأ “الدفاع المشترك”؛ لأنه لم ينسق مع أوكرانيا والأوروبيين عندما تواصل بشكل مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالإضافة إلى تجميد واشنطن تسليم المساعدات العسكرية ووقف التنسيق المعلوماتي والاستخباراتي مع أوكرانيا، قبل أن تعيدها بعد موافقة كييف على مقترح أمريكي يقضي بإعلان هدنة مدتها 30 يوماً في الحرب مع روسيا، إضافة إلى عدم التزام إدارة ترامب بوحدة وسلامة الأراضي الأوكرانية، واعتزامه بناء “قبة حديدية” لحماية الأراضي الأمريكية بعيداً عن الجناح الأوروبي في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ويعتقد صانعو السياسة في أوروبا أن هذه “القبة الحديدية” الأمريكية مقدمة لانسحاب واشنطن من الناتو، وربما مقدمة لسحب نحو 100 ألف جندي أمريكي من أوروبا.

2- زيادة الإنفاق الدفاعي: على الرغم من وصول 22 دولة في حلف الناتو إلى إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الشؤون الدفاعية، وهو السقف الذي تعهدت به هذه الدول في قمة ويلز عام 2014؛ يطلب ترامب من الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو إنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وشراء مزيد من الأسلحة الأمريكية، وهي نسبة يرى كثير من الأوروبيين أنها سوف تكون على حساب ملفات أخرى مثل التحول نحو الاقتصاد الأخضر ودعم الصناعة. ولم تُقنع كل خطوات الأوروبيين في الإنفاق الدفاعي، ترامب بعد أن قال وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، إن بلاده لن تُقدم خدمات دفاعية مجانية، وهو ما أثار حفيظة الأوروبيين خاصةً أن تهديد هيغسيث جاء بعد الطفرة الكبيرة في الإنفاق الأوروبي على التسليح، وشراء السلاح من الشركات الأمريكية، فهناك 13 دولة في الاتحاد الأوروبي تعاقدت على شراء طائرات الجيل الخامس الأمريكية “إف 35″، وهو ما رفع حصة الولايات المتحدة من صادرات السلاح العالمية إلى نحو 43% بين عامي 2020 و2024، وفق أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”.

3- التجارة العادلة والتجارة الحرة: لا يؤمن الرئيس ترامب بالتجارة الحرة، لكنه يؤمن فقط بالتجارة العادلة. وبلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نحو 975.9 مليار دولار في عام 2024، وبعجز أمريكي قدره 235.6 مليار دولار. ويرفض ترامب أي خلل في الميزان التجاري لصالح أوروبا، ويقول إنه يغضب للغاية عندما يرى سيارات ألمانية في ولاية كاليفورنيا أكثر من السيارات الأمريكية، ولاسيما أن ألمانيا حققت فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة بلغ مستوى قياسياً عام 2024؛ ليُقدر بنحو 72 مليار دولار.

4- دعم اليمين المتطرف: كانت الملفات الثلاثة المذكورة أعلاه لها جذور سابقة خلال ولاية ترامب الأولى، ونجحت أوروبا والولايات المتحدة في تجاوز الخلافات حولها، لكن ما لم يتوقعه الأوروبيون أن تصطف إدارة ترامب الحالية مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وأن تتهم الحكومات الأوروبية بعدم الممارسة الديمقراطية لأن تحالفاتها الحكومية ترفض ضم الأحزاب اليمينية مثل حزب “التجمع الوطني” في فرنسا، وحزب “البديل من أجل ألمانيا”. وكانت أكثر الأوقات حرجاً لألمانيا عندما علم المستشار المنتهية ولايته أولاف شولتس أن جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، التقى أليس فايدل، زعيمة حزب “البديل من أجل ألمانيا” في 14 فبراير الماضي على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، وهو ما شكل لأول مرة دعماً أمريكياً بهذا المستوى الرفيع لحزب شديد التطرف في قلب أوروبا.

