الاخبارشؤون عربية ودولية

نفحة من الماضي الأوروبي المفزع

10449-1-201382

برلين– إذا كان هناك حدث تاريخي واحد ما يزال أغلب الأوروبيين يرتجفون لذِكره، حتى بعد قرن من الزمان، فهو اندلاع الحرب العالمية الأولى، الكارثة الأوروبية الأصلية التي بدأت في الأيام الأخيرة من شهر تموز (يوليو) من العام 1914. وبعد مرور نحو مائة عام بالتمام والكمال، وبعد حربين عالميتين وحرب باردة، أصبحت ارتعاشات الخوف اليوم أشد قوة وضوحاً من أي وقت مضى.
في ضوء تاريخ أوروبا الدموي، اختارت الدول التي أسست الاتحاد الأوروبي كما نراه اليوم عدم اللجوء إلى العنف، واحترام حُرمة الحدود، والديمقراطية، وسيادة القانون. كما اختارت هذه الدول التعاون والتكامل بدلاً من المواجهة العسكرية، والتنمية الاقتصادية بدلاً من سياسات القوة. لكنه يجري الآن دفع “أوروبا الاتحاد الأوروبي” إلى مسار العودة إلى الماضي، وتواجه مرة أخرى ذلك التحدي المتمثل في العودة إلى سياسات القوة على حدودها وفي جوارها المباشر.
في الشرق، يريد الكرملين بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن تغيير الحدود الوطنية بالقوة، وبالتالي تأمين عودة روسيا إلى الظهور بوصفها قوة عالمية إمبراطورية. ومن ناحية أخرى، تهدد الفوضى وأعمال العنف -وأكثر مظاهرها وضوحاً في سورية والعراق وغزة- باجتياح الشرق الأوسط بالكامل، الأمر الذي يشكل تحدياً للسلامة الإقليمية للدول التي نشأت إلى حد كبير نتيجة لترتيبات السلام في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
من الواضح أن أوروبا المسالمة في عصر ما بعد الحداثة سوف تجد صعوبة كبيرة في التعامل مع التحديات التي ينطوي عليها إحياء سياسات القوة. فقد تضاعف حجم الاتحاد الأوروبي منذ العام 1989، عندما انهارت الشيوعية في أوروبا الوسطى والشرقية؛ ولكن أوروبا الاتحاد الأوروبي لم تبلغ بعد هيئة التكامل السياسي النهائية. والأمر الأكثر أهمية هو أنه لم يتم تصميمه لمواجهة التحديات التي تفرضها سياسات القوة؛ فالدول القومية القديمة في أوروبا صغيرة وضعيفة، في حين ما يزال نمو السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في ظل الاتحاد الأوروبي ناقصاً.
غير أن العديد من الأوروبيين يعتقدون أنه لا ينبغي أن يسمح الاتحاد الأوروبي -والغرب- لبوتن بإطلاق العنان لسلوكياته المارقة. فثمة الكثير على المحك في شرق أوكرانيا -سلام ونظام القارة بأسرها. وقد دفع ركاب رحلة الخطوط الجوية الماليزية رقم 17 (وأغلبهم من الأوروبيين)، التي أسقطت فوق منطقة يسيطر عليها المتمردون، ثمن هذه الرؤية بأرواحهم.
إن توقيت الأحداث التاريخية المهمة ليس مسألة اختيار. وبهذا، فإن السؤال الجوهري المطروح في أعقاب مثل هذه الأحداث يتعلق دوماً بمدى السرعة التي يتم بها التعرف على عواقبها وتحديدها على النحو الصحيح. وقد استغرق زعماء أوروبا وقتاً طويلاً للغاية قبل أن يدركوا أن كل الثقة التي وضعوها في بوتن، والتسامح الذي أظهروه في التعامل مع سياسات العنف والترهيب التي انتهجها، لم يسفر إلا عن المزيد من التصعيد واتساع نطاق الأزمة في أوكرانيا. والواقع أن الاتحاد الأوروبي لم يتحرك لفرض ذلك النوع من العقوبات الاقتصادية التي قد تخلف أثراً ملموساً على الاقتصاد الروسي إلا بعد مقتل ما يقرب من ثلاثمائة مدني كانوا على متن الطائرة الماليزية.
