الاخبارشؤون فلسطينية

بيبي نتنياهو: اللامفاوض

217303

القضايا الوجودية يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين. ربما يكون ذلك هو الأمر الأكثر إقلاقاً –والذي يعتبر بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة منطوياً على خطورة- فيما يتعلق بعدم رغبة بنيامين نتنياهو الواضحة في التوصل إلى أي اتفاقية، لا مع الإيرانيين ولا مع الفلسطينيين. إن نتنياهو يريد المواجهة مع إيران، وليس المفاوضات. لكن ذلك النهج جلب طهران من امتلاك مجرد 164 جهاز طرد مركزي في مفاعل رائد مفرد قبل عقد، إلى امتلاك شبكة من المرافق النووية السرية و19000 جهاز طرد مركزي الآن، وإلى الوقوف على عتبة إنتاج أسلحة نووية. ويريد نتنياهو تأجيل المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية، لكن العديد من الإسرائيليين (بمن فيهم الصقري المتطرف السابق ارييل شارون قبل أن تسكته جلطة دماغية) وصلوا إلى إدراك أن الوقت يسير ضد إسرائيل في هذا المجال، لأنه سيكون هناك عرب أكثر من اليهود تحت السيطرة الإسرائيلية، بمن فيهم الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة، بحيث سينظر إلى إسرائيل على أنها نظام فصل عنصري بدل أن تكون دولة يهودية.
ما تمس الحاجة إلى إدراكه عن بيبي نتنياهو، الذي قد تثبت الشهور المقبلة أنه العائق الرئيس أمام التوصل إلى تقارب أبعد مدى بين الولايات المتحدة وإيران، هو أن اللاتفاوض أصبح عنده عقيدة لازمته على مدار عمله السياسي. إنه موقف يعود وراء إلى احتلاله منصب رئيس الوزراء لأول مرة في أواخر التسعينيات، عندما تبجح في أحاديث خاصة بأنه كان قد وضع “نهاية بحكم الأمر الواقع لاتفاقيات أوسلو.”
نعم، لدى نتنياهو سبب واضح ليقرع أجراس التحذير من الوضع الحالي للمفاوضات مع الإيرانيين ومع الفلسطينيين على حد سواء. وتحف المخاطر بكلا الحالتين من المفاوضات. لكن الحجة التي يمكن طرحها —والتي تطرحها الآن إدارة أوباما والعديد من الإسرائيليين- هي أن الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل وعلى استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إنما يكمن في استمرارية سياسة المواجهة.
الأكثر إثارة للقلق، حتى بالنسبة لبعض خبراء الدفاع والمخابرات الإسرائيليين، هو عدم رغبة نتنياهو الواضحة في التوصل إلى أي تسوية حول كلا الموضوعين. وكان عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي، قد قال للتلفزيون الإسرائيلي أن الانتقاد الذي يوجهه أصحاب الخط المتشدد إلى الصفقة النووية المؤقتة مع إيران يفتقر إلى نقطة منطقية وحاسمة: إن الشروط جيدة بما يكفي لتجميد مؤقت يسمح باستمرار المفاوضات —وهو ما يجري راهناً— حتى لو انها لا تكفي لإبرام صفقة دائمة. لكن إدارة أوباما تفهم أيضاً ذلك، وما فتئت تبدي حذراً حيث تقول بأن المحادثات الفعلية هي الآن في طور البدء. وأضاف يادلين أن الإيرانيين “يفهمون أن هذا هو مجرد اختبار” وأنه سيكون “من غير المنطقي بالنسبة لهم خرق (الصفقة المؤقتة) في الشهور الستة التالية” عبر استئناف التخصيب بهدف الحصول على يورانيوم بدرجة سلاح. وأشار إلى أن الرئيس أوباما ألزم نفسه بضمان أن لا تكون هناك قنبلة إيرانية، وقال أيضاً أن الاجماع الدولي غير المسبوق على نظام العقوبات القاسي ضد إيران، والذي يكيل له نتنياهو الكثير من النقد، كان لينهار فعلا لو أن الولايات المتحدة تمسكت بشرط التوصل إلى صفقة أشد، والتي تكون معادلة لاستسلام إيراني.
كما أنها لم تكن أي مؤشرات إلى أن هذا الاستسلام كان على وشك الحدوث. وقد احتاج الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني ووزير خارجيته، محمد ظريف، إلى إرضاء المتشددين في الوطن من خلال الحصول على بعض التخفيف في العقوبات، بطريقة يرفض نتنياهو الاعتراف بها.