الاستقلال الاستراتيجي:

يشير تحليل التفاعلات والتحركات الأوروبية إلى وجود زخم وإرادة سياسية لبناء مسار جديد يقوم على الاستقلال الاستراتيجي، وبالفعل بدأ الأوروبيون في اتخاذ خطوات ومناقشة أخرى على طريق تحقيق هذا الهدف، وأبرز تلك الخطوات ما يلي:

1- الاستقلال الدفاعي: تتمسك أوروبا برؤيتها حول أوكرانيا، مؤكدة أن تسهيل سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم ثم لاحقاً على مناطق لوغانسك ودونيتسك وزاباروجيا وخيرسون، يشجع الرئيس بوتين على التوسع غرباً بعد الانتهاء من أوكرانيا. وتقوم المقاربة الأوروبية للاستقلال الدفاعي والعسكري على مجموعة من الخيارات هي:

أ- تعويض أوكرانيا عن السلاح الأمريكي: اتفقت غالبية الدول الأوروبية على سرعة إرسال وإنتاج السلاح بغرض دعم أوكرانيا تعويضاً عن تجميد إرسال السلاح الأمريكي إليها، بل ودعمت الدول الأوروبية موقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد المشادة الكلامية مع الرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس، في البيت الأبيض أواخر فبراير الماضي. ومنذ التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، قدمت الدول الأوروبية مساعدات عسكرية واقتصادية لكييف قُدرت بنحو 138 مليار دولار وفقاً لتقارير، كما أعلنت بريطانيا تقديم 5 آلاف صاروخ دفاع جوي في طريق عودة زيلينسكي إلى بلاده بعد مشادته مع ترامب، وتلقى زيلينسكي دعماً نوعياً من المفوضية الأوروبية عندما أعلنت رئيستها أورسولا فون دير لاين عن خطة لإعادة تسلح الجيوش الأوروبية. وفي سبيل توفير مزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، يسعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى رفع نسبة الإنفاق العسكري لبلاده إلى 3.5% من الناتج الإجمالي المحلي، بينما تعهد رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، برفع نسبة الإنفاق الدفاعي لبلاده إلى 2.5% من الناتج الإجمالي المحلي.

ب- التجنيد الإجباري: تقوم الحسابات الأوروبية على أن روسيا تخطط لزيادة عدد المقاتلين إلى نحو 3.5 مليون جندي عام 2035؛ لذا ترى أوروبا ضرورة التوجه نحو التجنيد الإجباري، ليس فقط لمواجهة موسكو، بل أيضاً لتعويض احتمال سحب القوات الأمريكية. ففي السابق كانت بعض الدول تطبق نظام التجنيد الإجباري، وبدأت دول أخرى في تطبيق هذا النظام مثل النرويج، وذهبت دول ثالثة إلى تمديد فترة التجنيد الإجباري من أربعة أشهر إلى 11 شهراً كما فعلت الدانمارك التي أعلنت أيضاً عن خطط للتجنيد الإجباري للنساء لتصبح بذلك ثالث دولة أوروبية تطبق التجنيد الإجباري للنساء بعد النرويج والسويد. كما عادت دول للتجنيد الإجباري بعد إلغائه مثل لاتفيا، وهناك خطط لزيادة أعداد الجيوش في بريطانيا وفرنسا وبولندا وألمانيا.

ج- الدرع النووية الأوروبية: استباقاً لاحتمالية انهيار حلف الناتو أو سحب القوات الأمريكية من أوروبا، اقترح الرئيس ماكرون مد المظلة النووية الفرنسية لحماية القارة الأوروبية، وحصل هذا المقترح بالفعل على دعم فريدريش ميرتس، الأوفر حظاً ليكون مستشار ألمانيا القادم بعد تشكيل الحكومة الجديدة. وبالرغم من أن بريطانيا لا تملك استقلالية القرار بشأن ما لديها من سلاح نووي، فقد أكد رئيس وزرائها ستارمر استعداده لمناقشة وضع الأسلحة النووية البريطانية والفرنسية لحماية أوروبا عندما يلتقي الزعيمان الألماني والفرنسي.