فيما يتصل بالمزيد من تطوير السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة، لا ينبغي لنا أن نقلل من أهمية العقوبات المشتركة التي فرضها الاتحاد الأوروبي مؤخراً. فبعد أن يتمكن الاتحاد الأوروبي من تفعيل الخطوة الأولى (العقوبات الفعّالة)، لا بد أن تأتي الخطوة الثانية -“اتحاد الطاقة” الكفيل بتمكين أوروبا من إنهاء اعتمادها على الإمدادات من الطاقة الروسية- في أقرب وقت ممكن.
من الواضح أن التغلب على التحدي الذي يواجه قدرة أوروبا على العمل الجماعي سوف يكون أكثر صعوبة عندما نتحدث عن الشرق الأوسط. ويعكس هذا وجود معسكرات قوية مؤيدة للإسرائيليين وأخرى مؤيدة للفلسطينيين داخل الاتحاد الأوروبي، والتي يعيق بعضها البعض عادة؛ وعلاوة على ذلك، فإن الصراعات القائمة في الشرق الأوسط حالياً أشد تعقيداً من تلك التي نشهدها في شرق أوكرانيا.
من المرجح أن تنضم الأردن واليمن ودول الخليج قريباً إلى البلدان الأكثر تضرراً من الاضطرابات الجارية في المنطقة الآن -العراق، وسورية، ولبنان، وإسرائيل، وفلسطين، ومصر، وليبيا. وتتفاقم تعقيدات الأزمة بفعل البرنامج النووي الإيراني والمنافسة على التفوق الإقليمي -وهي المنافسة التي تتغذى على الصراع الطائفي- بين إيران الشيعية والمملكة العربية السعودية السُنّية. والواقع أن الحل (أو الحلول) للمتاعب التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط لا تلوح قريباً في الأفق.
اليوم، هناك نتيجة واحدة يمكن توقعها بدرجة عالية من الثقة، والتي تتلخص في تصعيد الصراع. ومن شأن ذلك أن يهدد بدفع المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى، وبالتالي زيادة وتيرة العنف وتعاظم خطر انتقال العدوى. وهناك، على سبيل المثال، خطر حقيقي يتمثل في تصدير أجزاء من الصراع في الشرق الأوسط إلى أوروبا المجاورة. وسواء شاء الاتحاد الأوروبي أم أبى، فسوف يكون لزاماً عليه أن يواجه هذه الصراعات، لأن من المرجح أن القرارات التي تتعلق بأمنه الداخلي والخارجي ستتخذ في الشرق الأوسط بقدر ما تتخذ في بروكسل والعواصم الوطنية.
لقد أصبح الأوروبيون يعيشون في جوار يعوزه اليقين على نحو متزايد -وهو التطور الذي يستدعي نوعاً من الاستجابات الاستراتيجية التي لا تستطيع أي دولة أوروبية أن توفرها بمفردها. وبالتالي، فقد بات من المحتم العمل على تعميق تكامل الاتحاد الأوروبي وإعادة تنشيط الحوار بشأن السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.
لكن من المؤسف أن العديد من الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي ما يزالون، على الرغم من مرور قرن من الزمان منذ تسببت سياسات القوة الحديثة في إشعال شرارة حرب أسفرت عن مقتل أكثر من عشرة ملايين من آبائهم وأجدادهم، ما يزالون عازفين عن التحضير للتصدي للعاصفة المتجمعة. ويتمنى المرء أن تتبدل هذه الحال عاجلاً وليس آجلا: فالاستعداد للعاصفة أفضل في كل الأحوال من مجرد الارتجاف برداً.

يوشكا فيشر

*سياسي ألماني وزعيم حزب الخضر في ألمانيا. أصبح وزير خارجية ألمانيا منذ العام 1998 حتى 2005 في حكومتي غيرهارد شرودر. يعمل حاليا بالتدريس في جامعة برنستون.
*خاص بالغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى