في أحسن الأحوال، فإنّ الأحكام الغريبة والمستعجلة في مصر، بإعدام مئات الأشخاص باعتبارهم من أنصار الإخوان المسلمين، وساهموا في الاحتجاجات الرافضة للحسم العسكري والمظاهرات التي أدت إلى سجن الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، وسجن كوادر ونشطاء وقادة “الإخوان المسلمين”، هي أحكام سياسية يراد بها الردع، وتحديداً الردع السياسي قبل الأمني، بمنع تأييد “الإخوان”.
الإخوان المسلمون هم الحليف السابق لبعض الأنظمة العربية السابقة ضد التيارات اليسارية والليبرالية والعلمانية في المجتمع، وهم من القوى التي كانت الأكثر تردداً في خوض مجال الثورات، والتحقت بالثورات متأخرة.
كثيرٌ من الغضب من دولة قطر، كان في بداية الثورات بسبب دورها في “عدم إفشال الثورات”، أكثر منه غضباً من “تحريك” الثورات. وهو ذات الغضب-العتب على “الإخوان”، والتحاقهم بالثورات. ثُمّ، أصبح “الإخوان” ومعهم حليفهم القطري، هم القوة التي حصدت ثمار الثورة، فكان طبيعيّا جعلهم يدفعون ثمنها، وما قد تجر إليه من تداعيات إقليمية.
أصبح مطلوباً الآن مسح وجود الإخوان، بعمليات أمنية وسياسية وإعلامية، وباتهامهم بأمور كثيرة بدءاً من التحالف مع الأميركيين وصولاً إلى أنّهم يكفّرون الوطنية والوطن، ويهمشونهما لصالح مشروعهم الحزبي.
تفوق اليساريون والعلمانيون العرب الذين وصلوا الحكم في دول عربية، على مدى عقود، بالدكتاتورية والقمع والاستئثار بالسلطة، وكانت وعودهم بالثورة والتغيير هباء منثورا على شكل شعارات ومزاعم تبنّي المقاومة ومناهضة الاستعمار. في النهاية، اتضح أنّ الأنظمة “التقليدية” القائمة على توارث السلطة في عائلات حاكمة أقل دموية وعنفا من هؤلاء “الثوّار”. ولكن جُزءاً من الأنظمة التقليدية التي كانت تتحالف مع الإخوان، ضد اليساريين والعلمانيين، كان قد وصل إلى تحالف وتفاهم مع الجيل الثاني من أنظمة الثورات، لذا ساءهم كثيراً التغيير، وساءهم تساوق “الإخوان” وقطر مع الثورات، ثم قيادتها للأنظمة التي تلتها.
كلمة السر في كل ما يجري “رفض التغيير”.
“الإخوان” في واقع الأمر لم يحاولوا التغيير. والأسباب التي انتفض لأجلها ملايين المصريين، أو جزء منهم على الأقل، في منتصف العام الماضي ضد الرئيس آنذاك محمد مرسي، ليست سبب غضب أنظمة خليجية من “الإخوان”، فالخلاف حول الدّستور والصلاحيات التي قررها مرسي لنفسه، هي آخر ما يغضب هذه الأنظمة.
ما حصل هو صراع استباقي على السلطة؛ فليس بالضرورة أن أختلف مع طرف ما فكريّاً وسياسيا لأحاربه، بل الشائع أنّ الحرب مع القريب، الشبيه بي، تكون أشد وأقسى، ومن ذلك حرب حزبي البعث في سورية والعراق، و”داعش” و”النصرة” في سورية الآن.
لكن الإخوان المسلمين صاغوا وجوداً جماهيريّا كبيرا جداً على مدى عقود، وهم في جزء كبير من أطروحاتهم “محافظون”. وعندما وصلوا الحكم، بدأوا يصبحون أكثر مُحافظةً، ولم يتحدّوا الأنظمة الأخرى أو الأميركيين أو الإسرائيليين، كما أنّ بوادر تحولهم إلى دكتاتورية قمعية كانت قد بدأت في مصر.
ما الذي سيحدث لو اختفى “الإخوان” من المشهد حقاً، وقد كانوا جزءاً أساسياً منه على مدى عقود؟
الأنظمة التي تقاتل “الإخوان” ليست قوى تغيير، وليست قوى لبرلة وعلمنة وحريّات، وهذا ليس خلافها مع “الإخوان”، بل خلافها معهم أنّهم يبدون البديل الممكن للقوى الحاكمة التي جرى ويجري تغييرها، ما يهدد أن يستقوي “الإخوان” ويطالبوا بحصة إقليمية أكبر.
لذلك، فإنّ اختفاء “الإخوان” لو حدث، بفضل وسمهم بالإرهاب والعمالة وغير هذا، لن يكون تمهيدا لمجتمع مختلف. ربما لن تكون هناك دكتاتورية دينية، ولكن سيكون المطلوب بقاء المجتمع قَبَليّاً يطيع ولي الأمر، وطائفيّاً لا يفكر بالتغيير والعلمانية كثيراً. وهذا يتطلب بالضرورة السلوك الاجتماعي المحافظ، في العلن على الأقل، وسيبقى التغيير “قشرة” فيها انخراط في نمط التحديث العمراني والاستهلاكي، وبعض المشاريع التعليمية غير المؤدلجة.
في السياق، هناك قوى تحالف الأنظمة الآن، ضد “الإخوان”، من ضمنهم إسلاميون، سيعودون للمطالبة بحصتهم من الكعكة، وبمكان “الإخوان”، وسيصطدمون مجددا بالأنظمة. كما سيجري العمل على لفظ الليبراليين والتخلص منهم بمجرد الانتهاء من “الإخوان”.
عالم ما بعد “الإخوان”، هو عالم العودة إلى الحالة “الاستاتيكية”، لكن من دون القوة الإخوانية المحافظة في جوهرها، وصوتها الراديكالي العالي.
الغد الأردنية





