الاخبارشؤون فلسطينية

“العقوبات” الاسرائيلية قد تنهي الشيقل كعملة تداول بفلسطين

فهرس

 

جهاد الوزير: تكدس عملة الشيقل في الأراضي الفلسطينية سيكون له انعكاسات سلبية على الاقتصادين الفلسطيني والاسرائيلي
*
عملة الشيقل المتداولة تشكل 8 إلى 10 % من مجمل الشيقل المصدر من البنك المركزي الاسرائيلي
حياة وسوق – أيهم أبوغوش – أكد محافظ سلطة النقد د. جهاد الوزير أن قرار اسرائيل بتخفيض سقف الودائع الفلسطينية في المصارف الاسرائيلية واستنكاف البنوك الاسرائيلية عن استقبال فائض السيولة من البنوك الفلسطينية بعملة الشيقل سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة ليس فقط على الاقتصاد الفلسطيني بل على الاقتصاد الاسرائيلي كذلك.
وقال د. الوزير في تصريح خاص بـ “حياة وسوق” إنه في حالة استمرار اسرائيل في عدم استقبال فائض السيولة لدى البنوك الفلسطينية وزادت نسبة التكدس عن الحد المعقول فإن ذلك سيؤدي إلى أن يصبحالشيقل عملة غير قابلة للتداول في السوق الفلسطينية.
وأضاف: “خلط السياسة بالاقتصاد في هذا الموضوع خطأ كبير، واعتقد أن اسرائيل لا تعي حتى اللحظة تأثير هذه الخطوة، فتأثير هذا القرار لن يكون فقط على الطرف الفلسطيني وإنما سيشمل كذلك الطرف الاسرائيلي”، مشيرا إلى أن عملة الشيقل المتداولة في الأراضي الفلسطينية تشكل ما نسبته 8 إلى 10 % من مجملالشيقل المصدر من البنك المركزي الاسرائيلي، وبالتالي في حال تكدس هذه العملة في الأراضي الفلسطينية سيكون لها تأثير على التضخموسمعة العملة الاسرائيلية دوليا، مبينا أنه حسب مواثيق العمل المصرفي الدولي فإن البنك المركزي مجبر على استقبالفائض السيولة بعملة الشيقل أيا كان مصدرها باعتباره الجهة المصدرة لهذه العملة”. وقال الوزير: “حسب القوانين فإن البنك المصدر للعملة مجبر ان يأخذ العملة التي صدرها بغض النظر عن الأسباب ومن أية جهة كانت“.
ولفت الوزير إلى أنه للمرة الأولى منذ تأسيس السلطة الوطنية يتم اقحام الجهاز المصرفي في أي صراع سياسي مباشر بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، كاشفا النقاب عن أنه في حالة استمرار تكدس الشيقل في الأراضي الفلسطينية وطالت الأزمة بهذا الخصوص فإن الشيقل سيصبح عملة غير قابلة للتداول تجاريا ما يعني أننا سنكون مضطرين لاعتماد عملة اخرى للتداول التجاري قد تكون الدولار الأميركي أو الدينار الأردني إلى حين إصدار عملة وطنية.

20 مليار شيقل حجم التبادل المصرفي
وذكر الوزير أن حجمالتبادل التجاري بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي والذي يمر عبر التبادل المصرفي يصل إلى نحو 20 مليار شيقل سنويا، منوها إلى أنه اذا استمرت اسرائيل في عدم استقبال فائض السيولة من البنوك الفلسطينية، فإن ذلك سيعطل التعاملات الاقتصادية بين الطرفين.