تاريخ نزعة نتنياهو التعطيلية ممتد وطويل. هناك شريط فيديو له وهو يتحدث إلى جمع من المستوطنين من الجناح اليميني في العام 2001، والذي يكشف عن مشاعره الحقيقية تجاه الفلسطينيين بقدر ما يكشف شريط فيديو صديقه الجيد ميت رومني السيئ الصيت بعنوان “47 %” عن معتقدات المرشح السابق للانتخابات الرئاسية الأميركية تجاه الناخبين الأميركيين. في الولاية الأولى لنتنياهو، بدا وأنه يفاوض في “واي ريفر” في العام 1998، وقد امتدح الرئيس كلينتون للتوصل إلى صفقة مؤقتة، لكنه للمستوطنين لاحقاً بأنه كان يخادع الرئيس كلينتون فقط. وكشف نتنياهو أنه كان قد قال أنه سيحترم اتفاقيات أوسلو، لكنه وصف لاحقاً كيف أنه قوضها من خلال انتزاع موافقة أميركية للسماح له بتحديد المناطق الأمنية التي تستطيع إسرائيل الاحتفاظ بها. ثم استطاع بعد ذلك أن يعرف “كامل وادي الأردن” على أنه منطقة عسكرية. “من تلك اللحظة فصاعداً، وضعت نهاية بحكم الأمر الواقع لاتفاقيات أوسلو.”
كان المفاوضون الأميركيون غاضبين دائماً من تكتيكاته -تماماً مثلما هو حال أوباما منذ العام 2009. وقد كتب المفاوض الأميركي دينيس روس في مذكراته في العام 2004 بعنوان “السلام المفقود”: “كان نتنياهو لا يطاق تقريباً، يحاضر فينا ويقول لنا كيفية التعامل مع العرب.” وبعد ذهاب نتنياهو، لاحظ الرئيس كلينتون: “إنه يعتقد بأنه قوة عظمى وأننا موجودون هنا لتنفيذ ما يطلبه.” وفي حملته الناجحة ضد نتنياهو في العام 1999، استخدم إيهود باراك شعاراً اقترحه استراتيجيو حملته الأميركيون، بوب شروم وستنلي غرينبيرغ وجيمس كارفيل: “عالق، عالق، عالق”. وقد دفع باراك لاحقاً من أجل صفقة سلام بسرعة كبرى، والتي انتهت إلى رفض ياسر عرفات لعرض باراك غير المسبوق في كامب ديفيد في العام 2000. وبعد ذلك، قام خلف باراك، آرئيل شارون، بتسليم تحت غمامة من الجدل، وكان يخطط لفك الارتباط من جانب واحد مع نحو ثلثي الضفة الغربية، وفق ما ذكره مستشاره السابق، عندما أصيب بجلطة دماغية في يناير كانون الثاني (يناير) من العام 2006.
للإنصاف، صعّب انتصار حماس الانتخابي في العام 2006 –وهي انتخابات شجعها الأميركيون كجزء من الشفاء العام لديمقراطية الرئيس جورج دبليو بوش للمنطقة- ثم لاحقاً الاستيلاء على السلطة في قطاع غزة، صعّب ذلك المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. وحتى مع ذلك، قام نتنياهو ببدء بناء مستوطنات جديدة في الجزء الأغلب.
بطبيعة الحال، يضطلع نتنياهو بدور مهم يقوم بلعبه، هو دور “الشرطي السيئ” للنفوذ الأميركي، وخاصة بالنسبة لإيران. وكان فيليب زيليكوف، الذي ساعد في إطلاق صفقة إيران كمستشار لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس في العام 2006، قد قال في منتدى في واشنطن يوم الثلاثاء الماضي: “لماذا يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تمتدح هذه الصفقة؟ لماذا يجب عليهم قول أي شيء جيد عنها على الإطلاق؟ إنني لا أرى أي شيء فيها يجعلهم يقولون ذلك.”
ومع ذلك، فإن مكمن الخوف الحقيقي من نتنياهو أن هذا الموقف بالنسبة إليه ليس تكتيكاً وحسب: إنه يمثل نظرة أساسية إلى العالم، والتي ستمنع إسرائيل من الاصطفاف مع الجهود الأميركية لإعادة صنع الجيوسياسات في المنطقة، طالما ظل رئيساً للوزراء.
كما شاهدنا في الأسابيع الأخيرة خلال إحياء الذكرى السنوية الخمسين لاغتيال كنيدي، يستسيغ الأميركيون تاريخياً فكرة الاحتمالات: “ماذا لو.” ماذا لو كان أزوالد (قاتل كنيدي) قد أخطأ هدفه في دالاس: هل كنا سنتجنب كارثة فيتنام؟ ماذا لو أن الأصوات ال 500 وزيادة في فلوريدا ذهبت إلى الطرف الآخر في الانتخابات الرئاسية في العام 2000: يحتمل كثيراً أننا كنا سنتفادى عقداً من الكوارث في العراق وأفغانستان. وفي المقابل، يستطيع الإسرائيليون أن يمارسوا نسختهم الخاصة من هذه اللعبة الحزينة: ماذا لو كان تم وقف ييغال يادين، قاتل رابين، ولو تمكن معظم القادة الإسرائيليين الرؤيويين الحديثين من متابعة خططه لتطبيق أوسلو وسلموا جزءاً من الضفة الغربية؟ ماذا لو استطاعت تسيبي ليفني، وريثة حزب كاديما المؤيد للدولة الفلسطينية والذي أنشأه شارون، أن تفوز بنسبة كاسحة من الأصوات لتشكيل ائتلافها الخاص في العام 2009، والذي كان سيجعل منها رئيسة للوزراء بدلاً من نتنياهو؟
الآن، تضطلع ليفني بمسؤولية الإشراف على المفاوضات مع الفلسطينيين تحت إشراف نتنياهو. لكن من المشكوك فيه كثيراً أن تكون لها الحرية في اتخاذ ما يلزم لإبرام صفقة. ليس عندما يكون المرجح جداً أن لا يكون رئيس وزرائها راغباً في التوصل إلى اتفاق.

مايكل هيرش  (ذا أتلانتيك) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى