تأطير أوباما المبدئي للحملة الأخيرة، كجهد محدود يجري بذله في شراكة مع حلفاء، من أجل تفكيك “الدولة الإسلامية” المعروفة أيضاً باسم “داعش”، بدا منطقياً تماماً، وكان من المشجع أن يقلل أوباما من حجم التوقعات وأن يفهم بوضوح كم يمكن أن يسير شيء ما خطأ.
ثم بدأت الأمور بالتدهور. فقد فسر “مسؤول رفيع في الإدارة” في إيجاز صحفي بُث على موقع البيت الأبيض السبب في أن العربية السعودية ستكون شريكاً جيداً في محاربة “داعش”، فكتب: “إن للعربية السعودية حدوداً طويلة مع سورية”. أوه، حقاً؟
في حقيقة الأمر، ليست للعربية السعودية أي حدود مع سورية على الإطلاق. وينبغي أن يكون المرء متشككاً دائماً عندما يذهب البيت الأبيض إلى الحرب مع دولة يخطئ في تحديد مكانها على الخريطة.
ثم سرعان ما شرعت الإدارة، بعد تجنب استخدام كلمة “حرب”، في إسقاط العبارات الملطفة. وأعلنت من عدة منابر أن ما ننخرط فيه في الحقيقة هو حرب بعد كل شيء. وتتصل الأحجية الأخيرة بالقوات البرية. فقد بدا أن أوباما يستثنيها من العملية في الأسبوع الماضي، حين قال إن القوات الأميركية “لن تكون لها مهمات قتالية”. ثم يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، قال الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أنه ربما يوصي، إذا كان ذلك ضرورياً بـ”استخدام القوات البرية الأميركية”. أوه، أوه.
سيدي الرئيس، إنك تجعل الأمور صعبة جداً على أولئك المتعاطفين منّا بشكل أساسي مع سياستك الخارجية. كل هذا يبدو فوضوياً، ضعيف الإدراك وغير منسق –بل في الحقيقة، أشبه بـ”منحدر زلق” محتمل، كما حذرت إحدى افتتاحيات صحيفة النيويورك تايمز الأخيرة.
بطبيعة الحال، من السهل علينا في المدرجات أن ننتقد أولئك الذين يسيرون على الحبل المشدود. إنني أتفق مع خطة أوباما الأساسية المتعلقة بالتصريح للضربات الجوية في سورية، إذا ما تم تنفيذها بحذر وبالتعاون مع القوات الجوية لحلفاء سنيين. لكننا لا يمكن أن نريد هزيمة سورية لداعش على يد الدول التي تسير في مسارها، ومع ذلك، فإننا نفعل الآن.
ينبغي أن يكون التدخل الأميركي مستنداً إلى وجود حكومة عراقية شاملة، بحيث تعمد القبائل السنية إلى مواجهة “داعش”. وينبغي أن يترتب عليه تعاون من تركيا من أجل تعطيل طرق تمويل داعش. وينبغي أن يتضمن ذراعاً لوسائل الاعلام الاجتماعية من أجل مواجهة دعاية “داعش”، وحرباً سيبرانية بهدف التجسس على “داعش” وتعطيلها، وجمع المزيد من المعلومات الاستخبارية الإضافية لرصد المقاتلين الأجانب الذين قد يعودون إلى بلدانهم. وأوباما محقفي أن على الكونغرس تمويل وتسليح بعض قادة الجيش السوري الحر، كثقل موازن لداعش. وقد انضم بعض المقاتلين إلى داعش ببساطة لأنها توفر لهم أجوراً أفضل.
يجب علينا تمويل الثوار السوريين جزئياً لأن سياستنا السابقة -البقاء بمعزل- فشلت وجعلت المشكلة أكثر سوءا. وقد توفي ما يقرب من 200.000 من السوريين، وتزعزع استقرار الأردن ولبنان؛ ونمت التطرفية؛ والعراق تقطعت أوصاله فعلياً الآن، ويجري ارتكاب الفظائع ضد الأيزيديين والمسيحيين وغيرهم من الأقليات.