مباحثات في واشنطن
يذكر أن محافظ سلطة النقد د. جهاد الوزير ووزير المالية
د. شكري بشارة متواجدان حاليا في العاصمة الأميركية واشنطن وهما يبحثان مع جهات دولية عدة بينها وزارة الخارجية الأميركية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي دفع اسرائيل للتراجع عما أعلنت عنه إعلاميا من عقوبات اقتصادية بحق السلطة الفلسطينة. وقال الوزير: “نحن في اجتماعات مع الجهات الدولية المختلفة لمعالجة الموضوع بشكل هادئ“.
خسائر كبيرة بالبنوك والمودعين
من جهته، أشار د. سمير عبد الله مدير البحوث في معهد الأبحاث والسياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس” إلى أن الخطة الاسرائيبلية المعلن عنها بشأن تخفيض سقف الودائع الواردة من البنوك الفلسطينية من شأنها أن تلحق خسارة كبيرة بالبنوك والمودعين، فـ”الكاش” يعتبر عبئا على أي بنك إن لم يجد امكانية لايداعها في بنك آخر كونه يأخذ عليها فائدة الودائع أو يقوم باقراضها للناس، وهذا يحتاج إلى إجراءات طويلة وتحتاج إلى وقت طويل لتسريبها للمقترضين بهدف الاستثمار أو أية اهداف أخرى.
ولفت إلى أنه غالبا ما تكون هناك سيولة فائضة بعملة الشيقل لدى البنوك الفلسطينية كون السلطة تحصل على أموال ضريبة المقاصة من اسرائيل بعملة الشيقل، منوها إلى أن ذلك يعني تجميع الشيقل في البنوك الفلسطينية دون وجود مخرج لها ما يسبب خسائر للبنوك وللمودعين على حد سواء، لافتا إلى أن البنوك ستصبح غير متشجعة لأن تقبل ودائع المواطنين بالشيقل دون وجود طرق لاستثمارها، وبالتالي قد تلجأ البنوك الى تحميل المودع تكلفة حماية العملة وحفظها، وقد لا توافق على أخذ ودائع بعملة الشيقل.

انتهاك لبروتوكول باريس الاقتصادي
وبين د. عبد الله أن الاجراء الاسرائيلي في هذا السياق يشكل انتهاكا لبروتوكول باريس الاقتصادي الذي يفرض على اسرائيل أن تقوم بنوكها بفتح حسابات للبنوك الفلسطينية وأن تكون السلطة الفلسطينية قادرة على تحويل هذه الأموال بعملة أخرى.
ونوه إلى أن الاجراء الاسرائيلي سينهي حالة المرونة الموجودة في السوق النقدية، مضيفا: “من المفترض أن يكون هناك تحوط بالنسبة لهذا الموضوع، بأن تقوم السلطة في حالة تجميد اسرائيل تحويل أموال المقاصة بدفع رواتب موظفيها بالدولار وليس بالشيقل، طبعا هذا إذا توفرت أموال بالدولار لدى السلطة“.
ولفت إل أن تعامل السلطة بعملة الدولار في صرف الرواتب سيخفف العبء من تراكم الشيقل بالسوق الفلسطينية، منوها إلى أنه عندها سيكون التداول بعملة أخرى غير الشيقل في الأسواق أفضل، لافتا إلى أن هذه العملية تحتاج إلى تضافر الجهود بين كافة اللاعبين في الاقتصاد الفلسطيني، بحيث تبدي الجهات التي تبدي استعدادها لأن تتقاضى نظير المنتج الذي تقدمه أو الخدمة التي تقدمها بالدولار بحيث يتيح ذلك إمكانية للتحول من الشيقل إلى الدولار في التداولات الداخلية.

كيف يسبب تكدس الشيقل خسائر؟
وأوضح عبد الله أن تكدس الشيقل في السوق الفلسطينية يعني بالضرورة أن سعر صرفه مقابل العملات الأخرى سينخفض وفقا لقاعدة العرض والطلب، وسيفتح المجال لانعاش السوق السوداء، بحيث يلجأ تجار إلى جمع الشيقل بأسعار رخيصة في الأراضي الفلسطينية ومن ثم بيعه داخل اسرائيل بسعر أعلى.
ولفت عبد الله إلى أنه يوجد لدى البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية قرابة 2 مليار شيقل مطروحة في التداول التجاري، منوها إلى أنه في حالة زاد هذا المبلغ نتيجة الاجراءات الاسرائيلية فهذا يعني ان الشيقل سيتكدس نتيجة عدم وجود مخرج له، مشيرا إلى ان مبلغ التداول المقدر بملياري شيقل غالبا ما يجد طريقه في النهاية للسوق الاسرائيلية، مقدرا أن قيمة الشيقل في الأراضي الفلسطينية ستنخفض اذا زاد مبلغ التداول عن ملياري شيقل، وبالتالي حَمَلة عملة الشيقل من المواطنين سيخسرون قيمته الشرائية والبنوك ستخسر لأنه لن يتسنى ايداعها لدى البنوك الاسرائيلية وأخذ فوائد عليها.
وقال ان الإجراء الاسرائيلي يخلّ بالاتفاق بين اسرائيل والأردن في حالة شمول الاجراء البنوك الأردنية. واضاف: “البنوك الأردنية لغاية الآن تستطيع ايداع الشيقل لدى البنوك الاسرائيلية وبالتالي بإمكان البنوك الفلسطينية ان تودع لدى البنوك القادرة ان تودع في البنوك الاسرائيلية وهذا يعني أن هناك منفذا لمعاجلة الأزمة على عكس ما جرى في قطاع غزة والذي تكررت فيه أزمة نقل النقد (من الضفة لغزة) حيث كنا دوما نشهد حالات نقص في عملة الشيقل أو فائضا فيها“.