د- مبادرة درع السماء الأوروبية: هي مشروع لحماية السماء الأوروبية اقترحته ألمانيا في عام 2022، وانضمت إليه نحو 20 دولة أوروبية بما فيها الدول المحايدة عسكرياً مثل سويسرا والنمسا، ويقوم على شراء أنظمة دفاع جوي متعددة المديات (قصيرة، ومتوسطة، وبعيدة المدى)، في ظل تقديرات تقول إن أوروبا تحتاج إلى دعم للدفاع الجوي، وقدرة أكبر على “قصف الأعداء” بصواريخ بعيدة المدى حتى تصل إلى ما يُسمى بـ”الأعداء غير المقيدين” الذين لا يلتزمون بالاتفاقيات والمواثيق الدولية. ويمكن أن يتحقق هذا لأوروبا عن طريق المشتريات المشتركة من الأسلحة والذخيرة، وتوقيع اتفاقيات دفاعية ثنائية على المستوى الأوروبي، ويدعم هذا التوجه توافق دول الاتحاد الأوروبي على توفير نحو 800 مليار يورو لتعزيز دفاعاتها.

ه- نهاية الاعتمادية: تعمل دول أوروبا على إعادة هيكلة كل شيء يتعلق بالدفاع، حيث إنها كانت تأتي خلف الولايات المتحدة طوال السنوات والعقود الماضية، لكن في الوقت الراهن فإنها تعمل على مساراتها المستقلة في مجالات حيوية مثل المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة الجوية والفضائية، وفتح حوار مع دول أخرى لتعزيز التعاون في الصناعات العسكرية.

2- الاستقلال الاقتصادي: ترى أوروبا فرصاً اقتصادية كثيرة بعيداً عن الولايات المتحدة، خاصةً فيما يتعلق بالتعاون مع كندا والمكسيك والصين والهند واليابان وأستراليا والبرازيل وإندونيسيا. كما أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيفرض رسوماً جمركية “قوية لكن متناسبة” على حزمة من الواردات الأمريكية اعتباراً من 1 إبريل 2025، رداً على رسوم نسبتها 25% فرضتها واشنطن على واردات الصلب والألمنيوم وبدأ تطبيقها يوم 12 مارس الجاري. أيضاً، قد تلجأ أوروبا إلى توقيع اتفاقيات تجارة حرة مع القوى الاقتصادية العالمية والتكتلات ذات الاقتصاديات المستقرة؛ بهدف تحقيق “السيادة الاقتصادية” القائمة على خلق فرص العمل، وتمويل النموذج الأوروبي بجانبيه البيئي والاجتماعي. ووفق السيادة الاقتصادية الأوروبية، فإن الكثير من الأوروبيين يرفضون سياسة واشنطن القائمة على “تسليح الدولار”؛ إذ تُعرض كثيراً من الشركات الأوروبية لخسائر فادحة من أجل إرضاء الولايات المتحدة؛ لأنها ببساطة تصطف بجانب واشنطن ضد دولة ثالثة.

3- تنويع الخيارات الجيوسياسية: منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا في نفس الزاوية التي تقاتل فيها الولايات المتحدة، لكن اليوم ترى أوروبا أن مواقف ترامب بمثابة فرصة للاستقلال الجيوسياسي بعيداً عن الارتباط بالأجندة الجيوسياسية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، ثمة مساحة تفصل الموقف الأوروبي عن نظيره الأمريكي فيما يتعلق بالعلاقة مع الصين، وتستطيع أوروبا اليوم أن ترسم نهجها الخاص في إدارة العلاقات مع القوى الكبرى والمتوسطة في العالم بناءً على المصالح الأوروبية وحدها، وليس من منظور الارتباط والتبعية مع الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يمكن لأوروبا أن تتحرر في علاقاتها مع بكين من الصراع الدائر بين الأخيرة وواشنطن؛ وهو ما يحقق استقلالية استثنائية لأوروبا التي ظلت على الدوام رهينة للتقارب أو الخلاف الأمريكي الصيني.

ختاماً، يمكن القول إن أوروبا قد تملك الأوراق لتحقيق الاستقلال السياسي والعسكري والاقتصادي عن الولايات المتحدة، لكن الوقت ما زال مبكراً لقياس وجود إرادة سياسية جامعة وكافية لتحقيق هذا الاستقلال الاستراتيجي المنشود.

عن مركز المستقبل للابحاث والدراسات

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب