يسابق لبنان الزمن مع ضغوط خارجية امريكية وتصاعد يومي للخروقات والهجمات الإسرائيلية مع استمرار احتلال العدو للعديد من النقاط في جنوبه، وازمات داخلية اقتصادية واجتماعية زادت حدتها مع تدمير العدو لعشرات القرى والبلدات في الجنوب ومنع أهلها من العودة. يترافق ذلك مع احتدام الصراع بين القوى السياسية اللبنانية، المختلفة في المواقف والمتناقضة في الرؤى. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في شهر أيار من العام القادم، والتي اعتاد اللبنانيون على تصاعد الخلاف حول القانون التي تجري على اساسها مع اقتراب موعد هذا الاستحقاق كل اربع سنوات ، إلا أنه ربما تكون هي المرة الأولى التي يحتدم فيها الصراع إلى هذا الحد حول هذا القانون بين الابقاء عليه كما هو أو تعديله، وبالتحديد بما يتعلق بتصويت المغتربين لصالح دوائرهم في لبنان من عدمه لما لذلك من تأثير على حجم التمثيل لكل قوة، وبالتالي إعادة تشكيل لمراكز القوى في البرلمان اللبناني، خاصة في ظل المتغيرات التي عصفت بلبنان والمنطقة.
خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر، كان من اللافت غزارة توافد المبعوثين الدوليين والعرب إلى لبنان في زيارات سريعة بعضها لزيادة الضغط وأخرى لمحاولة الحلحلة، مما يعكس حجم المخاطر المحدقة بلبنان. ولذلك كان من اللافت أن يحضر إلى لبنان في ذات اليوم الموفدة الأمريكية مورغان اورتاغوس ومدير المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد وامين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط.
ورغم وصف البعض للقاءات اورتاغوس بانها كانت “بناءة” ، حيث اتبعت أداء جديدا مختلفا عن زياراتها السابقة ولو في الشكل، إلا أنها جاءت في سياق ضغوط امريكية متزايدة لنزع سلاح حزب الله بعد تصريحات امريكية عن احتمال تحرك إسرائيلي إذا لم يتخذ لبنان خطوات ملموسة. فهي من جهة ذكرت أن صيغة اللجنة الخماسية “الميكانيزم” المكونة من ممثلين عسكريين عن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليونيفيل إضافة إلى لبنان وإسرائيل والمكلفة بالإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار تعمل، والجيش وضع خططه والأمور تسير على قدم وساق، إلا أنها أضافت أنه كلما أسرع لبنان في خطواته كلما حجز له مقعدا وسط الاهتمام الكبير الذي تحاط به أزمات المنطقة لا سيما في غزة وسوريا . لذلك من الأفضل للبنان احراز تقدم سريع حتى يتمكن من الحصول على إعادة الاعمار والنهوض الاقتصادي، والمطلوب الانجاز بوتيرة أسرع حتى يحجز مكانه ولا يضيع الفرصة. كذلك صرح الجنرال جوزف كليرفيلد رئيس اللجنة أنه يأمل من الآن وحتى نهاية السنة أن يتغير المشهد. ومع ان تصريحات اورتاغوس حملت في ظاهرها رسائل تهدئة لفظية، إلا أنها في باطنها تشير إلى أن الوقت ليس متاحا إلى ما لا نهاية وأن لبنان فعليا أمام ساعة رملية لها حدودها. وهي قد وضعت لبنان أمام أحد خيارين: اما التفاوض المباشر مع إسرائيل أو التفاوض الغير مباشر وتوسيع صيغة “الميكانيزم” لتضم مدنيين إضافة إلى العسكر.