كيف سيزيد التهرب الضريبي؟
وأوضح عبد الله ان التجارة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني ستستمر وعملية الشراء والبيع المتداولة ستستمر لكنها ستأخذ شكلا آخر، فبدلا من ان تتم العمليات عبر المصارف ستجري من خلال التعامل النقدي المباشر، ما يعني أن الصفقات التجارية ستكون مغلقة وتتم خارج البنوك وهذا ما سيسمح بالتهرب الضريبي نتيجة عدم وجود وضوح بخصوص الصفقات التجارية التي تعقد بين الطرفين.
وأكد عبد الله أن الإجراء الاسرائيلي في حالة تطبيقه سيؤدي إلى الانتقال للتعامل بعملات أخرى غير الشيقل، مستبعدا في الوقت ذاته أن تستطيع أية عملة أن تحل محل الشيقل بصورة سريعة.
ولفت إلى أنه بامكان البنوك أن تتوسع في إصدار بطاقات الدفع المسبق، بحيث توفر فرصة للمواطنين الشراء من محلات البيع دون الحاجة إلى نقد وهذا يجعل الحسابات تجري دون الحاجة إلى النقد، بحيث يتم نقل المبلغ من حساب المشتري البنكي إلى حساب البائع، منوها إلى أنه توجد بنية تحتية تكنولوجية قوية في فلسطين لتطبيق ذلك، مبينا أن الجزء الأكبر من المشتريات يمكن تنفيذه دون الحاجة لمبالغ نقدية.
لكن عبد الله يرى أن هذه الوضعية قد تتسبب باشكاليات في المناطق التي لا يمكن تطبيق نقاط البيع الالكتروني فيها مثل القرى، ما سيترك آثارا سلبية لدى المحلات التي لا تتعامل وفق هذه التقنيات الجديدة.
وأضاف: “إذا اعتاد المواطنون على هذه التقنية الحديثة يمكن بالتدريج تقليل الاعتماد على نقد الشيقل”، قائلا: “في الدول المتطورة حاليا المواطنون لا يحتاجون في معاملاتهم التجارية إلى الدفع نقدا وإنما من خلال البطاقات الالكترونية“.

لماذا تضطر البنوك الفلسطينية إلى تصريف فائض الشيقل لدى البنوك الاسرائيلية؟
لا توجد في فلسطين عملة وطنية ولا بنك مركزي يحدد اسعار الفائدةويحفظ التوازن النقدي، ومن هنا فإن الاقتصاد الفلسطيني ظل رهينة لعملة التداول التجاري مع اسرائيل، وقيد بروتوكول باريس الاقتصادي والذي سمح بإنشاء بنوك في الأراضي الفلسطينية حركة البنوك كونه اشترط عليها أن تجري تعاملاتها مع العالم الخارجي عبر البنوك الاسرائيلية التي ظلت بوابة لها للعالم.
ويقول د. نصر عبد الكريم أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت: “البنوك الاسرائيلية تتعاطى مع البنوك الفلسطينية منذ قيام السلطة كبنوك مراسلة، من خلالها تتم المعاملات الدولية، وبالتالي عندما كان أي بنك يريد الحصول على ترخيص في فلسطين كان يلزمه بنك مراسل اسرائيلي وهو بوابته للعالم، وما زال ذلك سائدا حتى هذه اللحظة“.
وأوضح عبد الكريم أن بروتوكول باريس الاقتصادي نص “على أن البنوك الاسرائيلية مرغمة على استقبال فائض السيولة بالشيقل من البنوك الفلسطينية مهما بلغ حجم هذه السيولة”، مشيرا إلى أن البنوك الاسرائيلية تتعامل مع البنوك الفلسطينية للأسف كزبائن كبيرة وليست كبنوك مقابلة.
وأضاف: “عندما تتحدث اسرائيل بأنها ستخفض سقف الودائعللبنوك الفلسطينية، فهذا يعني أن فائض السيولة بعملة الشيقل سيتراكم لدى البنوك الفلسطينية التي بدورها لن تستطيع تشغيله في الأراضي الفلسطينية”، مشيرا إلى أن “هذه المعضلة تتضح من خلال حجم الودائع التي تفوق بكثيرا حجم التسهيلات“.
ونوه إلى أن البنوك الفلسطينية كانت تضطر لايداع فائض السيولة لدى البنوك الاسرائيلية كودائع تتقاضى بموجبها فوائد، ما يعني ان تخفيض حجم الودائع سيحرم البنوك الفلسطينية من الفوائد التي تتقاضاها وسيصدر لها معضلة تصريف السيولة.
ولفت عبد الكريم إلى انه “لن يكون هناك مشكلة لدى البنوك الأردنية العاملة في الأراضي الفلسطينية وإنما تتعلق المشكلة بالبنوك الفلسطينية التي لا يوجد لها أصلا بنوك رئيسية تتبع لها في الخارج“.
وأضاف: “اذا تم تخفيض سقف الودائع، هذا سيسبب سيولة فائضة وهذا مكلف، فالتخزين والتأمين مكلفان، ويوجد فرص مفقودة تكلفتها عالية جدا بدلا من وضعها كودائع تستفيد منها البنوك”، مؤكدا أن البنوك ستضطر إلى تكديس الفائض في حسابات غير منتجة.
لكن عبد الكريم يرى أن هذا الإجراء الاسرائيلي ليس جديدا وسبق للبنوك الاسرائيلية ان قيدت ودائع البنوك الفلسطينية، لكن الجديد هو أن يأتي ذلك على شكل قرار حكومي اسرائيلي.
ويخلص د. عبد الكريم إلى القول: “طالما انك تحمل عملة شيقل سواء في جيبك أو في بنك، فأنت تعتبر مقرضا مجانيا لاسرائيل، لأن اسرائيل حينما اصدرت الشيقل ومنحتنا اياه اخذت مقابله إما عملة صعبة اخرى أو أي سلعة اخرى، فالشيقل قد تكون كلفته 10 أغورات لكنهم يبيعوننا اياه بشيقل“.

