السبت, مايو 2, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءخنجر أمريكي مسموم يستهدف فنزويلا وكولومبيا.. كلمة السر "فلسطين"!  بقلم: خليل...

خنجر أمريكي مسموم يستهدف فنزويلا وكولومبيا.. كلمة السر “فلسطين”!  بقلم: خليل حمد

 

ما إن خسر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أحلامه بنيل جائزة نوبل للسلام كما كان يأمل، كشرت الولايات المتحدة عن أنيابها باتجاه ما اصطلحت البروباغاندا الغربية على تسميته “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، أمريكا اللاتينية التي تصارع بعض دولها في أقرب جغرافيا لأمريكا لتحافظ على استقلالها وقرارها السيادي. البوصلة اتجهت نحو كل من فنزويلا وكولومبيا، والذريعة الممجوجة “مكافحة المخدرات”..

في تفاصيل التصعيد، هجوم لفظي غير مسبوق من ترامب على الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، وفرض “عقوبات” غير محددة ضده، ووزير داخليته أرماندو ألبرتو بينيديتي، إضافة إلى زوجة الرئيس وابنه.

أما ضد فنزويلا فقد منح ترامب وكالة الاستخبارات المركزية تفويضاً بتنفيذ عمليات سرية على الأراضي الفنزويلية، ودراسة إمكانية شن هجمات برية على البلاد.

الرد من البلدين جاء على مستوى الهجوم. الرئيس الكولومبي أعلن عزمه على اتخاذ إجراءات قانونية ضد ترامب أمام القضاء الأمريكي بواسطة محامين محليين، ردا على الافتراءات التي وجهت إليه من مسؤولين كبار داخل الولايات المتحدة. فيما قرر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تعليق اتفاقيات الغاز المبرمة بين بلاده وجارتها ترينيداد وتوباغو، ردّا على استضافة الأرخبيل الصغير مدمّرة أمريكية.

في إطار الردود أيضاً، أعلنت السلطات الفنزويلية تفكيك خلية إجرامية مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA كانت “تخطط لمهاجمة سفينة حربية أمريكية في ترينيداد وتوباغو” بهدف اتهام كاراكاس، واتخاذها ذريعة لتنفيذ قرار الهجوم البري الذي سبق وصادق عليه ترامب. تأهبت القوات الفنزويلية في أربع ولايات فيما أوكلت كولومبيا مهمة التلويح بالرد العسكري لفصيل منشق عن حركة فارك الكولومبية، مليشيا “هيئة الأركان العامة المركزية” تعهدت بقتال الولايات المتحدة في حال انتهكت سيادة كولومبيا، وقالت في بيان “نحن معتادون على قتال من ينبغي قتالهم، ولطالما كنا معارضين شرسين للإمبراطورية الأمريكية”. في إشارة إلى تاريخ من التدخلات الأمريكية العسكرية في دول لاتينية، سردها المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ماكس بوت، مشككاً في جدواها. الكاتب تحدث عن تدخلات أمريكية عسكرية في هاييتي وجمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا ما قبل الحرب العالمية الأولى، مروراً بإشعال حرب أهلية في غواتيمالا لمدة 36 عاماً، بسبب الإطاحة بالرئيس اليساري المنتخب جاكوبو أربينز، عام 1954، وصولاً إلى عملية “خليج الخنازير” المعروفة التي استهدفت الإطاحة بالرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وتحولت إلى فشل ذريع للرئيس الأمريكي حينها جون كيندي، وأدت إلى موافقة كوبا على نشر صواريخ نووية سوفيتية على أراضي شبه الجزيرة لحمايتها من أي هجوم أو تهديد أمريكي.

لكن التفاصيل التي يغرق فيها القارئ للأحداث لا يجب أن تمر دون إشارات هامة. التصعيد ضد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو شخصياً يأتي بعد شهر واحد من أحد أهم الخطابات التي تناولت القضية الفلسطينية أمام منبر الأمم المتحدة في دورة الجمعية العامة الأخيرة. يومها قال بيترو بكل جرأة ما يعرفه العالم أجمع، إن ما يحدث في غزة هو “إبادة جماعية”، وشن هجوماً لاذعاً على تل أبيب وحكومة بينامين نتنياهو. لا شك أن هذا الكلام وعلى منبر يقع على الأراضي الأمريكية لم يكن ما يريده ترامب. أعلنت السلطات الأمريكية بعدها إلغاء تأشيرة الرئيس الكولومبي، في رد فعل غير لائق على تصريحاته.

