الاخبارشؤون عربية ودولية

قراءة في احتمالات الرئاسة المصرية القادمة

215117


قبل عام من الآن تقريباً، وُصفت مصر في أفضل الحالات بأنها تجربة ديمقراطية نصف متبرعمة، والتي دمرها وأضعفها حكم الرئيس السابق محمد مرسي. ومن الصعب وصف حالة الحكم في مصر بعد الأشهر الثلاثة الأخيرة منذ إزاحة مرسي عن سدة الرئاسة، وهي ما تزال في حالة التقلب والانتقال ضمن مرحلة أخرى باتجاه ديمقراطية مكتملة على المدى المتوسط على الأقل. وفي ضوء تعليق إدارة الرئيس أوباما الجزئي للمساعدات، فيما يشك العديد في أنها استجابة لما وصفته لجنة حقوق الإنسان “هيومان رايتس ووتش” بأنه “أخطر حادثة قتل جماعي خارج القانون ترتكب في تاريخ مصر المعاصر” أثناء عملية تطهير الاعتصام الموالي لمرسي في آب (أغسطس) الماضي، اتخذت الحكومة المصرية خطوات في محاولة لتحسين صورتها في واشنطن. وبالقدر الذي يخص الحكومة المصرية، فإن هذه الأنماط من الحوادث، المؤسفة كما هو حالها، ربما لا تلغي كونها في طريقها لأن تصبح دولة ديمقراطية. ومن الواضح أن هذين المنظورين متعارضان.
بالرغم من هذه الخلافات، يظل من المرجح أن يذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع ثانية في وقت قريب، ومن المرجح أن تجري انتخابات رئاسية هناك. وستشكل دراسة الفوارق التي قد تتكشف في حالة حدوث انتخابات وسيلة لفهم المأزق السياسي المصري الراهن، والتحديات التي ستستمر في التأثير على البلد في الفترة المقبلة.
في أواخر أيار (مايو) وأوائل حزيران (يونيو)، قام مشروع “اتجاهات ميدان التحرير” بإجراء مسح شمل كل أنحاء البلاد من أجل التعرف إلى القاعدة الراهنة للمرشحين الرئاسيين آنذاك. ولم تكن النتائج غير اعتيادية بشكل خاص، إن لم تكن مشجعة كلية. في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، اشتكت القوى التقدمية في مصر من أن أعلى خيارين للشعب المصري كانا الخيارين الأسوأ: ممثل عن نظام حسني مبارك (أحمد شفيق)، والخيار الثاني للإخوان المسلمين (محمد مرسي). ومع حلول شهر حزيران (يونيو) بدا المصريون وأنهم لم يتعلموا درسهم تماماً: فقد ألمحت نسبة 25 % إلى أنها ستختار أحمد شفيق كمرشحها الرئاسي. كما اختارت نسبة أصغر من تلك (18 %) في العام 2012 محمد مرسي—لكن هذين الرجلين كانا ما يزالان الخيارين الأعلى. وكان حمدين صباحي، المرشح الناصري اختيار 9 % من المواطنين. وكان بإمكان عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية التعويل على 5 %، وعبد المنعم أبو الفتوح، الإصلاحي السابق في الإخوان المسلمين على 4 %. ولم يكن أي شيء من هذا مفاجئاً بشكل خاص. وفي حزيران (يونيو) لم يكن المواطنون المصريون يظهرون إشارة على أنهم حددوا بديلاً لخياراتهم في العام 2012. ومع ذلك، ربما كان الأكثر إرباكا هو أعداد الناس الذين قالوا قبل العزل العسكري لمرسي أنهم لا يعرفون لمن سيصوتون، ونسبة أولئك الذين قالوا أنهم لن يصوتوا بأي حال الأحوال. وقالت نسبة تقارب ربع المواطنين المصريين (26 %) إنهم لا يعرفون لمن سيصوتون— فيما قالت نسبة 7 % أنهم لن يصوتوا على الإطلاق.
