في لحظة من أكثر لحظات التاريخ الفلسطيني خطورةً وتعقيداً، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لوحدة النظام السياسي الفلسطيني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في الوطن والشتات، فليس أمامنا ترف الوقت ولا هامش المناورة، إذ إن استمرار التشتت والانقسام وتعدد المرجعيات لا يعني سوى مزيد من الضعف الوطني وفقدان القدرة على مجابهة التحديات التي تتربّص بمستقبل شعبنا وقضيتنا.
لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها الإطار الجامع الذي وحّد الفلسطينيين تحت راية الهوية الوطنية، ومثّلت ثمرة نضال تراكمي وتوافق تاريخي بين القوى الوطنية، ومن هنا فإن أي محاولة لخلق أطر بديلة أو موازية، مهما كانت الذرائع أو النوايا، ليست سوى طعنة في خاصرة المشروع الوطني، وتشويش على تمثيلنا الشرعي أمام العالم، ومقامرة بوحدة الشعب الفلسطيني ومصيره، فالبدائل المصطنعة لا تبني دولة، ولا تحرر أرضاً، بل تزرع بذور الانقسام في تربة أنهكتها الجراح.
إنّ مسؤولية الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني ليست حكراً على فصيل دون آخر، بل هي مسؤولية وطنية جامعة، فالجميع معنيّ بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، وتجديد مؤسساتها، وتفعيل دورها، وإعادة بناء جسور الثقة داخلها على قاعدة الشراكة السياسية والبرنامجية الكاملة، فالوحدة لا تبنى بالشعارات، بل بالفعل السياسي والالتزام الوطني، وبإرادة صادقة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
لقد آن الأوان لكل الفصائل والقوى التي ما زالت تراهن على معادلات مزدوجة – تارة داخل المنظمة وتارة خارجها – أن تحسم خياراتها، فالمواقف المزدوجة لا تصنع شراكة، ولا تحمي مشروعا وطنياً، بل تكرّس واقعاً هشّاً تتيه فيه البوصلة وتتآكل فيه الثقة الشعبية، ومن الخطأ أن تبقى بعض الفصائل تضع قدماً هنا وقدماً هناك، كأنها تنتظر لحظة ميل الريح لتقرر وجهتها، فالوطن بمؤسساته الوطنية لا يدار بالمراهنات ولا بالانتظار، بل بالموقف الحاسم والمسؤولية الجماعية.
إنّ إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس التعددية والشراكة والالتزام بقرارات الإجماع الوطني، تمثّل اليوم الطريق الوحيد لإنقاذ مشروعنا الوطني من أزمته الراهنة، فلا يمكن مواجهة الاحتلال ومخططاته الاستيطانية، ولا يمكن استعادة زمام المبادرة، في ظل انقسام يبدّد الطاقات ويضعف قدرتنا على الفعل السياسي والدبلوماسي والشعبي.
إننا نحتاج إلى وقفة مراجعة شجاعة، تعيد ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، وتضع حدّاً لكل أشكال التنازع على الشرعية أو التنافس على التمثيل، فالقضية أكبر من الجميع، والوطن أوسع من أي فصيل، والراية التي جمعتنا تحت اسم منظمة التحرير لا يجوز أن تمسّ أو تستبدل برايات متنازعة.
لقد قدّم شعبنا عبر تاريخه الطويل نماذج باهرة من الصمود والوحدة في الميدان، لكن المطلوب اليوم أن تتجسّد هذه الوحدة في القرار السياسي، وفي بنية النظام الذي يدير شؤوننا الوطنية، فكما وحّدنا الدم والتضحيات في معركة الوجود، يجب أن توحّدنا الرؤية السياسية في معركة الاستقلال والحرية.
إنّ المسؤولية اليوم جماعية، ولا يملك أحد أن يتنصّل منها، وكل فصيل، وكل قيادة، وكل إطار، معنيّ بتحمل نصيبه من عبء المرحلة، والعمل الجاد على إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، فهذه المنظمة لم تكن يوماً ملكاً لأحد، بل كانت ولا تزال بيت الشعب الفلسطيني الجامع، والمكان الذي يصهر الكل الوطني في بوتقة واحدة.
إنّ خيار الوحدة ليس شعاراً يرفع في المناسبات، بل هو قدر وطني واستحقاق تاريخي، لا يعفي منه أحد، ومن دون هذه الوحدة لن يكون لنا صوت واحد في المحافل الدولية، ولا برنامج سياسي قادر على الفعل، ولا نظام قادر على تمثيل إرادة الشعب، فلنعد إلى الجذر، وإلى البوصلة التي لا تخطئ الاتجاه، إلى منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تتجسد الشرعية والوحدة والمصير المشترك، فالوطن الذي نريد حراً ومستقلاً، لا يبنى بالأطر المتوازية ولا بالمواقف الرمادية، بل بالإيمان العميق بأن فلسطين أكبر من الجميع، وأن رايتها الواحدة يجب أن تظل خفّاقة فوق الجميع.