التصعيد الكولومبي ضد “إسرائيل” لم يتوقف عند ذلك، مطلع تشرين الأول / أكتوبر، أعلنت بوغوتا طرد البعثة الديبلوماسية الإسرائيلية من أراضيها رداً على الاعتداء الإسرائيلي على “أسطول الصمود” الذي كان متوجهاً لكسر الحصار الإسرائيلي الجائر على غزة، وربما كان وصف ترامب للرئيس الكولومبي بـ “البلطجي” أبغ دليل على انزعاج واشنطن من دعوة بيترو إلى تشكيل جيش عالمي لتحرير فلسطين.

بالنسبة لفنزويلا وموقفها من فلسطين يبدو الأمر أكثر وضوحاً. مادورو سبق ووصف ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية، في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أي بعد يومين فقط على بدء المذبحة، وتوالت المواقف الداعمة لفلسطين والرافضة للجرائم الصهيونية. الأمر لم يبدأ أبداً في ذلك التاريخ. قبل ذلك بعشرين عاماً، كان الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز أول من أدان العدوان على لبنان عام 2006، قبل أي رئيس بلد عربي أو مسلم، ومنذ ذلك الوقت وفنزويلا تعلنها صراحة: نقف مع الحق الفلسطيني.

في ظل هذه القراءة يبدو أن الهجوم الأمريكي على فنزويلا وكولومبيا يحمل أبعاداً مختلفة، خصوصاً وأن لا جديد طرأ على طبيعة العلاقة الأمريكية مع كولومبيا أو فنزويلا. لا حدث يستحق هذا التصعيد الخطير سياسياً وعسكرياً في البحر الكاريبي، مع الإشارة إلى أن هذا التصاعد في الأحداث يتناقض بشكل واضح مع الممارسات الأمريكية في السنوات الأخيرة التي تتعمد عدم زج الجيش الأمريكي في مواجهات مباشرة مع أي دولة في العالم، وتوكيل المهمة لقوى محلية أو دول جارة لـ “إزعاج أعداء الولايات المتحدة والغرب”، فيما يكتفي البيت الأبيض بدور الداعم والممول، منتظراً أن يحصد ثمار النتائج الهدامة. والثمار هنا “نفط فنزويلا وغويانا” وفقاً للرئيس الكولومبي، وتغيير الحكومات التي ترفض البلطجة الأمريكية بحق شعوب العالم.

في العقلية الأمريكية ثمة ما يُدعى “إما معنا وإما عدونا”. استخدم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش هذه الجملة حرفياً عند تبريره إسقاط أفغانستان وغزو العراق مطلع الألفية الجديدة. تعبر هذه الجملة عن ثقافة أمريكية نرجسية تقتضي أن يكون العالم أجمعه “تابعاً” لواشنطن ومصالحها، صامتاً على سرقة مقدراتها والتدخل في أدق شؤونها. بهذا المنطق يصبح “التمرد” من الدول التي تقع في الجغرافيا الأقرب إلى الأراضي الأمريكية أمراً “مزعجاً” للولايات المتحدة، ولدونالد ترامب شخصياً، الذي يملك من النرجسية ما يخوله أن يهاجم أقرب حلفائه كي “يثبت” بطولته، فما بالكم بمن قضوا عمراً في محاربة الإمبريالية؟!

يتخذ الدعم اللاتيني للقضية الفلسطينية منطلقات عديدة، أحدها أيديولوجي يتعلق بتاريخ علاقة الشعوب الأصلية لدول القارة الجنوبية بالمستعمر الغربي “الأبيض” ومحاولاته المستمرة لتهميش أو القضاء على هوية هذه البلدان واستجلاب مستعمرين لا يشبهون هذه البلاد، لا شكلاً ولا مضموناً، ومن هنا فإن الاحتلال الإسرائيلي في ثقافتهم الراسخة هو انعكاس للاستعمار الغربي، ونضال أهلنا الفلسطينيين هو نموذج مشابه لنضال شعوب أمريكا اللاتينية في وجه مستعمريهم. بهذا المنطلق، لا يمكن لأي غزو أو تهديد عسكري أو ضغط سياسي أن يغير نظرة الدول التي تقف مع فلسطين رغم مسافة آلاف الكيلومترات. على العكس تماماً. من شأن هذا الضغط المتزايد أن يؤدي إلى العكس كما حدث لمرات عديدة سابقة، في أمريكا اللاتينية، تماماً كما في فلسطين وكل الدول المظلومة في هذا العالم. يبدو أن القاموس الأمريكي يجب أن يضيف أيضاً اليه  مفهوماً جديداً: “هناك من لا يغير مبادئه. تعلم من دروسك أيها العم سام”!

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب