وهكذا، فإن مدير وكالة الأمن القومي، كيث بي ألكسندر، الذي يعتقد -في انسجام مع رئيسه مدير الاستخبارات القومية، جيمس ار. كليبر- بأنك “إذا استطعت جمع (المعلومات)، فإن عليك أن تجمعها”، أصبح يسأل الآن عما إذا كانت فكرة التجسس على المواطنين في الدول الحليفة للولايات المتحدة مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وأخريات، لم تكن فكرة جيدة أصلاً.
كما تردد، تساءل المسؤول الرئيسي بعد المعلومات التي أماط اللثام عنها قارع جرس الإنذار في وكالة الأمن القومي، إدوارد سنودن، من أن الولايات المتحدة كانت الولايات المتحدة تتجسس على الاتصالات الإلكترونية والمحادثات الهاتفية لملايين الناس في دول أوروبية وغيرها حول العالم: “إن الأهم، هو أن الشراكة مع البلدان ربما تكون أكثر أهمية من جمع المعلومات عنها“.
جاءت هذه اللحظة غير الاعتيادية من التكشفات قبل الكشف الأخير عن أن جهاز التجسس العملاق التاربع لألكسندر، كان يتنصت أيضاً على الهواتف الخليوية لقادة الحلفاء الرئيسيين لأميركا، ناهيك عن ذكر البرازيل.
بعد أن تم ضبطه وقد انكشف مشروعه الألكتروني، يقر الكسندر فجأة، وهو أيضاً جنرالب أربع نجوم قيد الخدمة النشطة، بأن التجسس ربما كان شيئاً دونياً.
وفي هذه الحالة، يعد الاتجاه الدوني الذي يعترف به اتجاهاً دبلوماسياً: إذا كنت تتجسس على الناس -والقادة- لدولة صديقة، منتهكاً ثقة أساسية تعد أمراً مسلماً به، فإنك تجازف بفقدان تلك الثقة وبخسران صديق منذ أمد طويل. ومن الممكن أن تنهار الثقة بسبب هذه الإساءة.
لعل ما لا يتأمله الكسندر ورئيسه المطعون في صدقه هو ما إذا كان هناك أيضاً سؤال أكبر: أوليس الحفاظ على الحريات الديمقراطية وثقة الشعب الأميركي أكثر أهمية من جمع كل المعطيات الممكنة للمعلومات عنهم، وتعقب كل حركة وكل اتصال لهم؟” والجواب بالطبع واضح، وهو ما يفسر السبب في أن ألكسندر وكلابر لا يطرحانه.
يشعر الناس في أوروبا بحساسية متزايدة لأن الولايات المتحدة تقوم “بشفط وجمع” اتصالاتهم وتصنفها وتنتقي أجزاء منها باستخدام حواسيب هائلة تتصيد الكلمات الرئيسية. لكن الناس في الولايات المتحدة يشعرون بغضب متزايد لأن وكالة الأمن القومي تفعل نفس الشيء هنا في الوطن.
وتماماً كما يدمر هذا التنصت الإلكتروني الدولي المثير للغضب صورة أميركا في الخارج ويهدد تحالفات كانت مصانة منذ أمد طويل، فإنه يدمر ديمقراطية أميركا والثقة العامة في قانون الحقوق، هنا في الوطن.
ولا يقتصر الأمر على أن الكسندر وكلابر لا يعبآن. فهما لا يستجيبان للشعب الأميركي. وهما يعملان للحكومة الأميركية، كما أن الحكومة هذه الأيام -الرئيس والكونغرس والمحكمة العليا- هم بوضوح ليسوا “مع ومن أجل” الشعب. بل هم مع ومن أجل الشركات والنخبة، وأن نخبة السلطة الأوليغاركية تلك، والتي سرقت البلد تماماً في العقود العديدة الماضية، تشعر بالانزعاج لأن الجمهور شرع في الاستيقاظ والتململ جراء ذلك.
النخبة الحاكمة تريد وكالة أمن قومي تشاهد كل شيء لغاية ضبط الجمهور، وتمكينها من تحديد ومن ثم سحق أي تفجر لثورة، كما تم بفعالية مع “حركة احتلوا” في خريف العام 2011.
ربما يكون من النزاهة القول بأن سحق “احتلوا” كان أول معركة في الثورة الأميركية الثانية. وبالنظر وراء يوما ما، ربما يعترف بأنها شكلت أيضاً محكمة أدارتها شبكة الأمن في وكالة الأمن القومي.
وفي الأثناء، لا نستطيع توقع الكثير من الكونغرس عند هذه النقطة. فهؤلاء نفس “ممثلي الشعب” المحزونين والمرعوبين والذين وقفوا بشكل مخجل في المكتب البيضاوي مؤخراً تحية لأشرار الخدمة السرية وشرطة الكابيتول الذين “حموهم” من خلال إطلاق النار وقتل أم عزلاء ومضطربة عقلياً والتي، تحت وطأة الرعب، قادت سيارتها خطأ في محيط البيت الأبيض ومبنى الكابيتول (مقر الكونغرس).
قال مواطنو نيويورك من توهم لعمدة مدينة نيويورك، مايكل بلومبيرغ، ما يفكرون به إزاء رده شبه العسكري، عن طريق دائرة الشرطة في نيويورك، على حركة احتلوا، وأعوامه التي قضاها في استرضاء وتدليل الأثرياء في تلك المدينة الأميركية في سوادها الأعظم. وقاموا باستبداله بعمدة جديد تقدمي، بيل دي بلاسيو، الذي تعهد بمهاجمة التوزيع الضخم للدخل في المدينة، بادئاً بفرض ضريبة إضافية على الدخل البالغ 500.000 دولار أو أكثر للمساعدة في الدفع لبرامج رياض الأطفال العامة التي ألغيت، والذي قال إنه يريد وقف برنامج دائرة الشرطة، “أوقف وفتش”، المثير للاشمئزاز على نطاق واسع، والذي جرّم فعلياً جيلاً بأكمله من الشباب السود والأميركيين اللاتينيين.
أما بقية البلد، فقد يكون خلف نيويورك وحسب. ثمة بداية جيدة تتمثل في المطالبة بتسريح الكسندر وكليبر، الرجلين اللذين تتضارب سياساتهما وفلسفاتهما مع الحرية والديمقراطية. وعلى أنه يجب أن تتبع ذلك حملة قومية لإبعاد أي وكل الساسة الذين لا يقفون بعناد من أجل دفاع قوي عن كل مواد قانون الحقوق.
قد لا يسأل الجنرال الكسندر:”ما الشيء الأكثر أهمية: الدفاع عن الحرية أم جمع المعلومات عن كل مواطني الأمة؟” لكن الشعب الأميركي يعرف الجواب أصلا.
يجب أن يكون الجواب: الدفاع عن الحرية.
* (كاونتربنتش) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
عضو مؤسس في حركة “لا يمكن لهذا أن يحدث”، ومساهم في كتاب “فاقد الأمل: باراك اوباما وسياسة السراب“.