بطبيعة الحال، أصبحت هذه الأرقام قديمة ومتخلفة لبضعة أشهر، وقد تغير الكثير منذئذٍ. ولكن، ماذا يقول لنا هذا عن الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ فيما يتعلق بالتنبؤ بمن سيكسب، لا يقول لنا الكثير. فقبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية في العام 2012، استطاعت قلة قليلة من الناس التنبؤ بأن شفيق سيحل في المرتبة الثانية. وعلى سبيل المثال، افترض معظم المحللين أن عمرو موسى كان هو المرشح المختار للشبكات التي كانت تدعم في السابق الحزب الوطني الديمقراطي (حزب مبارك)، وكذلك الجيش. وكان قليلون هم الذين أملوا انتخاب شفيق في الواقع —في الحقيقة لم يكن شفيق هو الذي صنع الفارق، وإنما الدعم الذي تلقاه. وينطبق الشيء نفسه على مرسي- فمن دون دعم الإخوان المسلمين، كان ترشحه ليكون مجرد ومضة صغيرة على الرادار السياسي.
في الانتخابات المقبلة، يبدو السؤال صعباً: من هو الذي سيتلقى المصادقة، بعقلانية أو غير ذلك، من جانب نفس الشبكات التي كانت قد وضعت شفيق على مرمى حجر من الرئاسة؟ لعل الجواب الواضح هو أن أحداً لا يعرف —لأنه (نعم من المرجح أن يكون هو/ وليس هي) لم يتم اختياره بعد. كما أن الانتخابات الرئاسية لن تقام قبل أشهر من الآن -ربما في الصيف المقبل. ومع ذلك، يمكن وضع بعض الملاحظات حول بعض الخيارات الممكنة، استناداً إلى مرشحي العام الماضي، والذين ألمحوا إلى أنهم يريدون البقاء في الخطوط الأمامية للسياسة والوقائع السياسية الجديدة لما بعد 3 تموز (يوليو).
إن التفكير في وجود مرشح عن الإخوان المسلمين هو أمر أكاديمي بحت، إلى الحد الذي سيكون معه افتراضياً تقريباً. وإذا سمّت جماعة الإخوان المسلمين مرشحا رئاسياً (وهو أمر غير مرجح بدرجة عالية في ظل هذه الظروف السياسية)، فمن غير القابل للتفكير فيه توقع أن يكسب هذا المرشح. كانت أفضل فرصة للإخوان المسلمين هي خوض منافسة ضد عضو في النظام السابق، وبالكاد استطاعت كسب تلك الانتخابات. ومع ذلك، سيكون باستطاعة مرشح النظام السابق، شفيق، أن يبلى حسناً لو أن نفس الشبكات التي دعمته في العام 2012 تفعل الشيء نفسه مرة أخرى. والسؤال الحقيقي هو: هل ستفعل ذلك أم لا -يجب عدم أخذ ذلك على أنه محصلة مفروغ منها. ليس الجيش ولا شبكات الحزب الوطني الديمقراطي مقربة من شفيق كشخصية سياسية -وإذا ما قرر كلاهما عدم المصادقة عليه، أو المصادقة على شخص آخر، فمن غير المرجح أن تصمد عملية ترشيحه بقوة كافية.
من بين المتنافسين الآخرين المتبقين من انتخابات العام الماضي (موسى أعلن أصلاً أنه لن يخوض الانتخابات) ربما يكون صباحي هو المرشح الذي تجب مراقبته. أما الآخر، أبو الفتوح، فكان قد دعم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وأيد الاحتجاجات الرامية إلى إجبار مرسي على عقدها، لكنه رفض أي دور للجيش، في تجربة مصر الديمقراطية المتبرعمة آنذاك (ولو أنها ضعفت بشكل عميق بسبب مرسي). لكن ميزان القياس لهذا النوع من المواقف ليس صالحاً. إن هذا وقت استقطاب، ومن غير المرجح أن يكون أداء إصلاحي إسلامي مثل أبو الفتوح أفضل من أدائه في العام الماضي. ومن جهة أخرى، فإن صباحي يتمتع بقاعدة دعم مستقلة وكبيرة، ومن المرجح أن هذا الزعيم الناصري في داخل الائتلاف غير الإسلامي سيحتفظ بهذه القاعدة، وقد تصادق عليه جبهة الإنقاذ الوطني رسمياً كمرشح. ولكن، ومهما يكن الأمر، فإن قاعدة دعمه غير العسكرية وغير المنبثقة عن الحزب الوطني الديمقراطي من غير المرجح أن تحدث الفارق اللازم لجلبه للرئاسة. بطبيعة الحال، يحتمل كثيراً –ولو من باب الحنكة- أن تصادق عليه المؤسسة العسكرية —فهو مؤيد قوي للجنرال