وفي إطار توجيه الرسائل إلى لبنان وتأكيد جدية الضغوط الأمريكية، كانت المبعوثة الأمريكية قد زارت إسرائيل قبل قدومها إلى لبنان، وجالت برفقة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في ٢٦ اكتوبر عند الحدود مع لبنان بمشاركة السفير الامريكي مايكل هكابي المعروف بولائه المطلق لإسرائيل. ومن المنطقة الحدودية قام كاتس بتوجيه الشكر للرئيس الامريكي ولاورتاغوس شخصيا على دعمهما ومساندتهما لسياسة إسرائيل في حماية حدودها ومناطقها تجاه لبنان. وبالجمع بين هذه الزيارة الحدودية ولغة التهدئة اللفظية في بيروت، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس لعبة العصا والجزرة مع لبنان. ففي الوقت الذي كان يدور فيه الحوار بين اورتاغوس والرؤساء اللبنانيين حول استكمال سحب السلاح جنوبي نهر الليطاني قبل نهاية العام الحالي، عادت لتصعيد الموقف في اجتماع “الميكانيزم ” في الناقورة، إذ شددت الموفدة الأمريكية على ضرورة تنفيذ الجيش اللبناني لنزع السلاح بشكل كامل بحلول نهاية العام ، محذرة من أن التأخير قد يؤدي إلى فقدان الدعم الامريكي خاصة في ظل ادارة الرئيس ترامب، مطالبة الجانب اللبناني بالاسراع بنزع سلاح حزب الله ليس فقط جنوب الليطاني بل في جميع الأراضي اللبنانية. يترافق ذلك مع تقارير امريكية عن توجه لاستنساخ نموذج اتفاق غزة في لبنان.
إسرائيل من جهتها ومع تواصل اعتداءاتها اليومية باشرت ، استنادا إلى تصريحات كاتس، بترسيم منطقة عازلة في لبنان مما يؤشر إلى عدم نية إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية بشكل كامل.
في المقابل يواجه لبنان ضغوطا داخلية تتمثل برفض حزب الله سحب سلاحه من باقي المناطق اللبنانية شمالي نهر الليطاني، مع إعلان اقطابه بأن الحزب تعافى واستعاد بناء قدراته، مما يزيد الاوضاع تعقيدا ويضع الدولة في لبنان بين المطرقة والسندان، وهي تحاول شراء الوقت بطمأنة المجتمع الدولي بأن قرار حصرية السلاح بيد الدولة لا رجعة عنه وبأن خطة الجيش لتنفيذ هذا القرار وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها تسير بشكل متدرج داعية إلى دعمه بكافة القدرات.
ومع تصاعد الضغوط الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية، تأتي زيارة مدير المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى لبنان بعد اسبوع من زيارته إسرائيل ولقائه بنتنياهو ورئيس الشاباك، في إطار تحرك مصري لاحتواء التصعيد ومنع الانفجار المفاجئ. فجمهورية مصر العربية تسعى لإيجاد مظلة اقليمية للتهدئة تشمل أكثر من ساحة بهدف منع الفوضى في المشرق العربي . وما يدلل على أهمية الدور والتحرك المصري ، إدراج نتنياهو لبند زيارة اللواء حسن رشاد في جلسة مشاورات طارئة بخصوص لبنان دعا لها نتنياهو مساء الخميس ٣٠ تشرين الاول.
وفي خضم التحولات الكبرى في المنطقة ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في لبنان، تحول النقاش حول قانون الانتخاب إلى معركة كسر عظم بين غالبية تريد التعديل بحيث يتاح للمغتربين الانتخاب في الخارج لصالح دوائرهم في لبنان، وبين الثنائي الشيعي الذي يرفض ذلك ويرى فيه محاولة للاستثمار في التحولات لتحجيم دوره وإنهاء احتكاره للتمثيل الشيعي في البرلمان بحجة عدم قدرتهم على القيام بحملات انتخابية في الخارج بسبب اتهامهم بالارهاب، على عكس الأكثرية التي ترى أنه لا يمكن حرمان المغتربين الذين يرفدون لبنان سنويا بأكثر من ثلث دخله القومي من حقهم في اختيار ممثليهم في البرلمان. لكن جوهر الموضوع ان هكذا تعديل من شأنه أن يغير المعادلة داخل المجلس النيابي لصالح قوى التغيير، وهذا ما يرفضه الحزب الذي يريد ان يوجه رسالة للعالم من خلال هذه الانتخابات بأنه لا يزال يمسك بأوراق اللعبة ولا زال يملك ذات الزخم الشعبي، مما سيمكنه من مواجهة الضغوطات الخارجية والداخلية عليه. ولذلك ينظر اللبنانيون إلى هذه الانتخابات كمحطة مفصلية سوف تحدد مسار ما بعدها.
وبالانتظار، يبقى اللبنانيون عالقون بين ضغوطات الخارج وصراعات الداخل ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.