صعوبات استبدال الشيقل في التداول
ويؤكد عبد الكريكم انه يمكن من الناحية النظرية اعتماد الدولار كعملة متداولة في الاقتصاد الفلسطيني وتحديدا في التعاملات اليومية وليس فقط في الودائع والتسهيلات البنكية، لكنه يشير إلى أن ذلك سيكون صعبا من الناحية العملية ويحتاج إلى وقت طويل كون اسرائيل الشريك التجاري الرئيسي لفلسطين، قائلا: “أنت تشتري منها بالشيقل والعمال الفلسطينيون الذين يعملون داخل اسرائيل والمستوطنات يتقاضون رواتبهم بالشيقل كذلك”، منوها إلى أن العمالة الفلسطينية في اسرائيل والمستوطنات توفر دخلا للأراضي الفلسطينية بنحو 880 مليون دولار بعملة الشيقل، وهنا يطرح سؤال كبير: كيف يكون دخلك بالشيقل وتجارتك كذلك بالشيقل ثم تفرض الدولار كعملة للتداول؟“.
ويتابع: “هذا سيعرض مواطنيك الذين يتقاضون أجورا بالشيقل لخطر تذبذب العملات الاخرى”، منوها إلى أن اية دولة تقرر ماهية العملة التي توظفها في الاقتصاد يكون القرار باتجاه العملة التي تهيمن على النشاط التجاري والاقتصادي”، داعيا الى دراسة اية خطوات بهذا الاتجاه.

النسبة الأعلى من الودائع بالدولار
وتشير الاحصائيات الصادرة عن سلطة النقد إلى أن مجموع حجم الودائع في البنوك العاملة في الأراضي الفلسطينية بلغ حتى نهاية شهر شباط الماضي 8369 مليون دولار، احتلت الودائع بعملة الشيقل المرتبة الثانية بعد الدولار، حيث بلغ حجم الودائع بعملة الدولار ما قيمته 3460 مليون دولار بينما بلغت الودائع بعملة الشيقل ما قيمته 2404 مليون دولار، فيما بلغت الودائع بعملة الدينار ما قيمته 2186 مليون دولار، والودائع بعملات أخرى بلغت قيمتها 318 مليون دولار.
ويشير د. عبد الكريم إلى أن العامة يطمئنون للايداع بالدولار والدينار أكثر من الشيقل، أما الشيقل فسيسيطر أكثر على الحسابات الجارية كونها ترتبط بصرف شيكات في التبادل التجاري. ويضيف: “أمر طبيعي أن تكون الثقة بالدينار والدولار أكبر كونهما وعاء ادخاريا أفضل“.
من جهته، أشار د. عبد الله إلى أن معظم الودائع البنكية مودعة بعملتي الدولار والدينار، لكنه لفت إلى أنه مع استقرار العملة الاسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بدأ حجم الودائع بالشيقل يزداد.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى