من عجائب الزمن الذي وصلنا إليه أن يتحدث الاحتلال الذي يرتكب المجازر اللا إنسانية في قطاع غزة عن “مدينة إنسانية” لتجميع من بقي من سكان القطاع في سجن أصغر من الذي كانوا فيه.
كانوا يعيشون في قطاع غزة، أكبر سجن مفتوح في العالم وفقاً لمنظمات إنسانية عديدة، ويحاول الإحتلال
اليوم أن يحشرهم في سجن أصغر، بينما يلتهم هو الباقي من مساحة القطاع.
خطة وزير الحرب يسرائيل كاتس لا تحظى بإجماع في الداخل الإسرائيلي، حتى الآن على أقل تقدير، وأبرز رافضيها جيش الاحتلال نفسه!
هاجم رئيس أركان الجيش إيال زامير ومسؤولون أمنيون المقترح، كما اشترك في الرفض زعيم المعارضة يائير لبيد، ليس لأن المدينة المزمع إقامتها “لا إنسانية” على عكس ما يوحي اسمها، بل لأنها “تُبعد الجيش عن أهدافه”، فهي بالنسبة لهم “سيئة من كل النواحي: الأمنية والسياسية واللوجستية والاقتصادية”. لنضع خطاً أو اثنين أمام كلمة “الاقتصادية”. التكلفة المتوقعة للمقترح تتراوح بين 10 و20 مليار شيكل (ما يعادل 3 إلى 6 مليارات دولار)، وهو ما أثار غضب الرأي العام الداخلي لأنه سيزيد “عبء” التكلفة المتزايدة لحرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 21 شهراً. لا أحد منهم يفكر بالفلسطينيين الذين تفترض الخطة حشرهم في منطقة مسيجة جنوبي القطاع المنكوب.
لكن مجرد طرح الخطة يحمل كثيراً من الدلالات. يرى البعض في الأمر “مراوغة” من بعض القوى في الداخل الإسرائيلي لخلط الأوراق وضرب المفاوضات التي قد توصل إلى حل ينهي هذه الحرب المكلفة بالنسبة لتل أبيب، خصوصاً بعد فشل مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل سكان القطاع إلى مصر أو الأردن، أو إلى أي بلد يقبل توطينهم. فشل كان عماده الأكبر تمسك أهل القطاع رغم آلامهم برفض التخلي عن أرضهم والنزوح عنها.
من الدلالات أيضاً أن تفكير الإسرائيلي يتمحور حول: ماذا سنفعل بمن بقي من سكان القطاع؟. وليس: كيف ننهي الحرب على القطاع؟. اختلاف المفهومين يعكس جدية طموحات تل أبيب للاستيلاء على باقي أراضي القطاع، من خلال طرح فكرة هذه “المدينة” والتي ليست سوى سجن جديد لنحو 600 ألف فلسطيني ستُقام على أنقاض رفح بعد استكمال تدميرها من قبل طيران الاحتلال. مدينة ستُشغل العالم بواقع الفلسطينيين وتأمين احتياجاتهم اليومية، كالماء والكهرباء والخدمات الطبية وغيرها، فيما يستكمل جيش الاحتلال السيطرة على باقي أراضي القطاع، ويكرِّس بذلك فصل غزة عن عروتها الوثقى: رام الله.
طرح هذه “الخطة” دق ناقوس الخطر أمام الجميع، وأعادت التذكير بأن “المهمة الأساسية اليوم تتمثل بمواجهة المخططات والمشاريع الاحتلالية والأمريكية كافة” كما أكدت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في بيانها لمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين على انطلاقتها. كذلك حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” من “معسكرات الاعتقال الجماعية” التي تمثل حقيقة الخطة الإسرائيلية. تحذير جاء على لسان المستشار الإعلامي للوكالة في غزة عدنان أبو حسنة، ولاحظ فيه أن “الاحتلال يخطط لتنفيذ هذا الهدف منذ وضع نقاط توزيع المساعدات جنوب غزة” فقط، هذا يعكس نية مستمرة عند الإسرائيلي في تغيير التوزيع السكاني للقطاع، وجر الناس “طوعاً” إلى الجنوب بعد أن دمر كل شيء في قطاع غزة. منظمة العفو الدولية بدورها قالت إن هذه الخطة “شائنة وغير إنسانية”.
