يترقب الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة نتائج انتخابات الاحتلال الإسرائيلي باهتمام بالغ، رغم عدم مشاركتهم فيها، نظراً لانعكاساتها المباشرة على كافة تفاصيل حياتهم اليومية. وتؤثر هذه النتائج بشكل جوهري على مستقبل السلطة الفلسطينية وقدرتها على البقاء، بالإضافة إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في قطاع غزة ومستقبل فصائل المقاومة هناك.
يتعامل الشارع الفلسطيني مع هذه الانتخابات كشأن داخلي يمس لقمة عيشهم وحريتهم، حيث يقرر الفائز فيها سياسات التنقل عبر الحواجز في الضفة المحتلة، ومسار إعادة الإعمار في قطاع غزة المدمر. ويسود أمل شعبي بهزيمة ائتلاف اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي انتهج سياسات غير مسبوقة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم.
شهدت سنوات حكم الائتلاف اليميني تصعيداً خطيراً، حيث استشهد أكثر من 74 ألف فلسطيني في عدوان وصفته منظمات دولية ومحكمة العدل الدولية بأنه يرقى إلى جريمة إبادة جماعية. كما تصاعدت وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، مع وصول عدد البؤر الاستيطانية الجديدة إلى نحو 270 بؤرة خلال أربعة أعوام فقط.
سجلت تقارير حقوقية ارتفاعاً بنسبة 100% في عمليات هدم منشآت الفلسطينيين، حيث دمر جيش الاحتلال، بإيعاز من الإدارة المدنية التابعة للوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، أكثر من 11620 منشأة. وشملت عمليات الهدم منازل سكنية ومحال تجارية وبركسات زراعية، مما أدى إلى تشريد آلاف العائلات وتدمير سبل عيشهم.
فرضت قوات الاحتلال قيوداً مشددة على الحركة عبر إقامة أكثر من 1000 بوابة حديدية وحاجز عسكري تعزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض. وترافق ذلك مع منع أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني من الوصول إلى أماكن عملهم، مما فاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني بشكل غير مسبوق.
على الصعيد المالي، تواصل سلطات الاحتلال احتجاز ثلثي إيرادات المقاصة التابعة للسلطة الفلسطينية منذ ست سنوات، بمبالغ تجاوزت 6 مليارات دولار. هذا الحصار المالي أدى إلى عجز السلطة عن صرف رواتب موظفيها كاملة، وتراكم ديون القطاع الخاص، مما هدد بانهيار المؤسسات الرسمية الفلسطينية.
أكد أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن الانتخابات تعد مسألة حيوية للفلسطينيين لأنها ستحدد شكل العلاقة المستقبلية مع الاحتلال في ملفات الاستيطان والأموال والعمال. وأوضح أن النتائج ستحدد القاعدة التي سيتم على أساسها إرساء العلاقات السياسية والأمنية في المرحلة المقبلة.
أشار مجدلاني إلى وجود تباينات بين معسكر اليمين الحاكم والمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، رغم اتفاقهما على رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتتركز هذه التباينات في حجم التوسع الاستيطاني وسياسات الضم، والموقف من بقاء السلطة الفلسطينية ككيان إداري وأمني.
يرى مراقبون أن نتنياهو يسعى لتقويض السلطة الفلسطينية بشكل كامل، بينما تفضل أطراف في المعارضة الحفاظ عليها لتجنب كلفة حكم الأراضي الفلسطينية مباشرة. ومع ذلك، استبعد مجدلاني فتح مسار سياسي جدي لإنهاء الاحتلال في ظل انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف والعنصرية والفاشية الجديدة.
رجح مجدلاني أن تحاول أي حكومة جديدة تشكلها المعارضة فك عزلتها الدولية عبر تغيير بعض سياسات نتنياهو تجاه الفلسطينيين. وأوضح أن الاتصالات مع أقطاب المعارضة قد تصبح أمراً طبيعياً بعد تشكيل الحكومة لبناء علاقة جديدة، رغم نفي وجود اتصالات رسمية حالية تجنباً للتدخل في الشؤون الداخلية.
من جانبه، اعتبر الباحث السياسي جهاد حرب أن سقوط الحكومة الحالية قد يفتح الباب لتسهيلات اقتصادية، مثل السماح بعودة العمال والحد من اعتداءات المستوطنين. وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية تعول على تغيير الوجوه الحاكمة لتخفيف الحصار المالي ومنع الانهيار الاقتصادي الشامل.
حذر الخبير في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور من أن بقاء الائتلاف اليميني الحالي يعني استمرار خطط التهجير والضم الفعلي للضفة الغربية. وأكد أن وزراء متطرفين مثل سموتريتش وبن غفير يوفرون غطاءً سياسياً وأمنياً لهجمات المستوطنين الإرهابية ضد القرى والبلدات الفلسطينية.
وصف منصور سياسة آيزنكوت تجاه الفلسطينيين بأنها ‘أقل عدائية’ مقارنة بنتنياهو، رغم غموضها في بعض الجوانب السياسية. وتوقع أن يتوقف آيزنكوت عن سياسة خنق السلطة مالياً، بل قد يعمل على تعزيز قوتها لضمان الاستقرار الأمني في المنطقة.
كان آيزنكوت قد تعهد في تصريحات انتخابية بإنهاء حكم حركة حماس في غزة خلال 18 شهراً، مؤكداً التزامه بتفكيك قدراتها العسكرية. كما وعد بتنظيم دخول العمال الفلسطينيين بتصاريح رسمية، مشيراً إلى وجود آلاف العمال الذين يدخلون حالياً دون رقابة أمنية بسبب الفشل في ضبط الحدود.