المشكلة هي أن التحولات المنذرة ومشاعر الاشمئزاز التي أثارتها عمليات قطع الرؤوس التي تنفذها “داعش” تقوم بخلق اندفاعة نحو التدخل، حتى أن البعض يريدون منا أن نقفز مباشرة من الجوانب إلى حمأة الحرب -وحتى بإقحام قوات برية. وسيكون من شأن ذلك أن يأتي بنتائج عكسية نتيجة لتأجيج مشاعر القوميين.
بينما أفضل شخصياً توجيه الضربات الجوية بحذر، فإننا في حاجة لأن نكون واعين تماماً لآفاق المخاطر: أولاً، سوف تعني الضربات الجوية على نحو شبه حتمي وقوع ضحايا من المدنيين بشكل عرضي. وسوف تقوم “داعش” بنشر أشرطة الفيديو للأطفال المصابين لكي تبرهن مقولتها بأن أميركا هي في حالة حرب مع الإسلام. وقد يقوي ذلك مواقف كل الجماعات المتطرفة من أفريقيا إلى آسيا.
ثانياً، يمكن أن يفضي المزيد من القتال في سورية إلى زيادة تدفق اللاجئين إلى الأردن ولبنان وتركيا. وسيكون من المأساوي إذا ما كان ما نقوم به بشكل غير مقصود لا يفضي إلى تفكيك “داعش”، وإنما الأردن.
ثالثاً، يبدو من الممكن تماماً أن تكون “داعش” قد صورت وبثت أفلام قطع الرؤوس بالضبط بنية استدراج أميركا وجرها إلى الحرب. وسوف يكون من الصعب قصف معقل “داعش” السوري في الرقة من دون التسبب بسقوط إصابات وخسائر مدنية، وربما تكون “داعش” قدرت أنها يمكن أن تستثمر الهجمات الأميركية في شكل استقطاب المجندين الجدد، وتعزيز الهيبة والنفوذ.
كما أن لدينا أيضا تحديات هائلة أخرى في الداخل والخارج، والتي قد يكون بوسعنا أن نفعل شيئاً بشأنها أكثر من سورية. قبل بضعة أشهر، كنا في حالة تأهب في أعقاب اختطاف المجموعة الإرهابية النيجيرية، بوكو حرام، عدة مئات من طالبات المدارس والتهديد ببيعهن في سوق النخاسة. وما تزال هؤلاء الفتيات في عداد المفقودين، كما استولت بوكو حرام على المزيد من الأرض في شمال نيجيريا. فدعونا لا نكون مسكونين جداً بهاجس “داعش” بحيث يمكن أن ينصرف انتباهنا عن التهديدات الأخرى.
إنني أنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها مجرد أداة أخرى إضافية. وهي في بعض الأحيان تنقذ الأرواح (كما حدث في كوسوفو ومناطق حظر الطيران العراقية)، وفي أحيان أخرى تكلف الأرواح (العراق وفيتنام). وربما تكون سورية هي فرصة مناسبة لاستخدامها، وإنما فقط إذا تصرفنا كما لو أننا نقف في مواجهة إشارة مرور صفراء، وليست خضراء.
الآن، يبدو أننا بصدد الشروع في مهمة غير مؤكدة، بأهداف غير واضحة، ووفق جدول زمني غير معروف وباستخدام أساليب غامضة مع حلفاء لا يعتمد عليهم. البعض من ذلك قد يكون أمراً لا مفر منه، على اعتبار أن السياسة الخارجية عادة ما تتحرك في الضباب، لكنني كنت لأشعر بمزيد من الاطمئنان لو ان البيت الأبيض استطاع تحديد عدوه على الخريطة، على الأقل.
الغد الاردنية