العرب الذين لم يستفزهم سيل الدماء الفلسطينية في غزة على مدار 21 شهراً وأكثر، استشعروا خطر الخطة الإسرائيلية المتداولة، فأدانوا عبر جامعتهم هذه الفكرة ووصفوها بـ “محاولة لحشر الفلسطينيين في مخيم صغير لا يمت للإنسانية أو المدنية بصلة”. البيان تضمن مصطلحات قاسية: “الخطة تمثل انحداراً أخلاقياً وقيمياً خطيراً، وتعكس نية مبيّتة لمواصلة مشروع التطهير العرقي، وإعادة احتلال غزة وربما تهيئتها للتوسع الاستيطاني”. أما الكرة برأي العرب فلا زالت في ملعب المجتمع الدولي الذي عليه “التحرك العاجل” لرفض هذه الخطط “اللاإنسانية”، ومن ثم الضغط لأجل “التوصل الفوري لاتفاق لوقف إطلاق النار” مع العلم أن “إسرائيل تماطل وتخترع ذرائع متكررة للتهرب من استحقاق إنهاء الحرب”.
البيان العربي القوي ربما لن يكون حاسماً في الموقف “الإسرائيلي” إذا ما تم التوافق على الخطة، لكنه ربما يكون مؤثراً على الموقف الأمريكي، الذي يكاد ربما ينتهي من ترتيب أوراق المنطقة: تقيسم مناطق النفوذ في سورية ما بعد سقوط نظامها (التصعيد الإسرائيلي – الأمريكي المحسوب جنوباً يدخل في هذا الإطار). مزيد من الضغط لأجل سحب سلاح حزب الله في لبنان بعد الضربات القاسية التي تلقاها الحزب. المواجهة الأخيرة مع طهران والتي بغض النظر عن هوية
“المنتصر” فيها، أكدت أمرين: أن الجنون الإسرائيلي يمكنه الذهاب بعيداً جداً في العدوان على المحيط. وأن الأمريكي سيفعل أي شيء كي لا يخرِّب ترتيب أوراقه في المنطقة.
هذه النقطة الأخيرة ربما تكون هي منطلق طريقة تعاطي إدارة ترامب مع هذه الخطة، بتجاهلها والتركيز على “جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار”، ومنع محاولات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ “شراء الوقت” عن طريق التمسك بخرائط انتشار أمني في القطاع، أو ربما عن طريق تبنّي خطة “المدينة اللا إنسانية” التي يتحدث خبراء عن أن استكمالها قد يستغرق ما بين عدة أشهر قد تصل إلى عام تقريباً. محللون يعتقدون أن ترامب قد يضغط على إسرائيل لإنهاء تعنت نتنياهو بشأن “الخرائط الأمنية”، لأنه لن يقبل بالظهور كرئيس ضعيف.
وللتذكير فإن ترامب، الرئيس الذي لا يريد أن يبدو “ضعيفاً”، هو نفسه الذي يواصل تقديم الدعم الأمريكي اللا محدود لإسرائيل بما حوّل دولته “العظمى” إلى شريك في كل جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين على مدى 77 عاماً. آخر هذه المواقف “القوية” للولايات المتحدة هو تغيير اسم “مكتب الشؤون الفلسطينية”، الذي حل محل القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، التابع لسفارتها في القدس الى مصطلح “مكتب الجمهور الفلسطيني”. ليس الشعب، بل الجمهور، وكأن الفلسطينيين في أرضهم لا يملكون صفة الشعب سياسياً وقانونياً، وبالتالي لا حق لهم في إقامة “دولة”. هذه العبارة المسمومة جزء بسيط من عدم تصديق الفلسطينيين للمزاعم الأمريكية بإنهاء الحرب على غزة، وإقفال ملف “الشرق الأوسط” كما ترغب واشنطن، وتل أبيب طبعاً.
في النهاية لا تزال مهمة ترتيب الأوراق في المنطقة عموماً وليس في فلسطين وحدها مستمرة، دون مقاومة تُذكر .
لكن حجر العثرة في تنفيذ كل مخطط أمريكي – إسرائيلي على مدار سنوات الصراع لم يكن نابعاً من القوى العظمى أو الأنظمة السياسية، العربية وغير العربية، بل كان ولا يزال نابعاً من الشعب العربي المقاوم بطبيعته، وخاصة الشعب الفلسطيني الذي أثبت أنه غير قابل للاقتلاع من أرضه، واليوم أكثر من أي يوم مضى هو غير عابئ بأي تبعات لصموده ومواجهته المستمرة مع هذا المحتل الغاصب.