عبد الفتاح السيسي. وباعتباره ناصرياً، فإن من غير المرجح أن يكون منتقداً للجيش بشكل عام. ولكن، هل سيعول الجيش عليه في مثل هذا الوقت الحساس؟
في الوقت الحالي، هناك مرشحان محتملان آخران (ومن الممكن أن يكون هناك أكثر). الأول هو الخيار الواضح المتمثل في وزير الدفاع، السيسي. وإذا ما كان سيخوض الانتخابات، فمن المؤكد تقريباً أن يتلقى مصادقة هياكل القوة الرئيسية في البلد، وأن يستطيع التعويل على قاعدة عريضة من دعم القواعد الشعبية. وببساطة، يمكن القول إنه لو خاض السيسي الانتخابات اليوم، فإنه سيكون الشخص الصحيح والمناسب للرئاسة. وتعتبر المؤسسة العسكرية اليوم، بشكل غامر، المؤسسة الأكثر شعبية في البلد، كما أن السيسي هو الآن شخصية شعبية بشكل لا يصدق. لكن السؤال هو: هل سيخوض انتخابات الرئاسة؟ ليست هذه نتيجة مسلماً بها: إنه يتوافر، كوزير للدفاع، على الكثير جداً من القوة، مع حجم محاسبة أقل كثيراً من أي مسؤول منتخب. وقد يحوز، كرئيس، على المزيد من القوة الهامشية، لكنه سيكون مسؤولاً أمام المواطنين عن تحسين البلد بالفعل. وثمة قليل من الناس في مصر ممن يستمتعون بتحمل مثل تلك المسؤولية، لكنه يحتمل كثيراً أن يكون الفريق السيسي قد قرر أنه سيكون من الأفضل له أن يصبح الرئيس السيسي. وينبغي أن يصبح ذلك واضحاً نسبياً في وقت قريب.
المرشح المحتمل الثاني ربما يكون مختفياً أمام النظر الواضح: الرئيس الحالي المؤقت عدلي منصور. فإذا قدر له أن يكسب مصادقة نفس الائتلاف الذي دعم شفيق، ولم يكن هناك مرشح آخر يصادق عليه الجيش، فسيكسب منصور السباق الرئاسي بالتأكيد. وعلى صعيد العلاقات العامة، فإنه قد يكون خياراً استراتيجياً مفيداً أيضاً. فهو مدني (يحظى بالثقة من جانب المؤسسة العسكرية)، وكرئيس للمحكمة الدستورية العليا سيكون مؤهلاً على المسرح العالمي كرجل دعم “حكم القانون” في غمرة انتقال مصر. ومن الطبيعي أنه قد يحدث الكثير بين الآن وبين الانتخابات الرئاسية في مصر. وقد لا تحظى حكومة منصور بشعبية لفشلها في التقدم بشكل كاف على الجبهة الاقتصادية، بحيث يصبح ترشيحه مسؤولية. الزمن وحده سوف يخبرنا بالجواب. لكن ما هو واضح مع ذلك، هو أن انتصار مرسي كان بالتأكيد قد اعتمد إما على مصادقة الجيش، أو غياب هذه المصادقة عن أي مرشح آخر.
هذا التحليل متأثر على نحو معمق بالكيفية التي يمت فيها العسكريون بصلة لمرشحين معينين. وفي الحقيقة، يحظى الجيش في مصر بشعبية غير معقولة -كما أن يتمتع بتأثير سياسي يجرد أي قوة أخرى في البلد من القوة إذا اختار أن يمارسها. ولا يدور السؤال حول ما إذا كانت انتخابات رئاسية ستعقد في مصر أو سياسات من هي التي ستكون الأكثر شعبية بين المواطنين المصريين العاديين. إنه يدور أكثر بكثير حول من سيكسب هذا الدعم والمصادقة من جانب الشبكات التي كانت قد دعمت نظام مبارك سابقاً، وكيفية استجابة الجيش له. وذلك، في حد ذاته، انعكاس صائب للمكان الذي توجد فيه التجربة الديمقراطية في مصر راهناً —لكنها من المرجح أن تكون الحالة نفسها في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

هـ. أ. هيليير* —(فورين بوليسي) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*
زميل مشارك في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، وزميل غير مقيم في شؤون السياسة الخارجية في معهد بروكينغز.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى